تقديس السماوات: كيف يتقاطع علم الفلك مع الدين –الجزء الثاني

- الدين وعلم الفلك: من غاليليو إلى الكائنات الفضائية –

 

إن من أشهر الأمثلة على التصادم بين العلم والدين محاكمة غاليليو غاليلي (Galileo Galilei)، حيث أيّد غاليليو رأي كوبرنيكوس (Copernicus) القائل بأن الأرض تدور في مدار حول الشمس، وهي "نظرية مركزية الشمس" التي أعلنت الكنيسة بأنها تتعارض مع الكتاب المقدس، وقد تم الضغط على غاليليو للتخلي عن دعمه لهذه النظرية وتبني المفهوم التقليدي، أي "مركزية الأرض"، بدلاً من ذلك وأن الأرض نقطة ثابتة يدور الكون من حولها.


وبدلاً من ذلك فقد نشر غاليليو في عام 1632 كتاب "حوار حول النظامين الرئيسيين للكون"، حيث تمت صياغة محتوى الكتاب على شكل محادثة بين رجل اسمه سالفيتي (Salviati) ، ويتحدث بلسان فيلسوف يؤيد مركزية الشمس، ورجل آخر يسمى سيمبليسيو (Simplicio)، ويتحدث بلسان رجل مؤيد لفكرة مركزية الأرض، وساغريدو (Sagredo) وهو يمثل رجل محايد، وقد كان البابا أوربان الثامن في الحقيقة قد أذن لغاليليو بكتابة الكتاب طالما أنه لا يدعم وجهة نظر واحدة ضد الأخرى، إلا أن سالفيتي كان يعكس معتقدات غاليليو بينما كان سيمبليسيو يبدو كالأحمق.


أما الرأي المنتشر حول الضجة التي أعقبت نشر كتاب غاليليو، فهو أن البابا تعرض للإهانة عندما تم عرض أفكاره على لسان سيمبليسيو، وهي الشخصية التي لم يُرَد لها أن تبدو سخيفة فحسب، بل كان الاسم بحد ذاته اختصاراً لـ "simple-minded" بمعنى بسيطي التفكير، ومع ذلك فإن عالم الفلك في الفاتيكان غاي كونسولمانيو (Guy Consolmagno) يختلف مع هذا التحليل.


يقول كونسلمانيو: "أولاً، كان سيمبليسيو اسماً مشهوراً في الخطابات الفلسفية، وليس أمراً اخترعه غاليليو ليمثل شخصية رجل قادر على الرؤية من خلال الضباب الذي يصنعه الفلاسفة الأكثر ذكاءً وعلماً والذين ابتكروا نظريات مفصلة وغفلوا عن الحقائق الواضحة و البسيطة، مثل الطفل البريء الذي يدرك أن الإمبراطور لا يرتدي ملابس، وفي هذا السياق، يمكن أن ينظر إليها كنوع من المجاملة.

 

وثانياً، فهذا النوع من التلاعب بالكلمات يعد إلى حد ما شائعاً في اللغة الإنجليزية، ولكنني لا أعتقد أنه منتشر إلى هذه الدرجة أو بهذه الكيفية باللغة الإيطالية، فأنا لا أدري إن كان أي شخص في ذلك الزمان والمكان قد فسرها بالطريقة التي فسرناها نحن الناطقين باللغة الانجليزية، وأخيراً فقد تمت الموافقة على الكتاب من قبل الرقابة التابعة للبابا قبل نشره، فلو كان البابا سيتعرض للإهانة بالفعل بهذا الاسم للاحظ ذلك قبل فترة طويلة من طباعته".


وبالرغم من ذلك فقد دفعت التداعيات السياسية الكنيسة إلى سحب الإذن بنشر الكتاب، ووجد غاليليو نفسه أمام لجنة تحقيق خاصة مكونة من عشر قضاة، أدانته بتهمة الهرطقة، ولكن بعد أن أنكر غاليليو اعتقاده بالجزء المتعلق بمركزية الشمس الوارد في الكتاب، تم تخفيض الحكم عليه إلى الإقامة الجبرية.


يقول كونسولمانيو: "أدى غاليليو عقوبته في البداية كضيف شرف للأسقف سيينا Siena قبل أن يعود إلى الفيلا الخاصة به، حيث عاش لعشر سنوات أخرى، وكان يستقبل الزوار بانتظام، كما ألف كتاباً آخر، وأنا هنا لا أسعى هنا إلى غسل يدي الكنيسة من الأخطاء التي وقعت فيها فيما يتعلق بقضية غاليليو، ولكنها كانت بالتأكيد ردة فعل غير محسوبة ضد العلم".


يشير كونسولمانيو إلى أنه لفهم ما حدث حقاً، يجب أن نأخذ بالاعتبار طريقة التفكير الفلسفي السائدة تجاه الوقت والأحداث التي كانت تجري داخل الكنيسة وفي المجتمع بشكل عام في ذلك الوقت، حيث يمكن ملاحظة ذلك في الوثائق الأصلية للمحاكمة، والتي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية في منشورات مختلفة مثل وثيقة "محاكمة غاليليو غاليلي" لفيناكيارو (Finocchairo). يقول كونسولمانيو: "لقد أدين غاليليو لوقوعه في أخطاء فنية، ويقع عليه اللوم في ذلك، ولكن يبقى السؤال قائماً عن سبب مطاردتهم له بتلك الكيفية وفي ذلك الوقت، ونحن نرى اليوم أنه لم يجب أن يتعرض غاليليو للمحاكمة في المقام الأول."

 

بحلول عام 1992 كان البابا يوحنا بولس الثاني قد أصدر اعترافاً بحصول أخطاء في محاكمة غاليليو، ولم يصدر أي بيان اعتذار من هذا القبيل بحق جيوردانو برونو (Giordano Bruno) الذي أحرقته الكنيسة عام 1600، فبرونو لم يدعم مركزية الشمس وحسب، بل ادعى أيضاً أن هنالك عوالم متعددة غير الأرض، وكل منها يدور حول شمسه الخاصة به، وفي هذا الخصوص يقول عالما الفلك من الفاتيكان بأن إعدام برونو لم يكن بسبب تقديم هذه الأفكار، حيث يقول كونسولمانيو: " إنه لمن السخرية أنه إن كان قد أحرق وقتها فسيكون ذلك بسبب السرقة الفكرية، حيث أن نيقولاس الكوزاني Nicholas of Cusa نشر تلك الأفكار قبل برونو ب200 عام، وكان كاردينال".


تم نشر كتاب نيقولاس "عن الجهل المتعلم" عام 1440، حيث بحث فيه إمكانية وجود عوالم المتعددة، كما ذكر فيه احتمالية وجود كائنات فضائية على سطح كل من القمر والشمس. يقول زميل كونسولمانيو عالم الفضاء في الفاتيكان الأب بول بافيل غابور (Paul Pavel Gabor): "لقد عيّن في منصب كاردينال في عام 1448، فمن الواضح تماماً أن نشره للكتاب لم يدمر حياته المهنية". كما يضيف كونسولمانيو أن السبب الأكثر احتمالاً لعداوة الكنيسة لبرونو هو إنكاره لألوهية المسيح بالإضافة لبعض المذاهب الأساسية الأخرى في الديانة المسيحية.


ويضيف غابور: "أعتقد أن مشكلة برونو الحقيقية كانت في اتهامه بأنه جاسوس إنجليزي"، ويقول بأنه تم سجن برونو في أماكن مختلفة في جميع أنحاء أوروبا قبل أن يستقر في سجن في البندقية، ما أدى بعد ذلك إلى إعدامه في روما، كما ينوه غابور إلى أن ملف وثائق السنوات السبع الأخيرة لمحاكمته اختفت بسبب نهب نابليون للفاتيكان.


يقول غابور: "إن جميع من استمروا في الكتابة حول ذلك، وكأنهم يعلمون ما حصل بالفعل، لا يكتبون إلا تخيلات".  يؤكد كل من كونسولمانيو وغابور على أن فكرتي الكائنات الفضائية والعوالم المتعددة ليست جديدة على الكنيسة، ولا تتحدى أو تهدد المعتقدات الأساسية لدينهم، حتى أن الفاتيكان قام بتمويل ورشة عمل لبيولوجيا الفضاء عام 2009، ووفقاً لكونسولمانيو، فقد فعلت الكنيسة ذلك سعياً منها لإنشاء منتدى للعلماء المهمين في هذا المجال لإجراء حوارات، ويقول كونسولمانيو: "لم يكن الأمر كما أظهرته قناة سي إن إن، حيث كانت الكنيسة قلقة بسبب موضوع الكائنات الفضائية".


ويضيفان بأنه لم يكن هنالك نقاشات دينية أثناء ورشة العمل تلك، بل كان التركيز منصباً على علم بيولوجيا الفضاء، ولم يتم الحديث عن نقاط التقاطع الفلسفية بين الدين والعلم إلا بشكل غير رسمي أثناء استراحات تناول القهوة واللقاءات الاجتماعية الأخرى.


يقول كونسولمانيو: "لقد تمسك الفلاسفة بفكرة وجود كائنات فضائية منذ مئات السنين إن لم يكن أكثر، ولكن حتى يتم العثور على الكائنات الفضائية، ستبقى هذه القضايا جزءاً من الخيال العلمي بدلاً من الدين أو العلم، وأعتقد أنه دور مهم جداً يجب أن يؤديه الخيال العلمي، حيث أننا في هذه المرحلة نتداول هذا الموضوع على سبيل اللعب بالأفكار لا غير، فنحن نقوم باستكشاف الفضاء حيث يمكن لهذه الأفكار أن تكون، ونحن لا نعلم، ولا نمتلك الإجابات، ولهذا السبب يعد ذلك أمراً ممتعاً!"

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • غاليلي، غاليليو (Galileo Galilei): عالم إيطالي، عُرف عن غاليليو إسهامه الكبير في الفيزياء، و علم الفلك، و الفلسفة العلمية. كما يُعتبر المؤسس الأساسي للعلوم الحديثة. قام غاليليو بتطوير التلسكوب، الذي اعتمد عليه في اكتشاف فوهات على القمر، بالإضافة إلى اكتشاف أكبر أقمار المشتري. أُدين غاليليو من قبل الكنسية الكاثوليكية بسبب نظرته للكون التي تعتمد على نظرية كوبرنيكوس. المصدر: ناسا

اترك تعليقاً () تعليقات