حان الوقت لإعادة تعريف الكيلوغرام

من أهم أهداف العلم وضع الوصف الأدق للواقع، لذلك من الممتع إخبار الناس دائماً كيف تم تعريف وحدة الكتلة. الكيلوغرام، على سبيل المثال، معرَّف على أنه كتلة أسطوانة من البلاتين-الأرديوم، والموجودة في سيفر في فرنسا.

نعم، يجب على كل كتلة وكل مقياس أن يقارن مع الكتلة الفرنسية، والتي تدعى على نحو ملائم بالنموذج الأصلي العالمي للكيلوغرام (IPK)عندما تم طرح الكيلوغرام لأول مرة عام 1889، صنعت 40 نسخةً فيزيائيةً رسميةً وأُرسلت حول العالم، ثم أُخذ المقياس المحدد للكيلوغرام على أنه مساوٍ لألف سنتيمتر مكعب من الماء.

وكما يتضح، استخدام جسم فيزيائي من أجل تكميم وحدة هو أمر ليس جيداً، لم تبقَ كتل نموذج IPK وأخواتها على حالها. أشارت القياسات في عامي 1948 و1989 إلى أن الكتل جميعها تنحرف، حيث أن بعضها تفقد الكتلة وتكتسبها، وذلك للعديد من الأسباب وأبسطها التعرّض للأوساخ! كانت هذه المشكلة تسبب القلق للعديد ممن يعملون في مجال علم القياس، إذا كان يجب قياس الأشياء بدقة، فيجب أن يكون تعريف الكيلوغرام دقيقاً.

وصرح الدكتور ستيوارت دافيدسون Stuart Davidson من مختبر الفيزياء الوطني National Physical Laboratory لموقع IFLScience: "درجة عدم الاستقرار مقبولة، لكن علمياً هي نوع من الشذوذ، بينما يمكننا العيش مع تغير بضع ميكروغرامات على مر بضع سنين، ما نسعى إليه هو شيء سوف يكون أساساً ثابتاً إلى الأبد".

يُعرف المتر بأنه المسافة التي يقطعها الضوء خلال 1/299,792,458 ثانية، وتعرف الثانية بأنها 9,192,631,770 تذبذباً لتردد معين لإشعاعٍ من ذرة السيزيوم. 


ومع الأجهزة الصحيحة، يمكن لأي كان في الكون أن يقيس المسافات والأزمنة وفقاً للنظام العالمي، ولتحقيق هذا عالمياً من أجل وحدة الكتلة أيضاً، يأمل العلماء إعادة تعريف الكيلوغرام في شروط ثابت بلانك Planck’s constant، وهو ثابت أساسي يصل بين تردد الجسيم وطاقته، ويتواجد في العديد من الصيغ الفيزيائية.

نسخة طبق الأصل عن الكيلوغرام الأساسي في مدينة العلوم والصناعة.  الحقوق: Jasp 88 via Wikimedia Common CC BY-SA 3.0.
نسخة طبق الأصل عن الكيلوغرام الأساسي في مدينة العلوم والصناعة. الحقوق: Jasp 88 via Wikimedia Common CC BY-SA 3.0.


في هذه اللحظة، الكتلة أمر ثابت. كان العلماء يبحثون عن طرقٍ لتحرير تعريف الكتلة من الجسم الفيزيائي، وقررت لجنة الوزن والقياس CIPM في عام 2011 أننا بحاجةٍ للتعريف الجديد.

وبما أن عدم اليقين موجود في عالم الميكروغرام، يمكننا رؤية أهمية الاستقرار عندما نحاول القيام بقياسات دقيقة جداً للكميات الصغيرة أو الضخمة، على سبيل المثال، تقيس العديد من شركات الأدوية كميات صغيرة جداً للعقاقير الفعالة، وبما أن التضاربات في الكيلوغرام هي بحجم الكميات المقاسة، فيمكن أن يسبب ذلك مشكلة.

وبشكل مشابه، تتأثر الكتل الكبيرة أيضاً، إذا كنت تهدف بأن تقيس بدقة كتلة طائرة، يمكن أن يؤثر ارتيابٌ بنسبة 0.01% بشكل كبير على التكلفة وكفاءة استهلاك الوقود. وهذه حالة يمكن أن نلحظ فيها أهمية إعادة التعريف، لو قمت بضبط الكتلة إلى ثابت أساسي، فيمكنك تعريف أي كتلة ترغب بها (ليس عليك البدء بالكيلوغرام وأجزائه)، ستحسن إعادة التعريف من مقياس الكتلة ككل.

إذا ظننت أن عملية إعادة التعريف سهلة وواضحة، فلدينا أخبار سيئة لك. من أجل قبول القياس الجديد، طلبت CIPM الحصول على ثلاثة قياسات مستقلة بطريقتين مختلفتين على الأقل، وهنا تصبح الأمور معقدةً قليلاً. 

تم تعريف وحدة القياس العالمية للتيار الكهربائي "الأمبير" بربطها مع الكتلة، لكن، وجد المجتمع الكهربائي سبلاً من أجل برهان الأمبير في شروط تأثيرات كمومية معينة certain quantum effects مرتبطة بثابت بلانك. ما فكر فيه العلماء هو قلب تعريف الأمبير رأساً على عقب، وتعريف الكيلوغرام عبر الوحدات الكهربائية في شروط ثابت بلانك.

تعرف الأداة المستخدمة لهذا القياس بميزان واط watt balance، اخترعه دكتور برايان كيبل Dr Bryan Kibble عام 1975، توفى دكتور كيبل هذا العام، وأصبحت الأداة تدعى ميزان كيبل تكريماً له. ميزان كيبل هو مقياس معقد جداً أساساً.

يعمل العلماء حالياً على أعلى دقة قياس لثابت بلانك، حالما يتم الحصول عليه، فيمكن استخدام الميزان لقياس أي كتلة. ويشرح دكتور دافيدسون: "نظرياً، يمكن لأيٍّ كان أن يبني ميزان كيبل الخاص به والقيام بالتجربة، وأن ينتج (كيلوغرام) من دون الحاجة للانتظار".

مقطع في ميزان كيبل. المختبر الوطني للفيزياء.
مقطع في ميزان كيبل. المختبر الوطني للفيزياء.


أما الطريقة البديلة لقياس الكيلوغرام، فهي عبر ثابت أفوغادرو Avogadro’s constant، والذي يمثل عدد الذرات في كتلة معينة لمادة ما. يتحقق ذلك من خلال تأسيس مجال مثالي للكيلوغرام باستخدام نوع معين من السيليكون وقياس قطرها 500 ألف مرة بمواضع مختلفة قليلاً، وبمعرفة حجم وخصائص السيليكون، يمكن للعلماء ببساطة حساب عدد الذرات.

يسمح ذلك بتقدير دقيق لعدد أفوغادرو، ويمتلك نظام أفوغادرو ميزتان: تحتاج شخصاً فقط لعد الذرات ببساطة وهو معرف في شروط ثابت بلانك. على الرغم من أن القياس ما زال مرتبطاً بقطعة مصنوعة، إلا أنه لا يعتمد على نوع معين منها، إنما على كيفية صنع القطعة. ورغم ذلك، ما زال حل السيليكون يمتلك عيوباً.

القطعة كروية الشكل وليس من السهل التعامل معها، بالإضافة إلى أن حجمها كبير جداً، لذلك عليك أخذ قياسها في الفراغ من أجل تحديد كتلتها (قد تتداخل كتلة الهواء)، وكذلك تمتلك مساحة سطح ضخمة، لذلك ستتسخ أكثر بعشر مرات من الكيلوغرام الأساسي، مما يجعل القطعة غير دقيقة بشكل سريع.

تقترب التجربتان أكثر فأكثر من الدقة التي تطلبها CIPM، لكن نأمل أن تتم إعادة تعريف الكيلوغرام -مع الكلفن، الأمبير، والمول (التي يعاد النظر في تعريفها أيضاً)- في المؤتمر العام السادس والعشرين للوزن والقياس في عام 2018.

الكرة السيليكونية التي تزن كيلوغراماً واحداً.
الكرة السيليكونية التي تزن كيلوغراماً واحداً.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات