تحول في الأصول الكوكبية: دراسة جديدة تكتشف أن النيازك كانت منتجاتٍ جانبيةً لعملية التشكل الكوكبيّ، وليست لبنات بناء لها!

طالما نُظر إلى الشهب، التي تصطدم بالأرض، على أنها بقايا أثرية تعود إلى المراحل المبكرة من تاريخ النظام الشمسي. هذه القطع الخشنة والمكونة من معادن وصخور، مُرصّعة بالكوندرول (chondrules) –وهي عبارة عن حبيبات زجاجية صغيرة وكروية كانت في يومٍ ما قطراتٍ منصهرة. 

كان العلماء يعتقدون أن الكوندرول تُمثل النوى السابقة التي شكّلت الكواكب الأرضية؛ فعندما بدأ النظامُ الشمسي بالتكتّل، تصادمت هذه القطرات مع الغاز والغبار لتُشكلَ أسلاف الكواكب الأكبر حجماً. 

على أيِّ حال، وجد باحثون من MIT وجامعة بوردو أن الكوندرول -ربما- لعبت دوراً أقل أهمية مما نظن. بالاعتماد على عمليات المحاكاة الحاسوبية، يستنتج الفريق أن الكوندرولات لم تكن لبنات البناء، وإنما بالأحرى كانت عبارة عن منتجات جانبية لتشكل كوكبي فوضوي وعنيف.

وجد الفريق أن الأجسام، التي يبلغ حجمُها حجم القمر، ربما كانت موجودة قبل أن تظهر الكوندرولات في المشهد. في الحقيقة، وجد الباحثون أنه من المرجح أن تكون الكوندرولات قد نتجت عن تصادم أجِنّة كوكبية بحجم القمر: تصادمت هذه الأجسام مع بعضها بقوة كبيرة جداً، بحيث صهرت جزءً من مادتها، وأطلقت عمودًا من المواد المنصهرة إلى السديم الشمسي.

بردت القطرات المتبقية في النهاية لتُشكل الكوندرولات، التي تترابط مع بعضها البعض لتُشكل بدورها أجسام أكبر -سيقوم جزء منها في النهاية بالتصادم مع الأرض على شكل شهب-. 

يقول براندون جونسون (Brandon Johnson)، وهو طالب دراسات ما بعد الدكتوراه من قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في MIT، يقول بأن هذه الاكتشافات تُمثل تنقيحًا لواحد من أولى الفصول في تاريخ النظام الشمسي؛ ويضيف: "يُخبرنا ذلك أن النيازك، في الواقع، لا تمثل المواد التي شكلت الكواكب –هي جزء صغير من مواد كانت منتجات جانبية لعملية التشكل الكوكبي. لكنه يُخبرنا أيضا أن النظام الشمسي، في وقتٍ مبكر من ظهوره، كان أكثر عُنفَاً مما توقعناه: كان هناك رذاذ ضخم لمواد منصهرة تُقذف إثر تصادمات كبيرة جداً. إنها عملية متطرفة".

نشر (جونسون) وزملاؤه بما فيهم ماريا زوبر (Maria Zuber)، بروفسورة في الجيوفيزياء ونائبة مدير الأبحاث في MIT، نتائجهم هذا الأسبوع في مجلة Nature.

• صخرة منصهرة عالية السرعة

من أجل إدراك الدور الذي لعبته الكوندرولات في ولادة النظام الشمسي بشكل أفضل، بدأ الباحثون بمحاكاة التصادمات بين الكواكب الأولية (protoplanets) –وهي أجسام صخرية يتراوح حجمها بين حجم كويكب والقمر. ثم أنشأ الفريق نموذجا للأنواع المختلفة من التصادمات التي ربما حصلت في تاريخ مبكر من نظامنا الشمسي، بما في ذلك مواقعها وتوقيتها وحجمها وسرعتها؛ ووجدوا أن الأجسام، التي تمتلك حجماً مكافئاً لحجم القمر، تشكلت بسرعة كبيرة نسبيًا –أي خلال العشر آلاف سنةٍ الأولى، وقبل أن تظهر الكوندرولات إلى حيز الوجود، كما هو معتقد. 

بعد ذلك، استخدم (جونسون) نموذجًا آخر من أجل محاكاة نوع التصادم الذي يُمكنه صهر وقذف المواد المنصهرة. و بالاعتماد على عمليات المحاكاة تلك، حدّد أن تصادمًا يحصل عند سرعة 2.5 كيلومتر في الثانية سيكون قوياً كفايةً من أجل إنتاج عمود من المواد المنصهرة التي ستُقذف نحو الفضاء –وهي ظاهرة تُعرف بالنفث التصادمي (Impact jetting).

يقول (جونسون): "حالما يتصادم الجسمان، يتم صعق كمية صغيرة جدًا من المادة إلى درجة حرارة جد مرتفعة حيث تصل إلى نقطة الانصهار. بعد ذلك، تخرج هذه القذائف الساخنة جداً من نقطة التصادم".

من ثمَّ، قدر الفريق عدد التصادمات النفاثة والتي من المرجح أنها حصلت في الملايين الخمسة الأولى من عمر نظامنا الشمسي – يُعتقد بأن الكوندرولات ظهرت في تلك الفترة الزمنية لأول مرة. بالاعتماد على هذه النتائج، وجد (جونسون) وزملاؤه أن مثل هذه التصادمات تُنتج كمية كافية من الكوندرولات في منطقة الحزام الكويكبي، وبالتالي تعلل العدد الذي يتمَّ رصده في النيازك حالياً.

• أخيرًا تتضح الأمور

من أجل الذهاب خطوة أبعد، قام الباحثون بعملية محاكاة ثالثة من أجل حساب معدل تبرد الكوندرولات. بينت التجارب السابقة التي جرت في المختبر، أن الكوندرولات بردت بمعدل يقع بين 10 إلى 1000 كلفن في الساعة الواحدة –معدل قد يُنتج بنية الكوندرولات التي شاهدناها في النيازك. 

استخدم (جونسون) وزملاؤه نموذجَ انتقال إشعاعي من أجل محاكاة ظروف التصادم اللازمة لإنتاج مثل معدل التبريد هذا؛ ووجدوا أن الأجسام المتصادمة عند سرعة تصل إلى 2.5 كيلومتر في الثانية، حقّا تُنتج قطرات منصهرة تُطلق إلى الفضاء وتبرد بمعدل بين 10 إلى 1000 كلفن في الساعة الواحدة. 

يقول (جونسون): "بعدها، جاءت لحظة (وجدتها!) حيث أدركت أن النفث الحاصل أثناء التصادمات الكبيرة من المحتمل أن يشرح تشكل الكوندرولات. هكذا اتضحت الأمور تماما".

متطلعًا إلى المستقبل، يُخطط (جونسون) النظر في تأثيرات الأنواع الأخرى من التصادمات. أنجز الفريق -حتى الآن- نماذج التصادمات الشاقولية –التصادمات التي يحصل فيها التصادم بين الجسمين بشكلٍ مباشر-. كما يتنبأ بأن التصادمات المنحرفة، أو التصادمات التي تحصل عند زوايا معينة، ربما تكون أكثر فعالية في إنتاج أعمدة الكوندرولات المنصهرة. يأمل أيضًا باكتشاف ما الذي يحصل للكوندرولات بعد إطلاقها إلى السديم الشمسي. 

تقول (زوبر): "لطالما تم النظر إلى الكوندرولات على أنها لبنات البناء الكوكبي. إنه أمر هازئ أن تظهر الآن بأنها بقايا للتصادمات الكوكبية الأولية".

يقول فريد سيسلا (Fred Ciesla)، أستاذ مساعد في علوم الكواكب من جامعة شيكاغو، بأن الاكتشافات قد تعيد تصنيف الكوندرايدات(chondrites) –وهي نوع من النيازك كان يُعتقد أنها أمثلة على المواد الأصلية التي تشكلت منها الكواكب. 

يقول (سيسلا)، الذي لم يساهم في البحث: "سيكون هذا الأمر تحولاً مهماً في طريقة تفكير الناس بالنظام الشمسي. إذا كانت الاكتشافات صحيحة، فإنها تقترح أن الكوندرايدات ليست نظيراً جيداً للَبنات بناء الأرض والكواكب الأخرى. لاتزال النيازك ككل أدلة مهمة بالنسبة للعمليات التي حصلت خلال تشكل النظام الشمسي، لكن الشبيه الأفضل لما تكونت منه الكواكب سيتغير".

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات