عهدٌ جديد من الأجهزة الإلكترونية: اكتشاف جسيمات عديمة الكتلة، بعد 85 عاماً من البحث

 يظهر البروفيسور حسن في الصورة مع مجموعته البحثية ومجموعات البلورات المصنعة، قبل اختيار واحدة منها مناسبة لاحتواء فيرميون ويل. وعندما شُكّلت إحداها، حُملت البلّورات إلى الجهاز ذو الشقين، الذي يسمى "مجهر المسح النفقي الطيفي"(scanning tunneling spectromicroscope) لضمان مطابقتها للمواصفات النظرية. وقد تم تبريد هذا المجهر الطيفي إلى درجة حرارة قريبة من درجة الصفر المطلق في مختبر الطوبولوجيا الكمّية للمادة والتحليل الطيفي في قاعة جادوين التابعة لجامعة برينستون، وهو معلّق من سقف المختبر، لمنع حدوث أي تغييرات على المستوى الذري.

مصدر الصورة: anielle Alio, Office of Communications


اكتشف فريق دولي من الباحثين، بقيادة علماء من جامعة برينستون، أحد الفرميونات الذي يسمى "فرميون ويل" (Weyl fermion). والفرميونات هي جسيمات مراوغة عديمة الكتلة، دُرست نظرياً قبل 85 عاماً. ووفقاً لنتائج بحث جديد، يمكن لهذه الجسيمات أن تُمهِّد لإلكترونيات أكثر سرعة وكفاءة، بسبب قدرتها الفريدة على التصرف كمادة ومادة مضادة في آن واحد داخل بلورة زجاجية.


تُظهر هذه الصورة إشاراتٍ لوجود فيرميونات ويل (إلى الأعلى)، تعيّن علامتي الموجب والسالب لاتجاه لف الجسيم، الذي إما أن يكون بنفس اتجاه حركته ويعرف باتجاه اليد اليمنى، أو عكس اتجاه حركته ويعرف باتجاه اليد اليسرى. تسمح هذه القدرة المزدوجة لفيرميون ويل بقابلية عالية للتنقل. ويوضح المخطط (إلى الأسفل) كيف يمكن لفيرميونات ويل أن تتصرف كجسيمات أحادية القطب وجسيمات مضادة أحادية القطب عندما تكون داخل بلّورة، مما يعني أنها تمتلك شبه شحنات مغناطيسية متعاكسة، وتستطيع على الرغم من ذلك أن تتحرك مستقلة عن الآخر، وهو الأمر الذي يسمح أيضاً بقابلية تنقل عالية.    مصدر الصورة: Su-Yang Xu and M. Zahid Hasan, Princeton Department of Physics.
تُظهر هذه الصورة إشاراتٍ لوجود فيرميونات ويل (إلى الأعلى)، تعيّن علامتي الموجب والسالب لاتجاه لف الجسيم، الذي إما أن يكون بنفس اتجاه حركته ويعرف باتجاه اليد اليمنى، أو عكس اتجاه حركته ويعرف باتجاه اليد اليسرى. تسمح هذه القدرة المزدوجة لفيرميون ويل بقابلية عالية للتنقل. ويوضح المخطط (إلى الأسفل) كيف يمكن لفيرميونات ويل أن تتصرف كجسيمات أحادية القطب وجسيمات مضادة أحادية القطب عندما تكون داخل بلّورة، مما يعني أنها تمتلك شبه شحنات مغناطيسية متعاكسة، وتستطيع على الرغم من ذلك أن تتحرك مستقلة عن الآخر، وهو الأمر الذي يسمح أيضاً بقابلية تنقل عالية. مصدر الصورة: Su-Yang Xu and M. Zahid Hasan, Princeton Department of Physics.


نشر الباحثون، بتاريخ 16 يوليو/حزيران في مجلة ساينس Science، نبأً عن أول رصد لفيرميونات ويل، والتي إن طُبّقت على الجيل القادم من الأجهزة الإلكترونية، فقد تسمح قريباً بتحقيق تدفّق حرّ وفعال للكهرباء في الأجهزة الإلكترونية، وبالتالي تحقيق طاقة أكبر، خصوصاً للحواسيب، كما يشير الباحثون.

لقد جدّ العلماء لفترة طويلة في البحث عن فيرميونات ويل، التي افترض وجودها عالم الفيزياء وعالم الرياضيات هيرمان ويل Hermann Weyl في العام 1929، لأنها كانت تعتبر لبنات البناء المحتملة لجسيمات دون ذرية أُخرى، بل وحتى أنها أكثر أساسية من الإلكترونات ذات الشحنة السالبة (عندما تتحرك الإلكترونات داخل بلَورة) والموجودة في كل مكان. تقتضي الطبيعة الأساسية إمكانية إتاحة فيرميونات ويل لنقلٍ أكثرُ استقرارا وفعالية للجسيمات، مقارنةً بالإلكترونات، وهي الجسيمات الأساسية التي تقف وراء الأجهزة الإلكترونية الحديثة. 


وفيرميونات ويل -بخلاف الإلكترونات- عديمة الكتلة وذات قابلية عالية للتنقل، إذ تَلُف فيرميونات ويل حول نفسها بنفس اتجاه حركتها، الذي إما يكون باتجاه اليد اليمنى أو باتجاه اليد اليسرى المعاكس.

يقول أستاذ الفيزياء لدى جامعة برينستون وكبير الباحثين، زاهد حسن Zahid Hasan: "إن فيزياء فيرميون ويل غريبة للغاية، ويمكن أن تنشأ كثيرٌ من الأشياء الغريبة من هذه الجسيم، ولكن ليس بوسعنا تخيّلها حالياً".

ويوضح حسن، أن اكتشاف الباحثين هذا يختلف عن اكتشافات الجسيمات الأُخرى، حيث من الممكن استنساخ فيرميون ويل وتطبيقه. ثم يضيف حسن، أنه عادةً ما تُكتشف الجسيمات، من مثل بوزون هيجز (Higgs boson) الشهير، في بقايا آثار أرتطام الجسيمات. أما فيرميون ويل، فقد أكتُشف داخل نوع من البلّورات المعدنية الاصطناعية الذي يُدعى زرنخيد التنتالوم (tantalum arsenide)، والذي صممه الباحثون لدى جامعة برينستون بالتعاون مع باحثين في مركز الابتكار التعاوني للمواد الكمية Collaborative Innovation Center of Quantum Matter في بكين، ومن جامعة تايوان الوطنية National Taiwan Universityوكما ذكر حسن، فأن لفيرميون ويل خاصيتين تجعلان من اكتشافه ثروة للإلكترونيات المستقبلية، بما في ذلك تطوير حقل عالي الكفاءة له السبق في تطوير أنواع جديدة من الحوسبة الكمومية.

ووفقاً لحسن أيضاً، فإن فيرميون ويل يُعدّ بالنسبة لعلماء الفيزياء أكثر الجسيمات الملحوظة، التي تُعرف بتصرفها كزوج جسيمات أحادي القطب-أحادي القطب المضاد داخل بلورة. وهذا يعني أن جسيمات ويل، التي تمتلك شبه شحنة مغناطيسية معاكسة، تستطيع أن تتحرك مستقلة عن الجسيمات الأخرى بقابلية عالية للتنقل.

كما وجد الباحثون أنه من الممكن استخدام فيرميونات ويل لتشكيل إلكترونات عديمة الكتلة تتحرك بسرعة عالية، مع انعدام التبعثر الخلفي (backscattering)، حيث تُفقَد الإلكترونات نتيجة حدوث عملية ارتطام تؤدي إلى إعاقتها. فالتبعثر في مجال الإلكترونيات، يعوق كفاءة الفيرميونات ويولد الحرارة. ويقول حسن: "إن إلكترونات ويل، ببساطة، تتحرك عبر وحول الحواجز".


يقول حسن: "تبدو هذه الفيرميونات وكأنها تمتلك نظام GPS خاص بها، وأنها توجه نفسها بنفسها بدون تبعثر (scattering)"، وأضاف: "إنها سوف تتحرك في اتجاه واحد فقط، حيث أنها إما أن تتجه نحو اليد اليمنى أو نحو اليد اليسرى، ولن تتوقف نهائياً، لأنها تسري في أنفاق. إنها إلكترونات سريعة جداً تتصرف مثل أشعة الضوء أحادية الاتجاه، ويمكن استخدامها لإنتاج أنواع جديدة من الحوسبة الكمومية".

قبل نشر الورقة البحثية في مجلة Science، نشر حسن وزملاؤه تقريراً في مجلة Nature Communications، في يونيو/حزيران. وقد اقترح هذا التقرير نظرية مفادها أن فيرميونات ويل يمكن أن توجد في بلّورة زرنخيد التنتالوم. وفي ضوء هذه الورقة، استخدم الباحثون معهد برينستون لعلم وتكنولوجيا المواد Princeton Institute for the Science and Technology of Materials المعروف اختصاراً PRISM، ومختبر الطوبولوجيا الكمية للمادة والتحليل الطيفي في قاعة جادوين لدى لجامعة برينستون، لإجراء البحوث ومحاكاة اثني عشر هيكلاً بلّورياً قبل حيازة بلّورة زرنخيد التنتالوم غير المتناظرة، ذات الأشكال المختلفة لقمّتها وقعرها.

ثم حُملت البلّورات إلى جهاز ذو طابقين يسمى "مجهر المسح النفقي الطيفي" (scanning tunneling spectromicroscope)، الذي بُرِّد إلى درجة حرارة قريبة من درجة الصفر المطلق، وعُلّق من الأعلى لمنع الاهتزازات ذرية الحجم. وقد حدّد المجهر النفقي مدى تطابق البلورة مع المواصفات النظرية لاستضافة فيرميونات ويل، ويقول حسن: "أنه سيخبرنا ما إذا كانت البلورة منزلاً للجسيمات".

نقل فريق جامعة برينستون البلّورات، التي اجتازت اختبار المجهر الطيفي، إلى مختبر لورنس بيركلي الوطني Lawrence Berkeley National Laboratory في كاليفورنيا، لاختبارها مع حزم الفوتونات عالية الطاقة المبنية على مسرع. وعندما أُطلِقت الحزم خلال البلّورة، تم إثبات وجود فيرميونات ويل المراوغة من خلال تحديد شكل وحجم واتجاه الحُزم.

ذكر الباحث المساعد في بحوث ما بعد الدكتوراه لدى قسم الفيزياء في جامعة برينستون، شو يانغ زو Su-Yang Xu، أن العمل كان فريداً من نوعه، نظراً لاشتماله على النظرية والتجريب في آن واحد. يقول زو: "إن طبيعة هذا البحث وكيفية ظهوره، هي في الحقيقة مختلفة وأكثر إثارة من معظم أعمالنا السابقة. يخبرنا المنظرون أن بعض المركبات قد تُظهر صفات جديدة ومثيرة للاهتمام، فنقوم بصفتنا علماء تجريبيين، بتحديد العيّنة وإجراء التجارب لاختبار صحة تنبؤاتهم. ولكننا، في هذه الحالة، توصلنا بأنفسنا إلى التنبؤ النظري، ثم أجرينا التجارب أيضاً. وهذا يجعل النتيجة النهائية أكثر إثارة وإقناعاً من ذي قبل".

ويقول زو، يجب على الباحثين، في تعقبهم للجسيمات المراوغة، العمل على عدد من التخصصات بنفس الوقت، بالإضافة إلى الإيمان بنتائج بحثهم وغريزتهم العلمية.

"إن حل هذه المشكلة يتطلب إشراك الفيزياء النظرية والكيمياء وعلم المواد، والأهم من هذا، الحدس". وأضاف زو: "يُظهر هذا العمل حقاً السبب في أن هذا البحث كان على هذه الدرجة من الروعة، لأنه جمع بين التفكير المنطقي والعقلاني، والإثارة والإلهام".

لقد أقترح العالم هيرمان ويل، الذي عَمِل لدى معهد الدراسات المتقدمة، وجود الفيرميون كبديل للنظرية النسبية، التي اقترحها زميله ألبرت آينشتاين. ويقول حسن، أنه على الرغم من عدم تحقق أي تطبيقات على الفيرميون، فإن خصائص جسيمه النظري أبهرت علماء الفيزياء لما يقارب قرن من الزمن. ويضيف، أن رصد الجسيم كان في الواقع أمراً شاقاً جداً – وقال، لقد اقترحت إحدى التجارب الطموحة إحداث ارتطام عالي الطاقة للنيوترينوهات، لاختبار ما إذا كان فيرميون ويل سينتج عن آثار الارتطام.

ويذكر حسن أن مطاردة فيرميون ويل بدأت منذ الأيام الأولى لنظرية الكم، عندما أدرك علماء الفيزياء للمرة الأولى أن معادلاتهم تتضمن وجود المادة المضادة نظير جسيمات أخرى معروفة وشائعة كالإلكترونات. وأضاف:"لقد اعتقد الناس أنه على الرغم من أن نظرية فيرميونات ويل لا يمكن تطبيقها على النسبية أو النيوترينوهات، إلا أنها أبسط أشكال الفيرميونات، ولديها كل الخصائص الغريبة والرائعة الأُخرى التي قد تكون مفيدة".

ويقول حسن: "بعد انتظار دام أكثر من 80 عاماً، وجدنا أن هذا الفيرميون موجود بالفعل. إنه أبسط لبنة بناء لكل الإلكترونات". وأضاف:" إنه لمن المثير أن نتمكن أخيراً من إظهاره بعد وصفة العالم ويل النظرية في العام 1929".

لقد عَلق آشفين فيشواناث Ashvin Vishwanath، وهو أستاذ الفيزياء لدى جامعة كاليفورنيا في بيركلي (لم يشارك في الدراسة) على الخبر، قائلاً: "أثبتت تجارب البروفيسور حسن رصد كل الخصائص غير الاعتيادية داخل تجمع البلورات، بالإضافة إلى الخصائص السطحية الغريبة التي تم التنبؤ بها نظرياً. وفي حين أنه من المبكر التحدث عن الأثار العملية التي تترتب على هذا الاكتشاف، فأنه من الجدير ذكر أن المواد المُكونة من فيرميومات ويل هي النظير الإلكتروني المباشر ثلاثي الأبعاد للغرافين، الذي يُدرس جدياً تمهيداً لتطبيقات محتملة".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات