مزاوجة نظام الدفع الكهربائي مع التحكم الرقمي ربما يفتح لنا آفاق جديدة للطيران

تقوم ناسا وشركاؤها التجاريون بملائمة نموذج قياسي لطائرة خاصة، تكنام بي2006تي (Tecnam P2006T) لتُزوَّد بدفع كهربائي متعدد ينشر على أجنحتها.


حقوق الصورة: ناسا.


يتخيل مارك مور Mark moore عالماً تقضي فيه الطائرات النظيفة والرشيقة على زحمة الطريق السريع، حيث يُستبدل تعب ساعتين من السفر بقفزةٌ سريعةٍ عبر السماء.

ما هو التقدمٍ الملاحي الذي بإمكانه أن يجعل عالماً مثل هذا ممكناً؟ الجواب هو فكرة ثورية ذات اسم ممل: الدفع الكهربائي الموزَّع (distributed electric propulsion).


أثناء حديث مارك مور في الندوة، استعرض تصورات لطائرات سابقة وظّفَت نظام الإقلاع والهبوط العمودي (VTOL).   حقوق الصورة: ناسا/ دافيد بومان.
أثناء حديث مارك مور في الندوة، استعرض تصورات لطائرات سابقة وظّفَت نظام الإقلاع والهبوط العمودي (VTOL). حقوق الصورة: ناسا/ دافيد بومان.


يتوقع مور أنه سيتم دمج المحركات الكهربائية خفيفة الوزن ذات الكفاءة العالية مع التحسينات في تكنولوجيا البطاريات والقيادة الذاتية، لخلق عصرٍ ذهبيٍ من ابتكارات الطيران.

" في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، كانت هناك تطورات مذهلة ومتسارعة في تكنولوجيا الطيران"، ذلك ما قاله مور في أحد لقاءات سلسلة ندوات لانغلي التابعة لناسا NASA Langley Colloquium Series والتي كانت بعنوان "الحقبة القادمة للدفع الكهربائي الموزَّع في الطيران وماذا يعني" The Coming Era of Distributed Electric Propulsion for Aviation and What It Means.

ويضيف لجمهوره "إن كنتم غيورين من تلك الفترة، أعتقد أننا على وشك دخول هذه السنين مجدداً، والسبب بالتحديد هو نظام الدفع الكهربائي الموزع والقيادة الذاتية".

 مغامرات طائرة إكس


خلال السنوات الثلاثين السابقة، صمّم مور تصورات متقدمة للطائرات لصالح ناسا، مُركّزاً بشكل رئيسي على مركبات أصغر حجماً. والآن، يقوم بتطوير "تكنولوجيا الدفع الكهربائي المتقارب لطائرة إكس" في لقاء لانغلي التابع لناسا. يقول مور أنه، عبر ذلك المشروع وغيره من المشاريع، يتعلم باحثو ناسا كيف يسخّرون الحرية التي جلبها الدفع الكهربائي. إن أحد الأمور الساحرة في الدفع الكهربائي هو القدرة على العمل تقريباً على أي مقياس.

يضيف مور: "مهما كان حجم هذه المحركات الكهربائية، فإنك تحصل على كفاءة عالية، وموثوقية عالية، وقدرة لا تصدق على الانضغاط. وسواء كانت بقوة 10 أحصنة، أو 100 حصان، أو 1000 حصان، فإن هذه الميزات تبقى موجودة، ولا يهم كم هو مقدار كبر المحرك أو صغره". ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى محركات الاحتراق الذاتي أو المحركات التوربينية.

تسمح مرونة الحجم للمصممين بوضع مراوح دافعة (propellers) في الطائرة في أماكن لم تكن متاحة سابقاً، بهدف تصميم طائرات أكثر رشاقة وقدرة. يمكن التحكم بالمحركات رقمياً لتعمل بانسجام مع أنظمة الطائرة الأخرى، وذلك ﻷن هذه المحركات كهربائية. ومن شأن إضافة تحكم ذاتي أن يتيح إمكانيات جديدة أيضاً.

قال مور في مقابلة قبل إلقاء كلمته: "يسمح لنا الدفع الكهربائي الموزع أن نفعل الأشياء التي كنا نريد أن نفعلها طوال السنوات الخمسين الماضية".

قال مور أنه وعلى سبيل المثال، فإن العديد من تجارب ما يعرف بالإقلاع والهبوط العمودي (VTOL)، قد صدرت عنها نتائج عادية. فتصميم طائرة يمكن أن تقلع مثل الهيليكوبتر، ومن ثم تطير للأمام بأجنحة مثل الطائرة أمر صعب. يجعل الدفع الكهربائي من تصاميم طائرات نظام الإقلاع والهبوط العمودي الجديد والواعد أمراً ممكناً، ليس هذا فحسب، بل إنه يجعله أيضا أسهل للاستخدام في وسائل المواصلات المدنية.

لهذه التصاميم فائدة إضافية كونها صديقة للبيئة من حيث استهلاكها للوقود ومن حيث إصدارُ الضجة.

 اختبار هذه التكنولوجيا


هذه الأفكار قفزت فعلياً من لوح الرسم إلى مدرج المطار.

قام باحثو لانغلي في وقت سابق من هذه السنة بتجربة نموذج طائرة بدون طيار اسمه البرق المدهون Greased Lightning اختصارًا (GL-10). هذا النموذج -والذي يبلغ باع جناحيه (المسافة بين أقصى الجناح الأيمن وأقصى الجناح الأيسر) 10 أقدام ولديه عشر مروحيات تعمل بالبطارية- انتقل بنجاح من مرحلة الحوم إلى مرحلة الطيران الأمامي بواسطة الجناحين خلال التجربة في حصن أمبروز باول هيل A.P. Hill في ولاية فرجينيا. وفيديو اليوتيوب الذي وثق تلك التجربة حقق أكثر من مليون مشاهدة.





اسم مشروع مور هو سكيبتور (SCEPTOR)، وهي اختصار للعبارة ''الأبحاث المتعلقة بعمليات تكنولوجيا الدفع الكهربائي المتقارب القابل للتحجيم'' (Scalable Convergent Electric Propulsion Technology Operations Research). اشتركت عدة فرق من لانغلي ومركز آرمسترونج لأبحاث الطيران مع شركة أنظمة الفضاء التطبيقية Empirical Systems Aerospace وجوبي للطيران Joby Aviation في ولاية كاليفورنيا الأمريكية لدفع فكرة الدفع الكهربائي للأمام بأقصى سرعة ممكنة .

تقوم ناسا وشركاؤها التجاريون بملائمة نموذج قياسي لطائرة خاصة أسمها تكنام بي2006تي (Tecnam P2006T) لتزود بمروحيات دفع كهربائية متعددة تنشر على جناحيها.

المراد من هذا المشروع الذي بلغت تكلفته 15 مليون دولار على مدى ثلاث سنين، أن يُظهر كيف أن نظام الدفع الجديد يغير ما تستطيع الطائرة فعله.

يقول مور: "نحن نقوم بعمل مقارنات دقيقة لنرى ما تقدمه لنا هذه التكنولوجيا".

يهدف المشروع لإثبات أن تشغيل النسخة الكهربائية من تكنام يتطلب طاقة أقل بثلاث إلى خمس مرات خلال وضع السير الموفِّر للوقود بالسرعة العالية.

يسعى المشروع إلى صناعة تصميم للطائرة بحيث يتم الانقضاض عليه من قبل الصناعة واحتضانه من قبل المتبنين. سيؤدي النجاح في سوق الطائرات الخاصة إلى تمهيد الطريق لهذه التكنولوجيا لتتوسع بحيث تشمل طائرات الركاب التجارية ذات الحجم الأكبر.

حالما يتم إثبات فعالية هذا التصميم، يعتقد مور أن الخطوط الجوية ستتمكن من وضع نظام الدفع الكهربائي للعمل في رحلات نقل الركاب القصيرة خلال أربع سنوات، كما سيشجع الوعد بتخفيض تكاليف التشغيل على القيام بالتبديل إلى التكنولوجيا الجديدة.

من جهة أخرى، تبقى مسألة المدى مشكلة في التكنولوجيا الجديدة، فالبطاريات الحالية تسمح للطائرات الكهربائية بالطيران لما يقارب من 230 ميلاً (370 كيلومتراً).

يقول مور: "نريد تزويد جميع الخطوط الجوية الإقليمية بنظام الدفع الكهربائي" . ويضيف: "هذه تكنولوجيا فريدة وقوية بحيث تستطيع أن تقوم بالعديد من المهمات المختلفة".


النقل بناءً على الطلب


الطائرات الشخصية هي تطبيق آخر لهذه التكنولوجيا، لكن لا يستخدم مور مصطلح "سيارة طائرة".

يقول مور: "الأمر الذي أهتمُ به أكثر هو ما أطلق عليه ''النقل بناءً على الطلب''، فهي توفر للجميع القدرة على التفاعل مع الطيران بشكل يوميّ مما يجعل الحياة أفضل وأكثر إنتاجية".


في وقت سابق من هذه السنة، قام باحثون من ناسا ولانغلي بتجربة نموذج طائرة دون طيار اسمه البرق المدهون (Greased Lightning) أو اختصارًا GL-10، في حصن أمبروز باول هيل (A.P. Hill) في ولاية فرجينيا. حقوق الصورة: ناسا/ دافيد بومان.
في وقت سابق من هذه السنة، قام باحثون من ناسا ولانغلي بتجربة نموذج طائرة دون طيار اسمه البرق المدهون (Greased Lightning) أو اختصارًا GL-10، في حصن أمبروز باول هيل (A.P. Hill) في ولاية فرجينيا. حقوق الصورة: ناسا/ دافيد بومان.


ويضيف: "سواءً أتعلّق الأمر بالطيران مستعملاً مركبة جوية صغيرة تقوم بإيصال طرد دون طيار، أو بطائرة كهربائية لنقل الركاب بسعر أرخص، تظل الطائرات العاملة بنظام الدفع الكهربائي الموزع أكثر موثوقية وأسهل للهبوط في بيئة قريبة من المنازل وأماكن العمل. إن النقل بناءً على الطلب لديه القدرة على تغيير المجتمع للأفضل".

ليس مور قلقاً بشأن استبدال الازدحام في الطرق السريعة بازدحامٌ في السماء في يوم من الأيام.

قال مور: "إنها مشكلة البيضة والدجاجة، أليس كذلك؟ إن طورنا هذا النوع من المركبات، ستكون بدايةً لحل المشكلة الأخرى. ولن تستطيع حل المشكلة الأخرى مطلقاً إن كان كل ما تملكه هو طائرات طيران عامة عمرها 30 سنة ومعظمنا لا يستطيع استعمالها".

يعتقد مور بأن مستقبل الطيران وصل للرواق الأمامي ويقوم بدق الباب الآن.

يختم مور قائلاً: "دمج نظام الدفع الرقمي مع نظام القيادة الآلية سيفتح الأبواب ليجعلنا قادرين على إنجاز مهمات جديدة كلياً، مع أنواع جديدة كلياً من الطائرات."

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات