التأثيرات العالمية لظاهرة النينو

سيكون الناس في مختلف أنحاء العالم على موعد مع أعنف ظاهرة نينو تشهدها الكرة الأرضية منذ تلك التي حدثت بين عامي 1189-1997، حيث بدأت آثارها في الآونة الأخيرة بالانتشار في المنطقة الاستوائية الشرقية من المحيط الهادئ.
 

هذا وأوضحت أرصاد الأقمار الصناعية الجديدة للعلماء مدى تأثير هذه الظاهرة على كل من توزّع الأمطار في العالم وطبقة الأوزون، إضافة إلى حرائق الغابات في مختلف أنحاء العالم.

تم عرض هذه النتائج الجديدة في اجتماع الاتحاد الجيوفيزيائي الأميركي المنعقد بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول في سان فرانسيسكو، وقد أوضحت النتائج أن الأنهر السماوية في الغلاف الجوي والتي تعتبر من مصادر الأمطار الرئيسية، تميل إلى التشكل بكثافة أثناء حدوث ظاهرة النينو، ولذلك فإنه من المحتمل أن تتسبب في هذا العام بهطول كمية كبيرة من الأمطار فوق كاليفورنيا، وبالتالي الحد من الجفاف الحاصل هناك.





تظهر هذه الصورة انتقال الأنهار السماوية المتشكلة في الغلاف الجوي من منطقة المحيط الهادئ إلى كاليفورنيا في الفترة الممتدة بين 25 أكتوبر/تشرين الأول إلى 2 نوفمبر/تشرين الثاني. يشير اللون الأبيض في الصورة إلى الغيوم، واللون السماوي الفاتح إلى بخار الماء، أما الأحمر والأخضر فيشيران إلى هطول الأمطار.
المصدر: NASA


ونتيجة لظاهرة النينو لهذه السنة، يبدو أن نسبة أوزون التروبوسفير (الموجود في طبقة التروبوسفير) المكون من الملوثات والغازات الدفئية، تتناقص فوق الأماكن الممتدة بين خطوط العرض الوسطى كالولايات المتحدة الأميركية، بينما تتزايد مخاطر اندلاع الحرائق في المنطقة المدارية.

تتصف ظاهرة النينو بأنها ظاهرة طبيعية متكررة الحدوث بشكل دائم، وهي تتشكل نتيجة ارتفاع درجة حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ. هذا ويؤثر الازدياد في درجات حرارة سطح المحيط على الهواء وحركة الرطوبة في جميع أنحاء العالم. وقد أوضحت عمليات الرصد الممتدة لأكثر من 15 عاماً والتي أجرتها وكالة ناسا باستخدام أسطول الأقمار الصناعية المخصص لرصد ومراقبة كوكب الأرض، تأثير ظاهرة النينو على النظم الأرضية المترابطة مع بعضها بأوجه عديدة.


 



سيكون الناس في مختلف أنحاء العالم على موعد مع أعنف ظاهرة نينو تشهدها الكرة الأرضية منذ تلك التي حدثت بين عامي 1189-1997، حيث بدأت آثارها في الآونة الأخيرة بالانتشار في المنطقة الاستوائية الشرقية من المحيط الهادئ.
هذا وأوضحت أرصاد الأقمار الصناعية الجديدة للعلماء مدى تأثير هذه الظاهرة على كل من توزع الأمطار في العالم وطبقة الأوزون، إضافة إلى حرائق الغابات في مختلف أنحاء العالم.
المصدر: NASA


ويبقى السؤال الكبير حول ما إذا كانت ظاهرة النينو لهذا العام ستؤدي إلى هطول كميات كبيرة من الأمطار فوق بعض المناطق التي تعاني من الجفاف مثل كاليفورنيا. وفي هذا الصدد، يقول الباحثون المختصون في دراسة العواصف المطرية وعلاقتها بالنينو، إن ظاهرة النينو هذا العام ستؤدي إلى هطول كميات كبيرة من الأمطار.

 


عمل دوان واليزر Duane Waliser وهو كبير العلماء في إدارة علوم الأرض والتكنولوجيا ومقرها مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا، بمساعدة زملائه الباحثين على تحليل السجل التاريخي للأنهار السماوية في الغلاف الجوي، والتي تشكل ما نسبته 40% تقريباً من مصادر المياه في كاليفورنيا. هذا وتشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن عدد الأنهار السماوية التي ستصل فوق كاليفورنيا سيبقى على حاله بمعدل 10% لكل سنة، إلا أنها ستكون أكثر قوة ودفئاً ورطوبة من السنين السابقة.

وفي معرض تعليقه على هذا الأمر، يقول وايزر: "بشكل عام، من المرجح أننا سنحظى بسنة وفيرة من ناحية كميات الأمطار الهاطلة، إلا أن تساقط الثلج لهذه السنة سيكون أقل مما سبق". ويضيف واليزر بأن هذه السنة ستشهد المزيد من الفيضانات في كاليفورنيا.

وفي سياق متصل، يقول مارتن هولينغ Martin Hoerling وهو عالم مختص بالأرصاد الجوية في مختبر أنظمة الأرض ومقره الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في بولدر بولاية كولورادو: "إن قوة ظاهرة النينو هي التي تحدد مدى التأثير الذي تلعبه على إجمالي هطول الأمطار في كاليفورنيا". ومن الجدير بالذكر هنا هو أن مجموعة أبحاث هولينغ تشرف على عملية إجراء تحليل إحصائي للعلاقة بين قوة ظاهرة النينو ومعدل تساقط الأمطار.

يقول هولينغ: "لقد تعلمنا بشكل رئيسي أن ظاهرة النينو الضعيفة لا تتسبب بالضرورة في تغيير توقعات هطول الأمطار بشكل يجعلها مختلفة كثيراً عن الوضع الطبيعي. أما عندما تكون ظاهرة النينو قوية كتلك التي سنشهدها هذه السنة، فإن ذلك سيزيد بشكل كبير من احتمالات أن يكون شتاءُ كاليفورنيا لهذا العام ماطراً للغاية".

تتسبب درجات حرارة سطح المياه المرتفعة لظاهرة النينو في نقل وتحريك أنماط هطول الأمطار عبر التأثير في درجة حرارة الهواء فوق المحيط، الأمر الذي يؤثر بدوره على كيفية قيام الرياح والكتل الهوائية بتدوير الهواء في جميع أنحاء الكوكب.

وفي هذا الصدد، يؤثر التغيير في حركة الرياح على توزيع أوزون التروبوسفير في جميع أرجاء الكوكب. يوجد أوزون التروبوسفير في طبقة الغلاف الجوي القريبة من سطح الأرض (الأدنى)، وهو يتكون من الأوزون الطبيعي إضافة إلى ذلك الناجم عن التلويث البشري. يعتبر الأوزون الموجود في طبقة التروبوسفير من الغازات الدفيئة ويشكل خطراً على الصحة، وبالتالي فإن فهم كيفية تأثير النينو على تركيز الأوزون هو أمر مهم للغاية لفهم استجابة الغلاف الجوي للأرض للاختلاف المناخي الطبيعي، ولتمييز التغيرات الطبيعية الحاصلة عن تلك التي يتسبب بها الإنسان.

تمكّن مارك أولسن Mark Olsen وهو عالم أبحاث مختص بالغلاف الجوي في جامعة ولاية مورغان في بالتيمور إضافة إلى عمله في مركز غودارد لحلات الفضاء في غرينبيلت بولاية ماريلاند، بمساعدة زملائه الباحثين، تمكّن من وضع أول خريطة شبه كاملة للأرض لقياس حساسية الأوزون الناجمة عن ظاهرتي النينو والنينا. هذا وأوضحت الأبحاث السابقة أن ظواهر النينو تتسبب في حدوث تغير قوي في الأوزون في المناطق المدارية. ويستخدم أولسن في بحثه الجديد بيانات الأقمار الصناعية جنباً إلى جنب مع نموذج حاسوبي ليوضح أن تأثيراً صغيراً -لكنه على درجة من الأهمية- سيحصل في المناطق الممتدة على درجات العرض الوسطى.

يقول أولسن: "ظاهرة النينو هي عامل واحد فقط من العوامل المسببة للتقلبات الجوية، ولكن يمكنك رؤية أن ظاهرة النينو في بعض المناطق مثل وسط الولايات المتحدة الأميركية تشكل ما نسبته 20 إلى 25 بالمئة من أسباب التقلبات الجوية الحاصلة".

ومن الملاحظ أيضاً أن نسبة الأوزون في هذه المنطقة تميل إلى الانخفاض حيث تعمل ظاهرة النينو على تحريك التغييرات إلى أنماط دوران الرياح المحلية، الأمر الذي يتسبب بسحب الهواء إلى الأعلى. ووفقاً لأولسن، فإن ذلك يعتبر تأثيراً كبيراً من ناحية أنه يجب النظر إلى النينو باعتباره من مسببات التغييرات في نسبة تركيز الأوزون والاتجاهات طويلة الأمد.

عمل جيم راندرسون Jim Randerson وهو عالم نظام الأرض في جامعة كاليفورنيا إيرفن، وفريقه من الباحثين على تحليل الخرائط التي تظهر المناطق التي تعرضت إلى حرائق الغابات والمستقاة من بيانات الأقمار الصناعية، وذلك لدراسة كيف تتسبب الآثار الناجمة عن النينو في تغيير توزيع وشدة حرائق الغابات في جميع أرجاء العالم. هذا وقد وجدوا أنه أثناء ظاهرة النينو، فإن عدد وحجم الحرائق يتزايد في الغابات الاستوائية الممتدة عبر آسيا وأمريكا الجنوبية.

يقول راندرسون: "إن التغييرات التي تحدث في ديناميكية الغلاف الجوي تؤدي إلى نقل وتحريك الأمطار. ولذلك، فإن ظاهرة النينو تتسبب في هطول كميات أمطار أقل في الكثير من المناطق الاستوائية، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للحرائق التي يتسبب بها الإنسان".


يظهر في الصورة المعدل الشهري للمناطق التي تعرضت للحرائق في مختلف أنحاء العالم خلال شهر أغسطس/آب من سنة 2015، والذي تم وضعه استناداً إلى بيانات مقياس الطيف التصويري ذات الدقة المعتدلة Moderate Resolution Imaging Spectroradiometer أو اختصاراً MODIS الموجود على متن القمر الصناعي آكوا Aqua التابع لوكالة ناسا. يشير اللون الزرق إلى نسبة ضئيلة من المناطق التي تعرضت للحرائق، بينما يشير كل من اللون الأحمر والبرتقالي إلى نسبة عالية من المناطق التي تعرضت إلى الحرائق.  المصدر: NASA
يظهر في الصورة المعدل الشهري للمناطق التي تعرضت للحرائق في مختلف أنحاء العالم خلال شهر أغسطس/آب من سنة 2015، والذي تم وضعه استناداً إلى بيانات مقياس الطيف التصويري ذات الدقة المعتدلة Moderate Resolution Imaging Spectroradiometer أو اختصاراً MODIS الموجود على متن القمر الصناعي آكوا Aqua التابع لوكالة ناسا. يشير اللون الزرق إلى نسبة ضئيلة من المناطق التي تعرضت للحرائق، بينما يشير كل من اللون الأحمر والبرتقالي إلى نسبة عالية من المناطق التي تعرضت إلى الحرائق. المصدر: NASA


تتسبب الحرائق في الغابات الاستوائية في تسريع ازدياد ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، الأمر الذي يؤدي إلى خفض نوعية الهواء. يقول راندرسون إن إندونيسيا على سبيل المثال توجد فيها أراضٍ غنية بالكربون تشتعل بسرعة كبيرة بمجرد توقف هطول الأمطار، وهو الأمر الذي حدث في فصل الخريف الماضي. وفي نفس الوقت، فإن المناطق الممتدة في جنوبي شرق آسيا وأمريكا الوسطى وجنوبي نهر الأمازون هي عرضة لاندلاع الحرائق فيها بشكل كبير جداً خلال سنة 2016. ويمكن إرجاع هذا الأمر إلى تسبب ظاهرة النينو في انخفاض معدل تساقط الأمطار خلال مواسمها، وبالتالي ستؤدي قلة الأمطار إلى أن يكون كل من الغطاء النباتي والهواء أكثر جفافاً، الأمر الذي سيجعل الغابات أكثر عرضة لاندلاع الحرائق فيها خلال مواسم الجفاف.

تستخدم وكالة ناسا عمليات الرصد والمراقبة من الفضاء لزيادة قدرتنا على فهم كوكبنا وتحسين سبل الحياة فيه وبالتالي ضمان مستقبلنا. هذا وتعمل وكالة ناسا على تطوير وسائل جديدة لرصد ودراسة النظم الأرضية المترابطة باستخدام سجلات بيانات طويلة الأمد. ومن الجدير بالذكر أن الوكالة تشارك هذه المعرفة الفريدة من نوعها دون قيود، وتعمل مع جميع المؤسسات المعنية حول العالم، كما أنها تتعاون مع مختلف المعاهد العلمية في العالم للحصول على رؤىً جديدة حول كيفية حصول التغيرات في كوكبنا.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات