يمكنك الاستماع إلى المقال عوضاً عن القراءة
أكبر ألغاز الفيزياء: أحادي القطب المغناطيسي المفقود!

ربما سمعت ذات مرة عن بوزون هيغز (Higgs boson)، فقد استغرقنا العديد من العقود لاكتشاف هذا الجسيم بعيد المنال الذي جرى توقع وجوده منذ زمن بعيد، والذي ساهم بدوره في تفسير سلوك الكون. 

حسنًا، هناك أيضًا جسيم بعيد المنال تنبأت به فيزياء الكم، وما زال مفقودًا منذ فترة أطول من الزمن. في الواقع، لم نستطع اكتشافه، ولا حتى من خلال المحاولات القليلة لذلك. يطلق على هذا الجسيم اسم أحادي القطب المغناطيسي (magnetic monopole) ولديه العديد من الخصائص الفريدة التي تميزه دونًا عن غيره.

 المتوازيات


يعرف الكثير من المهتمين بعلوم الفيزياء أحادي القطب الكهربائي، وربما تعرفها أنت أيضًا باسمها الأكثر شيوعًا: الشحنة الكهربائية (electric charge). تتجاذب الشحنات الكهربائية المتعاكسة، وتتنافر الشحنات المتماثلة جرّاء تفاعل المجالات الكهربائية، التي تُعرَّف على أنها تتجه من الموجب إلى السالب، علمًا أن تسمية الشحنات المتعاكسة هي اصطلاحية إلى حدٍ ما.

يوجد أحادي القطب الكهربائي على شكل جسيمات تمتلك شحنات كهربائية موجبة أو سالبة، مثل البروتونات أو الإلكترونات. وللوهلة الأولى، تتشابه المغناطيسية إلى حدٍ ما مع الكهرباء، حيث يوجد مجال مغناطيسي له اتجاه يتجه من الشمال للجنوب. 

يتلاشى هذا التشابه عندما نحاول إيجاد نظير مغناطيسي للشحنة الكهربائية. فعلى الرغم من أننا نستطيع إيجاد أحادي القطب الكهربائي في هيئة جسيمات مشحونة، إلا أننا لم نستطع رصد أحادي القطب المغناطيسي.

بدلًا من ذلك، توجد المغانط على شكل ثنائيات أقطاب مع نهايتين جنوبية وأخرى شمالية. وعندما ينقسم المغناطيس إلى جزئين، فإنه لا ينقسم إلى جزء شمالي وجزء جنوبي، وإنما إلى مغناطيسين أصغر لكل واحدٍ منهما قطب شمالي وآخر جنوبي. وحتى ولو قمت بشطر المغناطيس إلى جسيمات منفردة، ستحصل دومًا على ثنائي قطب مغناطيسي. 

عند النظر إلى عالم المغناطيسية فإنّ ما نراه يتلاءم بالكامل مع معادلات ماكسويل (Maxwell’s equations)، التي وصفت نظرية توحيد نظرية الحقل الكهربائي والمغناطيسي في إطار الكهرومغناطيسية التقليدية. 

نشر جيمس ماكسويل James Maxwell هذه النظرية في العامين 1861 و1862. ولا تزال تُستخدم يوميًا حتى الآن على المستوى العملي في مجال الهندسة والاتصالات والتطبيقات الطبية -على سبيل المثال لا الحصر. لكن واحدة من هذه المعادلات -قانون غوص المغناطيسي- تنص على أنه لا وجود لأحادي القطب المغناطيسي. 

ترجع المغناطيسية التي نلاحظها يوما بعد يوم إلى حركة الشحنات الكهربائية، فعندما يتحرك الجسيم المشحون كهربيًا في مسار ما -مثل حركة إلكترون في سلك- فإنّ ذلك يُعتبر تيارًا كهربائيًا يؤدي إلى خلق مجال مغناطيسي يلتف حول اتجاه التيار.

يشمل السبب الثاني للمغناطيسية خاصية قادمة من ميكانيكا الكم تُعرف باللف الذاتي "السبين" (spin)، ويُمكن النظر إلى هذه الخاصية على أنها دوران الجسيم المشحون كهربائيًا حول محور بدلًا من تحركه في اتجاه محدد، ما يولد كمية حركة زاوية (زخم زاوي) في الجسيم تؤدي بدورها إلى تصرف الإلكترون كأنه ثنائيّ قطب (أي مغناطيسي قضيبي صغير)، ويعني ذلك أننا نستطيع وصف الظواهر المغناطيسية دون الحاجة إلى أحادي القطب المغناطيسي.

 

وبما أن نظريات الكهرومغناطيسية تتناسب مع ملاحظاتنا، هذا لا يعني أن أحادي القطب المغناطيسي غير موجود، بل يعني ذلك فقط أنه غير موجود في الأماكن التي بحثنا فيها. عندما بدأنا الخوض في أعماق النظرية، بدأنا بالحصول على براهين مثيرة للانتباه على وجودهم في الكون.

وهم الازدواجية


في عام 1894، ناقش بيير كوري Pierre Curie الحائز على جائزة نوبل احتمالية وجود هذا الجسيم غير المكتشف بعد ولم يجد أي سبب للشك في وجوده. وفي وقت لاحق، عام 1931، أظهر بول ديراك Paul Dirac الحاصل على جائزة نوبل أنه عندما تمتد معادلات ماكسويل لتشمل أحادي القطب المغناطيسي، فإن الشحنة الكهربائية يمكن أن تتواجد فقط على شكل قيم مجردة.


هذا التكميم quantisation للشحنات الكهربائية هو واحد من متطلبات ميكانيك الكم. لذلك اتجه ديراك في عمله إلى إظهار أن نظريتي الكهرومغناطيسية الكلاسيكية والديناميكا الكهربائية الكمومية كانتا متناسقتين في هذا السياق.

وأخيرًا، فإن عددًا قليلًا من الفيزيائيين يستطيعون مقاومة جمال تناغم وتناظر الطبيعة. وبما أن وجود أحادي القطب المغناطيسي يفترض ضمنيًا الازدواجية بين الكهرباء والمغناطيسية، فإن نظريةً تقترح وجود أحادي القطب المغناطيسي تصبح أمرًا مثيرًا للاهتمام جدًا.

الازدواجية، بالمعنى الفيزيائي، هي ارتباط نظريتين مختلفتين بحيث يكون أحد الأنظمة مشابهًا أو مناظرًا أو مقابلًا للآخر. إذا كانت القوة الكهربائية في حالة توازٍ أو تناظرٍ أو تقابل للقوة المغناطيسية، فربما تكون القوى الأخرى في حالة تناظر لبعضها. وربما يوجد أيضًا بعض الطرق للربط بين القوة النووية الشديدة بالقوة النووية الضعيفة، ما يمهد الطريق لتوحيد كبير لكل القوى الفيزيائية.

طبعًا، لا يعني وجود تناظر مميز في النظرية أنها صحيحة.

قد يكون هنالك أحادي قطب مغناطيسي وحيد في مكان ما. مصدر الصورة: CERN/MoEDAL
قد يكون هنالك أحادي قطب مغناطيسي وحيد في مكان ما. مصدر الصورة: CERN/MoEDAL



سراب أحادية القطب


اقترب العلماء بشكل كبير جدًا من رؤية أحادي القطب المغناطيسي من خلال إنتاج هياكل تشبه أحادي القطب المغناطيسي في المختبر باستخدام ترتيبات معقدة من المجالات المغناطيسية في مكثفات بوز-أينشتاين والسوائل الفائقة Bose-Einstein condensates and superfluids.


رغم أن هذه التجارب تظهر أن أحادي القطب المغناطيسي ليس أمرًا مستحيلًا فيزيائيًا، ففي الواقع هي ليست مشابهة تمامًا عند رؤية أحد من أحادي القطب على الطبيعة. وفي بعض الأحيان، أعلنت تجارب فيزياء الجسيمات عن مرشحين محتملين ليكونوا أحادي قطب مغناطيسي، لكن لا يبدو أن أيًا من هذه الاكتشافات يمكن دحضه أو إعادة إنتاجه.


وقد بدأ كاشف المغناطيس أحادي القطب والغريب The Monopole and Exotics Detector في مصادم الهادرون الكبير Large Hadron Collider او (MoEDAL) بهذا البحث، لكن لم يُعثَر على أحادي القطب المغناطيسي حتى الآن. وكنتيجة لذلك، فإن الحماس لفكرة وجود أحادي القطب المغناطيسي أعادت أنظارهم إلى معرفة سبب عدم رؤيته حتى الآن.

إذا كان الجيل الحالي من مسرعات الجسيمات قد فشل في رصد أحادي قطب مغناطيسي، فربما تكون كتلة أحادي القطب المغناطيسي ببساطة أكبر مما نستطيع صناعته حتى الآن.


باستخدام النظرية، يمكننا تقدير الحد الأقصى الممكن لكتلة أحادي القطب المغناطيسي، وذلك مما لدينا من معطيات حول بنية الكون، فيمكننا أن نقدّر أن كتلة أحادي القطب المغناطيسي يمكن أن تصل إلى \(10^{14}\) تيرا إلكترون فولت.


جسم بهذه الكتلة يمكن أن يكون قد تكوّن فقط في المراحل الباكرة جدًا من نشأة الكون بعد الانفجار العظيم Big Bang، قبل أن يبدأ التضخم الكوني. إذا كان الكون قد برد إلى النقطة التي تجعل تشكل أحادي القطب المغناطيسي مستحيلًا من الناحية الطاقية قبل التوسع، فمن الممكن أن تكون أحاديات القطب المغناطيسية موجودةً، لكنها قليلة وبعيدة عن بعضها، وتكمن القصة في إيجاد أحدها فقط.

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات