هل اكتشفنا النيوترينو العقيم!

شملت تحاليل دقيقةٌ أكثر من 300 ألف نيوترينو إلكتروني مضاد (electron Antineutrino)، تُصدرها المفاعلات النووية في الصين، وتُقدم لنا أفضل الأدلة على أن تدفق وتوزع طاقة هذه الجسيمات لا يتفق مع التوقعات النظرية، ويُعتبر هذا الكشف الأدق من نوعه حتى الآن، وفي الوقت الذي يمكن فيه إرجاع هذا الاختلاف إلى النقص الموجود في النماذج الحالية التي تصف إنتاج ورصد النيوترينو، يمكن أيضاً أن يقدم نيوترينو رابع غير معروف حتى الآن تفسيراتٍ لبعض الاختلافات مع النظرية، وقد جُمعت هذه البيانات من تجربة النيوترينو لمفاعل دايا بي (Daya Bay) الدولي، الذي يتألف من ثمانية كواشف للنيوترينو المضاد، تقوم برصده بعد إصداره من ستة مفاعلاتٍ نوويةٍ قريبة، وتم إجراء هذا القياس الأخير باستخدام ستةٍ من هذه الكواشف، يحوي كل منها على 20 طناً من الكاشف الوميضي السائل المشوب بالجادولينيوم (gadolinium-doped)، الذي يصدر ومضاتٍ من الضوء جراء تفاعل نيوترينو إلكتروني مع ذرة الجادولينيوم.

ذروة غامضة


استمر جمع البيانات على فترةٍ تجاوزت 217 يوماً، مما سمح للفريق بقياس طاقة النيوترينوهات المضادة بارتيابٍ صغيرٍ جداً وصل إلى 1%، ويدّعي الباحثون أن ذلك القياس هو الأكثر دقةً حتى الآن، ولكن بدلاً من الاتفاق مع النماذج الحالية لإصدار النيوترينو، احتوى طيف الطاقة فائضاً كبيراً من النيوترينوهات المضادة عند مستوى طاقة 4-6 (ميغا إلكترون فولط) مع دلالةٍ إحصائيةٍ بلغت 4σ.

وجود هذه الذروة مُدعم بتجربتي نيوترينو لمفاعلين آخرين، هما تجربة (Double Chooz) في فرنسا وتجربة (RENO) في كوريا، واللتان شهدتا فائضاً عند مستوى طاقة 4-6 Mev، مع دلالاتٍ إحصائيةٍ بلغت 3σ و 3.5σ على التوالي، على الرغم من أن هذا أقل من 5σ المطلوبة عادةً من أجل حصول "اكتشاف" في فيزياء الجسيمات، وعلى أي حال، كان العدد الكلي للنيوترينوهات المضادة التي تم رصدها في دايا بي عند مستوى طاقة 1-7 Mev، أقل بـ 6% من القيمة التي توقعتها النظرية.

هذا النقص تم الكشف عنه للمرة الأولى عام 2011، من قبل تيري لاسر Thierry lasserre وزملائه في مركز CEA Saclay في فرنسا، حيث قاموا بتقييم البيانات القادمة من تجارب من مفاعلاتٍ مختلفة، ووفقاً للاسر وزملائه، هناك تفسيرٌ وحيدٌ للنقص الكلي الحاصل في النيوترينوهات المضادة، وهو أن الجسيمات المفقودة اهتزت على شكل نوعٍ رابعٍ من النيوترينوهات أثناء تحركها بين المفاعل والكاشف، وهنا يظهر النيوترينو العقيم (sterile neutrino)، الذي تنبأت به بعض التوسعات للنموذج القياسي كأحد المرشحين.


إذا كانت النيوترينوات العقيمة موجودة حقاً، فهي ستتفاعل بشكلٍ ضعيفٍ جداً -إن تفاعلت- مع المادة الاعتيادية، وبذلك سيكون رصدها أصعب بكثيرٍ من رصد النيوترينوهات المألوفة، وعلى أي حال، يمكن الاستدلال على وجود هذه النيوترينوهات بالنظر إلى الاختلافات الكائنة بين التدفق المُقاس للنيوترينوهات وذلك الذي تنبأت به النظرية.

الحاجة إلى مزيدٍ من الأدلة


وفقاً للاسر، غير الموجود في تعاون دايا بي، على الفيزيائيين الباحثين عن النيوترينوهات العقيمة الانتظار عدة سنواتٍ أخرى للحصول على دليلٍ أفضل، إذ يقول: "نحتاج تجارب جديدةً مكرسةً للبحث عن النيوترينوهات العقيمة، والعديد منها قيد الإنجاز الآن". ويضيف: "نتوقع نتائج جديدةً خلال السنوات الثلاث القادمة"، ويتابع أن الفائض الموجود للنيوترينوهات المضادة عند مستوى 4-6 Mev، يُمثل خاصيةً جديدةً نسبياً، إذ جرى التعرف إليها للمرة الأولى عام 2014. ويشرح قائلاً: "لدى دايا بي الآن أكثر البيانات دقةً وهذه نتيجةٌ عظيمة، لكن ليس لدينا حتى الآن أي تفسيرٍ ثابتٍ لما قد تعنيه بالضبط".

يُضيف لاسر بأنه من غير المحتمل أن تكون هذه الذروة متعلقةً بالنيوترينوهات العقيمة، وإنما يرتبط الأمر بمحدودية فهمنا لكيفية إنتاج النيوترينوهات المضادة داخل المفاعل أو كيفية عمل الكاشف، ويؤكد كام-بيو لوك Kam-Biu Luk، المتحدث الرسمي باسم تعاون دايا بي من جامعة كاليفورنيا-بيركيلي: "يقترح هذا الاختلاف غير المتوقع بين اكتشافنا وتوقعاتنا، أن الحسابات الحالية بحاجةٍ إلى بعض التحسينات".

يُقدم القياس القادم من دايا بي معلوماتٍ مهمةٍ لعلماء الفيزياء الذين يدرسون كيفية اهتزاز النيوترينوهات القادمة من المفاعلات النووية بين النكهات المختلفة، أثناء انتقالها على طول المسافات الكبيرة الكائنة بين المفاعل والكاشف، ووفقاً للتعاون، فإن تجارب كهذه "قد تدعو إلى الحاجة إلى مراجعة النماذج التي تعتمد عليها الحسابات"، ويتضمن ذلك كاشف جونو (JUNO)، الذي يتم بناؤه الآن على بعد 200 كم من دايا بي.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات