ماذا يحصل عندما لا يكون لكل فعل رد فعل يساويه بالقيمة ويُعاكسه بالاتجاه؟

ماذا يحصل عندما يتحطم قانون نيوتن الثالث؟

في تجارب جديدة، ترتفع طبقتين من الجسيمات الميكروية على علوّين مختلفين فوق الكترود (قطب مشحون)، وسمحت تلك الجسيمات للباحثين بتحري الميكانيكا الإحصائية للتفاعلات غير المتبادلة (nonreciprocal interactions)، وهذا ينتهك قانون نيوتن الثالث. 

 

حتى لو لم تعرفه عن طريق اسمه، فقانون نيوتن الثالث مألوف لكل شخص، فهو القائل: لكل فعل، هناك رد فعل يساويه بالقيمة ويعاكسه بالاتجاه. يمكن أن ترى هذه الفكرة في العديد من الحالات اليومية -مثلاً عند المشي، حيث تضغط قدم الشخص على الأرض والأرض بدورها تدفع القدم بقوة مساوية ومعاكسة. 

 

قانون نيوتن ضروري أيضاً للسيارات المتطورة والطائرات والصورايخ والمراكب والعديد من التقنيات الأخرى. وبالرغم من أنه أحد القوانين الأساسية في الفيزياء، إلّا أنَّه قد يُنتهك في حالات محددة وغير متوازنة (nonequilibrium situations). عندما يَنتهك جسمان أو جسيمان القانون الثالث، تسمّى التفاعلات الحاصلة بالتفاعلات غير المتبادلة (nonreciprocal interactions). 

 

قد تحصل تلك الانتهاكات عندما تشترك البيئة في التفاعل الحاصل بين جسيمين بطريقة ما، مثلاً عندما تتحرك البيئة بالنسبة لجسيمين. وبالطبع، لايزال قانون نيوتن صحيحاً بالنسبة لنظام "جسيمات+البيئة". 

بالرغم من وجود الكثير من التجارب التي درست الجسيمات في التفاعلات غير المتبادلة، إلّا أنَّه ليس معروفاً وإلى حدٍ بعيد ماذا يحدث على المستوى المجهري في الميكانيكا الإحصائية لهذه الأنظمة. 

 

وفي ورقة علمية جديدة نُشرت في مجلة "Physical Review X"، درس اليكسي إفليف (Alexei Ivlev) وآخرون الميكانيكا الإحصائية للأنواع المختلفة للتفاعلات غير المتبادلة، واكتشفوا بعض النتائج المفاجئة، مثل إمكانية نشوء تدرجات حرارية شديدة (extreme temperature gradients) عند مستوى مكافئ لحجم الجسيم. 

 

يقول إفليف، وهو العالم في معهد ماكس بلانك لفيزياء العوالم الخارجية في غارشينغ-ألمانيا: "أعتقد أن الأهمية الأعظم لعملنا تكمن في برهاننا وبصرامة أنّ بعض تلك الأصناف المحددة من الأنظمة غير المتوازنة يمكن وصفها باستخدام الميكانيكا الإحصائية لحالة التوازن، بمعنى آخر من الممكن استنتاج الهاملتوني الزائف (pseudo-Hamiltonian) الذي يصف مثل هذه الأنظمة". ويتابع: "من بين أحد أكثر النتائج إذهالاً هي إمكانية الرصد التفصيلي لمزيجٍ من سائلين موجودين في حالة توازن، وعلى الرغم من ذلك يبقى لكل سائل درجة حرارته الخاصة". 

 

من بين الأمثلة على الأنظمة ذات التفاعلات غير المتبادلة والتي برهن الباحثون صحتها تجريبياً في دراستهم هي رفع الجسيمات الميكروية المشحونة فوق الكترود موجود في حجرة بلازما. ينشأ انتهاك قانون نيوتن الثالث من حقيقة أن النظام يتضمن نوعين من الجسيمات الميكروية التي تُرفع إلى ارتفاعين مختلفين تبعاً لاختلاف أحجامها وكثافتها.

 

يُحرك حقلٌ كهربائي، موجودٌ في الغرفة، تدفقاً شاقولياً للبلازما -مثل تيار في نهر- ويُركز كل جسيمٍ مشحون على أيونات البلازما المتدفقة مع التيار، مما يخلق أثر بلازما عمودية خلفه. 

 

على الرغم من كون قوى التنافر، الحاصلة جرّاء التفاعلات المباشرة بين طبقتين من الجسيمات، هي قوة متبادلة، إلا أن قوى التجاذب الموجودة في الذيل المكون من الجسيمات (الأثر البلازمي) ليست كذلك. وذلك ناجمٌ عن كون تلك القوى تتناقص مع تزايد البعد عن الالكترود، ولأنه يتم رفع الطبقات إلى ارتفاعات مختلفة أيضاً.

 

نتيجةً لذلك، تمارس الطبقة السفلية قوة إجمالية أكبر على الطبقة العلوية مقارنةً مع تلك القوة التي تمارسها الأخيرة على الأولى. ولذلك تمتلك الطبقة العليا طاقة حركية وسطية أكبر، ودرجة حرارة أعلى من الطبقة السفلى. وبضبط الحقل الكهربائي، استطاع الباحثون زيادة الاختلاف في الارتفاع بين الطبقتين، مما عمّق من الزيادة الحاصلة في الفرق بين درجات الحرارة.

 

يقول إفيلف: "في العادة، أنا محافظٌ عند التفكير في أي نوع من التطبيقات الفورية المحتملة لاكتشاف معين (على الأقل في الفيزياء). على كل حال، الشيء الذي أثق به هو أن نتائجنا تزودنا بخطوة مهمة نحو الحصول على فهمٍ لبعض أنواع الأنظمة غير المتوازنة. هناك أمثلة عديدة عن الأنظمة المختلفة وغير المتوازنة، حيث انتُهك تناظر الفعل ورد الفعل بالنسبة للتفاعلات بين الجسيمات، لكننا بيّنا أنه على الرغم من هذا فبإمكان الشخص إيجاد تناظر آخر يسمح بوصف مثل هذه الأنظمة بالاعتماد على كتب الميكانيك الإحصائي لحالات التوازن". 

 

في الوقت الذي تُعتبر فيه تجربة البلازما مثال على تحطم تناظر الفعل ورد الفعل في نظام ثنائي البعد، يتحطم التناظر نفسه في الأنظمة ثلاثية الأبعاد. ويتوقع العلماء أن كلا النوعين من الأنظمة يُبدي سلوكاً استثنائياً، ويأملون تحري ودراسة هذه الأنظمة بشكلٍ أكبر في المستقبل. 

 

يقول إفيلف: "ركّز بحثنا الحالي على عدة مواضيع في هذا الاتجاه، وكان من بينها تأثير تحطم تناظر الفعل ورد الفعل على التعليق الغراوني المفرط (overdamped colloidal suspensions)، حيث تقود التفاعلات غير المتبادلة إلى تنوعٍ غني وملحوظ في الظواهر ذاتية التنظيم (self-organization phenomena) -مثل التعنقد الحركي (dynamical clustering) وتشكل الأنماط (pattern formation) والفصل الطوري (phase separation)". 

 

ويتابع قائلاً: "قد تؤدي نتائج هذا البحث إلى عدة تطبيقات مثيرة ومختلفة تماماً عن الموضوع الرئيسي. ومن بين المواضيع الأخرى التي ركز عليها بحثنا، وُجدَ موضوعٌ أساسي جداً وهو كيف يستطيع المرء وصف صنف أوسع بكثير من الأنظمة غير المتبادلة القريبة من الهاملتونية، والتي تتطابق تفاعلاتها تقريباً مع تلك الموصوفة باستخدام الهاملتوني الزائف. نأمل أن نكتب قريباً عن نتائج بخصوص هذا الأمر".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات