تحسين قدرة بطاريات المركبات الفضائية النووية باستخدام مواد جديدة

يمسك مهندس المواد في JPL صمد فردوسي Samad Firdosy وحدة كهروحرارية متكاملة مصنوعة من أربع مزدوجات حرارية، وهي أجهزة تساعد في تحويل الحرارة إلى كهرباء. وتُستخدم المزدوجات الحرارية في تجهيزات التسخين المنزلية، وأيضا في أنظمة الطاقة في المركبات الفضائية.


حقوق الصورة: NASA/JPL-Caltech


لا يوجد سلك توصيل طويل بما فيه الكفاية للوصول إلى كوكب آخر، كما لا توجد محطات شحن للمركبات الفضائية على طول طريقها، لهذا السبب يعمل الباحثون بجد على جعل أنظمة الطاقة في المركبات الفضائية أكثر كفاءة ومرونة واستدامة. يقول جون بيير فلوريال Jean-Pierre Fleurial وهو مشرف على مجموعة أبحاث وتطوير تحويل الطاقة الحرارية في مختبر الدفع النفاث JPL في باسادينا -كاليفورنيا: "تحتاج ناسا إلى أنظمة تزويد بالطاقة طويلة الأمد يمكن الاعتماد عليها، لتسير قدماً في اكتشافها للنظام الشمسي.

 

وهذا مهم بالنسبة للكواكب الخارجية، التي تكون فيها كثافة ضوء الشمس ذات قوة تعادل نسبة ضئيلة مما هو موجود في مدار الأرض". أما عن أكثر التطورات حداثة في أنظمة الطاقة في المركبات الفضائية فهو صنف من المواد ذو اسم غير مألوف وهو "سكوتاروديت" Skutterudites. ويدرس الباحثون استخدام هذه المواد المتقدمة في الجيل التالي المفترض من أنظمة الطاقة وتدعى eMMRTG، التي تشير إلى "مولدة النظائر المشعة الكهروحرارية المحسنة متعددة المهام".




 

ماهي مولدة النظائر المشعة الكهروحرارية RTG؟ 


تولد المواد النشطة إشعاعياً الحرارة طبيعياً أثناء تحولها إلى عناصر أخرى، وتستغل أنظمة طاقة النظائر المشعة هذه الحرارة كوقود لإنتاج كهرباء مفيدة لاستخدامها في المركبة الفضائية. وأنظمة توليد الطاقة بالنظائر المشعة على مركبة ناسا اليوم تستثمر حرارة التفكك الإشعاعي الطبيعي لأوكسيد البلوتونيوم-238 (Plutonium-238 oxide).

وقد أطلقت الولايات المتحدة أولاً مولداً كهروحراريا بالنظائر المشعة RTG إلى الفضاء على متن قمر صناعي عام 1966، كما زودت هذه المولدات مسباري ناسا "فوياجر" voyager بالطاقة منذ إطلاقهما عام 1977، مبتعدان بما يعادل 10 مليارات ميل (16 مليار كيلومتر)، ويعد مسبارا فوياجر المركبتان الفضائيتان الأكثر بعداً عن الأرض ومازالتا مستمرتين.

 

تظهر في الصورة خبيرة التكنولوجيا صباح باكس Sabah Bux من مختبر الدفع النفاث JPL وهي تستخدم الفرن الحراري في عملها لتطوير مادة كهروحرارية تقوم بتحويل الحرارة إلى كهرباء. حقوق الصورة: NASA/JPL-Caltech
تظهر في الصورة خبيرة التكنولوجيا صباح باكس Sabah Bux من مختبر الدفع النفاث JPL وهي تستخدم الفرن الحراري في عملها لتطوير مادة كهروحرارية تقوم بتحويل الحرارة إلى كهرباء. حقوق الصورة: NASA/JPL-Caltech

 

كما أنّ هذه المولدات مكنت العديد من البعثات الأخرى، التي أرسلت ثروة من النتائج العلمية، بما فيها مركبة المريخ الجوالة التابعة لناسا كوريوزيتي Curiosity، وبعثة نيوهورايزنز New Horizions التي حلقت قرب بلوتو عام 2015.

 

لكن وفقا لمحللين حاليين، فمولدة النظائر المشعة الكهروحرارية المحسنة متعددة المهام eMMRTG الجديدة ستزود بالطاقة بنسبة 25% أعلى من مولدة كوريوزيتي آنفة الذكر في بداية المهمة التالية. بالإضافة لذلك، بما أنّ مواد "سكوتاروديت" Skutterudites (الموجودة في المولدات المحسنة الجديدة eMMRTG) تتخرب بشكل طبيعي بشكل أبطأ من مواد مولدة النظائر المشعة الكهروحرارية الحالية MMRTG، فبالتالي إنّ المركبات الفضائية المزودة بمولدة النظائر المشعة الكهروحرارية المحسنة متعددة المهام eMMRTG ستوفر لها تقريبا ً50% طاقة أعلى في نهاية السبعة عشر عاماً المصممة لها كفترة لحياتها مقارنة بالمولدات الحالية اليوم.

 

تقول باكس: "أن نملك نظاماً كهروحرارياً أكثر كفاءة يعني أننا قد نحتاج لاستخدام القليل من البلوتونيوم، سنتمكن من الذهاب أبعد ولفترة أطول، وسنفعل الكثير".


ماهي مواد الـ "سكوتاروديت" Skutterudities؟


إنّ المكونات الحصرية الجديدة في "مولدة النظائر المشعة الكهروحرارية المحسنة متعددة المهام" ‏eMMTRG هي مواد تدعى "سكوتاروديت" Skutterudities، تملك خصائص فريدة تجعلها مفيدة بشكل خاص لأنظمة الطاقة، فهذه المواد تنقل الكهرباء كالمعادن، لكنها تتسخن كالزجاج، كما يمكنها توليد توترات كهربائية عالية.


ومن الصعب الوصول إلى ميزات في المواد مثل هذه، فالوعاء النحاسي مثلاً ناقل ممتاز للكهرباء، لكنه يسخن جداً وبسرعة، والزجاج من ناحية أخرى عازل جيد أمام الحرارة لكن لا يمكنه نقل الكهرباء. وأي من هذه الخصائص غير مناسب في المواد الكهروحرارية التي تحول الحرارة إلى كهرباء.

 

تقول خبيرة التكنولوجيا صباح باكس Sabah Bux من مختبر ناسا للدفع النفاث والتي تعمل على مواد كهروحرارية: "احتجنا إلى تصميم مركبات ذات درجة حرارة عالية، وتملك أفضل مزيج من خواص نقل الكهرباء والحرارة"، وتكمل: "الـ (سكوتاروديت) Skutterudities ببنياتها المعقدة والمكونة من ذرات ثقيلة مثل ذرات عنصر الأنتموان Antimony تمكننا من فعل ذلك".


مولدات النظائر المشعة الكهروحرارية RTGs في الفضاء


يعكف فريق من مختبر ناسا للدفع النفاث على العمل لتحويل السكوتاروديت إلى أزواج حرارية (وتدعى أيضا مزدوجة حرارية)، والمزدوجة الحرارية جهازٌ يولد توتراً كهربائياً من الفرق في درجة حرارة المكونات. ومقارنة مع مواد أخرى، تحتاج المزدوجات الحرارية المصنوعة من السكوتاروديت إلى فرق حراري أصغر لتنتج نفس كمية الطاقة المفيدة، مما يجعلها أكثر كفاءة.

المزدوجات الحرارية 


  • ماهي المادة الكهروحرارية؟
    المواد الكهروحرارية هي مواد يمكنها تحويل الفرق في درجة الحرارة إلى كهرباء، أو بالعكس.
     

 

  • ماهي المزدوجة الحرارية؟
    المزدوجة الحرارية التقليدية مصنوعة من مادتين كهروحراريتين مختلفتين تتصلان معا في لُحمة واحدة أو طرف واحد، حيث يمكن قياس درجة حرارته.

    وعندما تسخن المزدوجة الحرارية، فالفرق في ناقلية المعدنين الحرارية ينتج عنها أن يسخن أحدهما أسرع من الآخر، مسبباً تغير درجة حرارة الطرف المشترك، وهذا الفرق بدرجتي الحرارة يولد توتراً كهربائياً (القوة التي تتدفق الإلكترونات بواسطتها عبر المادة)، ويقوم بتحويل جزء من الحرارة المنتقلة إلى كهرباء.
     

 

  • كيف تعمل المزدوجات الحرارية؟
    المزدوجات الحرارية موجودة في كل منزل: تقيس درجة حرارة فُرنك وتتحكم بسخان الماء خاصتك. المزدوجات الحرارية ليست ذات كفاءة: فهي تنتج توتراً صغيراً جداً، وكأنها لا تنتج أي تيار تقريباً. على العكس، السكوتاروديت أكثر كفاءة بكثير: فهي تحتاج فرقاً حرارياً أصغر لتنتج كهرباء مفيدة.

    وتدرس ناسا الآن المزدوجات الحرارية المصنوعة من السكوتاروديت والتي أعلاها مسطح ولها رجلان وتشبه إلى حد ما النصب الحجرية الرمزية في ستون هينج Stonehenge (منطقة صخرية في بريطانيا).

    وتنتقل الحرارة عبر المزدوجة الحرارية من مصدر حرارة عالية إلى 'مغطس' حراري مناسب (كالماء البارد)، وينتج تيار كهربائي بين الطرف الحار (القمة المسطحة)، والطرف البارد (الأرجل) من المزدوجة الحرارية.


    تقول صباح باكس: ''إنه كما لو كان هناك الكثير من الناس في غرفة فيها جهة حارة والجهة الأخرى باردة. والناس الذي يمثلون الشحنات الكهربائية، سيتحركون من الطرف الساخن إلى الطرف البارد، تلك الحركة هي الكهرباء". والمزدوجات الحرارية مجموعة مع بعضها طرفاً إلى طرف في دارة طويلة واحدة، والتيار الكهربائي يصعد إلى أعلى كل مزدوجة حرارية ويهبط منتجاً طاقة مفيدة.

    ويمكن للأجهزة المجهزة بهذه الطريقة الاستفادة من مصادر حرارية متنوعة، تتراوح في درجة حرارتها بين 392 فهرنهايت إلى أكثر من 1832 فهرنهايت (200° إلى أكثر من 1000° سيليزيوس).


يوجد في نظام الطاقة لمركبة كوريوستي Curiosity، المولد الكهروحراري بالنظائر المشعة متعدد المهام MMRTG، 768 من المزدوجات الحرارية تطوق بنية تشبه العبوة المعدنية، وكلها بنفس الجهة المواجهة لمصدر الحرارة، في مركز المولد. وسيكون في المولد الكهروحراري بالنظائر المشعة متعدد المهام المحسن eMMRTG نفس عدد المزدوجات الحرارية، لكنها كلها ستكون مصنوعة من مادة السكوتاروديت بدلاً من السبائك المستخدمة حالياً والمصنوعة من التيلوريوم Tellurium.


يقول فلوريال: "نحتاج إلى إحداث تغيرات ثانوية فقط في تصميم MMRTG الحالي للحصول على هذه النتائج"، ويكرس فريق يقارب عدده الأربعة والعشرين في مختبر ناسا للدفع النفاث وقته للعمل على هذه المواد المتقدمة واختبار نماذج المزدوجات الحرارية الأولية الناتجة.

وقد اجتازت هذه المزدوجات الحرارية المعتمدة على مادة السكوتاروديت مراجعة ناسا الأساسية لها في أواخر عام 2015، وإن اجتازت المراجعات التالية في عامي 2017 و 2018، فيمكن لأول مولد كهروحراري بالنظائر المشعة متعدد المهام محسن ‏eMMRTG ويستخدم هذه المادة أن يحلق على متن بعثة من صنف بعثة "آفاق جديدة" New Frontiers القادمة التابعة لناسا.


التطبيقات المعتمدة على مادة السكوتاروديت على الأرض 


هناك العديد من التطبيقات المحتملة لهذه المواد الكهروحرارية المتقدمة هنا على الأرض. يقول تيري كايلات Thierry Caillat رئيس مشروع Technology Maturation في مختبر ناسا للدفع النفاث: "في الحالات التي تنبعث فيها حرارة زائدة، يمكن استخدام مادة السكوتاروديت لتحسين الكفاءة وتحويل تلك الحرارة الضائعة إلى كهرباء".


فمثلا، يمكن تحويل الحرارة الناتجة عن عوادم السيارات إلى كهرباء لتعود وتغذي المركبة، إذ يمكن استخدامه في شحن البطاريات أو التقليل من استخدام الوقود. وعمليات المعالجة الصناعية التي تتطلب درجات حرارة عالية، كعمليات معالجة السيراميك والزجاج، يمكن أيضاً استخدام مواد السكوتاروديت معها للاستفادة من الحرارة الزائدة.


وفي عام 2015، منح مختبر ناسا للدفع النفاث رخصاً ببراءات الاختراع لمواد الحرارة العالية الكهروحرارية هذه إلى شركة Evident Technologies ومقرها في تروي Troy -نيويورك. يقول فلوريال: "خلال العشرين عاما المنصرمة، ظهر حقل المواد الكهروحرارية إلى الوجود وازدهر. هناك الكثير من العلم العظيم في هذا المجال، نحن متحمسون لاستكشاف فكرة ارسال هذه المواد إلى الفضاء، وتقديم الفائدة للصناعة الأمريكية على التوازي مع ذلك".


أما عن عمل مختبر ناسا للدفع النفاث لتطوير مواد كهروحرارية عالية الكفاءة فهو ينفذ بالشراكة مع وزارة الطاقة الأمريكية DOE، وأنظمة تيليدين للطاقة Teledyne وشركة Aerojet Rocketdyne. وقد أسس هذا العمل برنامج نظام الطاقة بالنظير المشع التابع لناسا، والذي يديره مركز أبحاث غلين التابع لناسا Glenn.


كما ينتج العتاد الصلب للرحلة الفضائية أنظمة تيليدين للطاقة Teledyne وشركة Aerojet Rocketdyne بموجب عقد مع وزارة الطاقة الأمريكية DOE، التي تدعم وتكمل التجميع، وتملك المنتج النهائي، ويدير معهد كاليفورنيا للتكنلوجيا Caltech مختبر ناسا للدفع النفاث لصالح ناسا.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات