تحديات جديدة تقف عائقًا أمام استعمار المريخ

على مرّ الأجيال، حَلم الكثير باليوم الذي سنتمكن فيه من زيارة المريخ أو كما يعرف أيضًا باسم "توءم الأرض".


في السنوات القليلة الماضية كشفت لنا العديد من المركبات الفضائية والعربات الجوالة ومركبات الاستكشاف عن دلائل لوجود ماء في المريخ في السابق، وأيضًا عن إمكانية وجود ماء في وقتنا الحاضر تحت سطحه، زادت هذه الاكتشافات من رغبتنا في إرسال فريق بشري إلى المريخ بالإضافة إلى اقتراحات من أجل إنشاء مستعمرات فيه.
 

على أيّ حالٍ، إن حماسنا قد يبدو غير صائبٍ تمامًا عندما ننظر إلى التحديات في بيئة المريخ الحالية، علاوةً على كونه باردًا جدًا ومعرضًا للكثير من الإشعاعات، فإن سطح المريخ الحالي جافٌ بشدة. وفقًا لدراسةٍ جديدةٍ قادها مركز أيمز Ames للأبحاث التابع لوكالة ناسا، فإن تربة المريخ أكثر جفافًا بألف مرة من المنطقة الأكثر جفافًا على كوكب الأرض.
 

نُشرت هذه الدراسة مؤخرًا في مجلة Astrobiology بعنوان: "قيود على النشاط الاستقلابي للميكروبات على سطح أتاكما Atacama الترابي الذي لوحظ عن طريق الواسمات الحيوية الحرارية تشير إلى صعوبة استعمار المريخ واستكشاف الواسمات الحيوية فيه".
 

قاد أعضاء مركز أيمز للأبحاث التابع لناسا هذه الدراسة وضمت باحثين آخرين من معهد جورجيا للتكنولوجيا ومركز كارل ساغان التابع لمعهد SETI وCentro de Astrobiologia (INTA-CSIC) الإسباني ومعهد Massachusetts للتكنولوجيا

 

صورة صحراء أتاكما  : حقوق الصورة (NASA/Frank Tavares)
صورة صحراء أتاكما : حقوق الصورة (NASA/Frank Tavares)
 
من أجل هذه الدراسة، قام العلماء بالبحث من أجل تحديد إمكانية نجاة الميكروبات في ظل الظروف الموجودة على المريخ. وللإجابة عن هذا السؤال، سافر الفريق الى صحراء أتاكما في تشيلي التي يبلغ طولها 1000 كم (620 ميلًا) على الشاطئ الغربي لأمريكا الجنوبية بمعدل هطول أمطار يبلغ فقط 1 إلى 3 ملم (0.04 الى 0.12 إنش) سنويًا، تُعرف صحراء أتاكما بأنها أكثر منطقةٍ لاقطبية جفافًا في العالم.
 

على أي حال، إن صحراء أتاكما ليست بدرجة جفاف ثابتة بل تخضع لمراحل ترسيب مختلفة اعتمادًا على الارتفاع.
 

يتغير الإشباع السنوي من النهاية الجنوبية إلى النهاية الشمالية من بضعة مليميترات من الأمطار في السنة الى بضعة مليميترات فقط في العقد الواحد. تقدم لنا هذه البيئة فرصةً للبحث عن حياة في درجات إشباعٍ منخفضة مما يسمح للباحثين بفرض قيود على قابلية نجاة المكروبات. إن النهاية الشمالية من الصحراء التي تُعرف باسم منطقة أنتوفاغاستا Antofagasta هي المكان الذي يشابه المريخ بظروفه.
 

يبلغ معدل هطول الأمطار السنوي هناك ميليمترًا واحدًا فقط جاعلًا من هذه المنطقة المكان المحبب للعلماء الراغبين في ايجاد بيئة موازية لبيئة المريخ. بالإضافة إلى رغبة العلماء في تحديد إمكانية نجاة الميكروبات في هذه الظروف الجافة فإن الفريق يريد أيضًا تحديد إمكانية هذه الميكروبات على النضج والتكاثر.


قدمت ماري بيث ويليلم Mary Beth Wilhelm الخبيرة بعلم الحياة في الفضاء في معهد جورجيا للتكنولوجيا ومركز أيمز للأبحاث التابع لناسا وقائدة هذه الدراسة شرحًا في مؤتمر ناسا الصحفي الأخير حيث قالت: "على كوكب الأرض، نجد أثرًا للحياة الميكروبية في كل مكان. على أي حال في الظروف القاسية من المهم أن نعرف إن كان المكروب هاجعًا وبالكاد ينجو أو أنه بخير وعلى قيد الحياة ... نأمل أن نفهم أكثر إن كانت في المريخ حياة ميكروبية سابقة وإن كانت لا تزال موجودة إلى اليوم عن طريق تعلّم هل وكيف تنجو المكروبات في ظروف قاسية في مناطق في كوكب الأرض".

 
شكل ترسيمي لعربة ناسا المريخية الجوالة 2020 (حقوق الصورة: NASA)
شكل ترسيمي لعربة ناسا المريخية الجوالة 2020 (حقوق الصورة: NASA)
 
بعدما جمع العلماء عينات من تربة صحراء أكاتما وأعادوها إلى مختبر أيمز، بدؤوا بإجراء تجارب لرؤية إن كانت عينات المكروبات قد أظهرت أي إشارة تدل على علامات التوتر. هناك دليل يوجهنا لمعرفة أن الميكروب حيٌ وينمو، وعندما يكون المكروب هاجعًا (بالكاد ينجو) فإنه لا يُظهر أيًا من علامات التوتر هذه. بشكلٍ مفصّل، بحثوا في الطبقة الشحمية من غلاف الخلية الخارجي والذي يصبح أكثر صلابةً استجابة للتوتر.
 

ما توصلوا اليه هو أن علامات التوتر كانت حاضرة في الأجزاء الأقل جفافًا من صحراء أكاتما، ولكن وبشكلٍ غريب لم تظهر علامات التوتر هذه في أكثر المناطق جفافًا من الصحراء حيث من المفترض أن تظهر علامات توتر بشكلٍ أوضح. بناءً على هذه النتائج وغيرها أيضًا، توصل الفريق الى أن هناك خطًا فاصلًا للميكروبات في بيئات كبيئة صحراء أكاتما. في الطرف الأول من هذا الخط، يكفي وجود كميات دقيقة من الماء لكي تحافظ الميكروبات على نموها. في الطرف الثاني منه، تكون البيئة جافةً جدًا لدرجة أنها تسمح للميكروب بالنجاة فقط دون أن ينمو ويتكاثر.
 

تمكن الفريق أيضًا من العثور على دليل لوجود ميكروبات ماتت منذ 10 آلاف سنة في العينات المأخوذة من صحراء أكاتما. تمكنوا من تحديد ذلك عن طريق فحص الحموض الأمينية الموجودة في الميكروبات والتي تُعتبر حجر الأساس لتكوين البروتينات وفحص معدل التغير في بنيتها.


كان هذا الاكتشاف مفاجئًا، لأنه من النادر جدًا أن نعثر على أثرٍ لحياة قديمة على سطح الأرض.

 
العلماء يجمعون عينات من صحراء أكاتما حقوق الصورة: ((NASA Ames Research Center
العلماء يجمعون عينات من صحراء أكاتما حقوق الصورة: ((NASA Ames Research Center
 
بالنظر إلى حقيقة أن المريخ أكثر جفافًا بألف مرة من أكثر منطقة في صحراء أكاتما جفافًا، فإن هذه النتائج محبطةٌ للأشخاص الذين يأملون بالعثور على حياة ميكروية هناك. على أي حالٍ، حقيقة أن العلماء قد عثروا على بقايا لحياة ميكروية سابقة في أكثر مناطق الصحراء جفافًا، التي وجدت عندما كانت الظروف أكثر رطوبةً وملائمةً، هي أمر جيد عندما يتعلق الأمر بالبحث عن حياة سابقة في المريخ.
 

بشكلٍ أساسي، إن وجدت الحياة الميكروية فعلًا عندما كان المريخ أكثر دفئًا وببيئةٍ أكثر رطوبةً فإن تعقب أثر الحياة القديمة هو أمرٌ ممكن، حيث وضحت ويليلم: "قبل أن نذهب إلى المريخ يمكننا أن نستخدم صحراء أتاكما كمختبرٍ طبيعي وبناءً على نتائجنا يمكننا أن نعزز من توقعاتنا بخصوص ما سنعثر عليه عندما نصل إلى هناك. إن إدراكنا لحقيقة أن سطح المريخ اليوم قد يكون جافًا جدًا لكي تنشأ الحياة فيه وأن آثار الميكروبات قد تبقى لآلاف السنوات سيساعدنا لتصميم أدواتٍ أفضل ليست قادرة فقط على البحث عن حياة في سطح الكوكب وباطنه بل ستحاول أيضًا اكتشاف أسرار ماضيه البعيد".
 

في المستقبل، ستسعى المهمات المقبلة مثل عربة ناسا المريخية الجوالة 2020 للحصول على عيناتٍ من تراب المريخ. إذا طُبِّق اقتراح ناسا "رحلة إلى المريخ" في عام 2030 كما هو مخطط، فإن هذه العينات قد تعود إلى الأرض من أجل تحليلها. وبقليلٍ من الحظ، ستكشف عينات التربة هذه عن دليل لوجود حياةٍ سابقة، وتثبت أن المريخ كان كوكبًا صالحًا للسكن في عهدٍ ما في السابق.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الغاز (Gas): أحد الحالات الأساسية الثلاث للمادة. في هذه الحالة تتحرك الذرات، أو الجزيئات، أو الأيونات بحُريّة، فلا ترتبط مع بعضها البعض. وفي علم الفلك، تُشير هذه الكلمة عادةً إلى الهيدروجين أو الهيليوم. المصدر: ناسا

اترك تعليقاً () تعليقات