سوهو يحتفل بعشرين سنة من علوم الفضاء!

ما يزال مرصد الشمس وغلافها "سوهو Solar and Heliospheric Observatory, SOHO" التابع لناسا ووكالة الفضاء الأوروبية -بعد 20 سنةً من انطلاقه- يسير بنفس القوة. 

أحدث سوهو ثورةً في علوم "الفيزياء الشمسية" (heliophysics) منذ بداية عمله عام 1995، والذي يهدف إلى دراسة الشمس وتأثيرها على النظام الشمسي بكامله، وذلك عبر توفيره للأساسيات التي قامت عليها أكثر من 5000 ورقةٍ علمية. ولعب سوهو كذلك دوراً غير متوقعٍ بكونه المكتشف الأكبر للمذنبات على مر الوقت، فمنذ بدايته وحتى سبتمبر 2015 اكتشف 3000 مذنب. 




المصدر: مركز جودارد للطيران الفضائي، ناسا. NASA's Goddard Space Flight Center. 
 


عندما انطلق مرصد سوهو في 2 ديسمبر/كانون الثاني 1995، كان مجال الفيزياء الشمسية مختلفاً جداً عما هو عليه اليوم، لم يكن هناك تفسيرٌ للتساؤلات حول لب الشمس، ولا عن أصل التدفق المستمر للمواد من الشمس الذي يعرف بـ "الرياح الشمسية" (solar wind)، ولا عن التسخين الغامض لحرارة الغلاف الجوي الشمسي. ولكن بعد عشرين سنة، لم تصبح لدبنا فكرةً أفضل عما يمد الشمس بالطاقة فحسب، بل تغير مفهومنا الكامل حول كيفية سلوك الشمس.

ويذكر برنارد فليك Bernhard Fleck: "غيّر سوهو النظرة الشهيرة عن الشمس من صورةٍ لجسمٍ ساكنٍ لا يتغير في السماء، إلى وحشٍ متحرك". وفليك هو عالمٌ من وكالة الفضاء الأوروبية في مشروع سوهو في مركز جودارد لطيران الفضاء في ناسا في مدينة جرينبيلت، بولاية ماريلاند.


حتى مفهوم الطقس الفضائي، الذي يضم الآن كل الأحداث والظروف الصادرة من الشمس والتي تؤثر على الأنظمة التقنية في الفضاء، أو على الأرض ومن خلالها على حياة الإنسان، لم يكن مفهوماً بشكلٍ جيدٍ عندما انطلق سوهو. 


كان يُعتقد في ذلك الوقت بأن التوهجات الشمسية هي الحالة الشمسية الأكثر فعالية على الأرض، وسبب ذلك هو أنها كانت الحالة الأكثر رصداً، بفضل كاميرا الكورونوغراف (coronagraph) -وهي جهاز مراقبة طيف الشمس، وهو نوع من الكاميرات التي تستخدم قرصاً صلباً لحجب وجه الشمس الساطع لمراقبة الغلاف الجوي للشمس الخافت نسبياً، والمعروف باسم الهالة (corona)- نحن نعرف الآن بأن الغيوم العملاقة التي انفجرت من الشمس والتي تسمى بالانبعاثات الكتلية الإكليلية CMEs، تمثل جزءاً كبيراً من لغز الطقس الفضائي. وعلى الرغم من أن تجربة جهازي كورونوغراف فضائيين متفوقة على الكورونوغراف الموجود في سوهو، إلا أنهما لم يقدما نفس كمية أو نوعية الأرصاد. 


وقال جو غورمان Joe Gurman -وهو عالم أمريكي- لمشروع سوهو في معهد جودارد: "هربت عدة انبعاثات كتلية خافتة دون أن تُرصد بواسطة الكورونوغرافات القديمة، ثم أدركنا في ضوء البيانات المرصودة من سوهو، بأن هذه الانبعاثات أكثر شيوعاً وأكثر تنوعاً بكثيرٍ مما كنا نظن خلال الدورة الشمسية".

 

التقطت هذه الصورة "للانبعاث الكتلي الإكليلي" (coronal mass ejection) أو اختصاراً CME، بواسطة مرصد سوهو في 5 مارس/آذار 2013.  هذا الحدث هو هالة من الانبعاث الكتلي الإكليلي (halo CME)، سمي بذلك بسبب طريقة انتشار الغيمة المتوهجة من المواد الشمسية حول قرص الشمس في دائرةٍ خافتة.  قبل أن يكتشف سوهو التسونامي الشمسي الذي يحدث عادةً بالاقتران مع الانبعاثات الكتلية، لم يكن بمقدور العلماء أن يكتشفوا بأي شكلٍ من الأشكال ما إذا كانت هالة الانبعاثات الكتلية الإكليلية تتحرك مباشرةً باتجاه الأرض أو بعيداً عنها.  النقطة المضيئة في أسفل الصورة من اليمين هي كوكب الزهرة.  المصدر: وكالة الفضاء الأوروبية/ ناسا/ سوهو. ESA/NASA/SOHO.
التقطت هذه الصورة "للانبعاث الكتلي الإكليلي" (coronal mass ejection) أو اختصاراً CME، بواسطة مرصد سوهو في 5 مارس/آذار 2013. هذا الحدث هو هالة من الانبعاث الكتلي الإكليلي (halo CME)، سمي بذلك بسبب طريقة انتشار الغيمة المتوهجة من المواد الشمسية حول قرص الشمس في دائرةٍ خافتة. قبل أن يكتشف سوهو التسونامي الشمسي الذي يحدث عادةً بالاقتران مع الانبعاثات الكتلية، لم يكن بمقدور العلماء أن يكتشفوا بأي شكلٍ من الأشكال ما إذا كانت هالة الانبعاثات الكتلية الإكليلية تتحرك مباشرةً باتجاه الأرض أو بعيداً عنها. النقطة المضيئة في أسفل الصورة من اليمين هي كوكب الزهرة. المصدر: وكالة الفضاء الأوروبية/ ناسا/ سوهو. ESA/NASA/SOHO.

يمكن أن تتسبب الانبعاثات -وهي غيوم ضخمة تتحرك بسرعة وتتكون من المواد الشمسية المشحونة كهربائياً، والتي تحوي جزءاً لا يتجزأ من المجالات المغناطيسية- حدوث العواصف المغناطيسية الأرضية عندما تتصادم مع المجال المغناطيسي للأرض، مما يؤدي لاهتزازها وزلزلتها. 


ساهمت القدرة على ربط الأحداث الشمسية بتأثيرات العواصف المغناطيسية الأرضية مثل "الشفق القطبي" (auroras)، والأنظمة الملاحية GPS واضطرابات الاتصالات، والتيارات التي تسببها مغناطيسية الأرض، التي يمكن أن تشكل ضغطاً على شبكات الكهرباء، بتسليط الضوء على فكرة طقس الفضاء.

ويضيف غورمان: "بفضل سوهو، أصبح هناك إدراكٌ عامٌ متنامٍ أننا نعيش في الغلاف الجوي الممتد لنجمٍ نشيطٍ مغناطيسياً، وأيضاً أصبح الناس يدركون بأن النشاط الشمسي يمكن أن يؤثر على الأرض". 

وبطبيعة الحال، لكن لم يكن كورونوغراف سوهو الأداة الوحيدة لتغيير قواعد اللعبة. فقبل أن ينطلق سوهو حاملاً "تلسكوب تصوير الأشعة فوق البنفسجية الشديدة" (Extreme ultraviolet Imaging Telescope) أو اختصاراً EIT، كانت الكاميرات الوحيدة التي تلتقط صوراً للشمس في الإضاءة فوق النفسجية الشديدة -التي يحجبها الغلاف الجوي الأرضي مما يجعل رصدها مستحيل من الأرض- تدور في صواريخ التجارب شبه المدارية وتجمع بيانات لبضع دقائق فقط في كل مرة. 


ويذكر أليكس يونج Alex Young عالم الفضاء في معهد جودارد: "للمرة الأولى على الإطلاق، شاهدنا موجاتٍ امتدت عبر الشمس بسرعة مليون ميلٍ في الساعة تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية الشديدة". 

يحدث هذا التسونامي على سطح الشمس -والذي لا يزال معروفاً من قبل العديد بموجات EIT بسبب التلسكوب الذي رصدهم لأول مرة- بالتزامن الوثيق مع الانبعاثات الكتلية الإكليلية. وقبل اكتشاف "التسونامي الشمسي" (solar tsunamis)، لم يكن بمقدور العلماء أن يكتشفوا بأي شكلٍ من الأشكال ما إذا كانت هالة الانبعاثات الكتلية الإكليلية تتحرك مباشرةً باتجاه الأرض أو بعيداً عنها، وذلك على اعتبار أن جميع هذه الانبعاثات على الخط بين الأرض والشمس تظهر ببساطةٍ في صور الكورونوغراف كهالةٍ عملاقةٍ حول الشمس.


تُظهر هذه الرسوم المتحركة التسونامي الشمسي، والذي يتوسع خارج إحدى المناطق النشطة بعد التوهج الشمسي في 14 يوليو/تموز سنة 2000، يعرف التسونامي بموجات EIT تيمناً بتلسكوب تصوير الأشعة فوق البنفسجية الشديدة في سوهو، والذي التقط الصور الأولى لهذه الأحداث.  قدم التسونامي الشمسي -الذي يحدث عادةً بالتزامن مع الانبعاثات الكتلية- للعلماء التلميحات الأولى عما إذا كانت هالة الانبعاثات الكتلية الإكليلية، والتي تظهر منتشرةً حول الشمس في صور الكورونوغراف، تتحرك مباشرةً باتجاه الأرض أو بعيداً عنها.  المصدر: منظمة الفضاء الأوروبية / ناسا / سوهو. ESA/NASA/SOHO.
تُظهر هذه الرسوم المتحركة التسونامي الشمسي، والذي يتوسع خارج إحدى المناطق النشطة بعد التوهج الشمسي في 14 يوليو/تموز سنة 2000، يعرف التسونامي بموجات EIT تيمناً بتلسكوب تصوير الأشعة فوق البنفسجية الشديدة في سوهو، والذي التقط الصور الأولى لهذه الأحداث. قدم التسونامي الشمسي -الذي يحدث عادةً بالتزامن مع الانبعاثات الكتلية- للعلماء التلميحات الأولى عما إذا كانت هالة الانبعاثات الكتلية الإكليلية، والتي تظهر منتشرةً حول الشمس في صور الكورونوغراف، تتحرك مباشرةً باتجاه الأرض أو بعيداً عنها. المصدر: منظمة الفضاء الأوروبية / ناسا / سوهو. ESA/NASA/SOHO.





غاب هذا الموضوع عن العلماء تقريباً وعن اكتشافات سوهو الأخرى، ففي عام 1998 فُقدت المركبة الفضائية لمدة أربعة أشهر بسبب خطأ في البرنامج، واستطاع فريق مشترك من منظمة الفضاء الأوروبية وناسا في النهاية على استعادتها في سبتمبر/أيلول 1998، وذلك باستخدام تلسكوب أريسيبو الراديوي العملاق Arecibo radio telescope لتحديد موقع المركبات الفضائية وإعادة الأوامر. كان هذا الإنقاذ حاسماً لعلوم الفيزياء الشمسية، كما يمكن أن يُنسب جزء كبير من نجاح سوهو العلمي إلى عمليات الرصد شبه الدائمة التي استمرت لـ 20 سنة. 


سوهو
سوهو


ويضيف غورمان: "وجدنا بواسطة سوهو أن الشمس تختلف في كل جدول زمني يمكننا قياسه. سواءً كان ذلك 20 عاماً أو مجرد أجزاء قليلة من الثانية، فإننا نكتشف ظواهر جديدة". 

وعلى الرغم من أن سوهو وسّع معرفتنا حول كل جانب من جوانب الفيزياء الشمسية، إلا أنه انطلق ليجيب على ثلاثة أسئلة أساسية. أولاً، ما هي البنية الداخلية للشمس؟

وضع العلماء نظرياتٍ عن طبقاتٍ من الغاز المتأين والمجال المغناطيسي المعقد الذي يؤلِّف أقرب نجمٍ لنا، ولكن لم تكن لديهم أي وسيلةٍ أخرى لتأكيد أفكارهم إلا من خلال مراقبة سطح الشمس، ولكن سوهو يحمل على متنه أداةً يمكن أن تلتقط نوعاً من الموجات الصوتية الشمسية، مما يساعد الباحثين على فهم البنية الداخلية للشمس.

وقد ساعد ذلك على حل ما كان يعرف "بمشكلة نيوترينو الشمس" (solar neutrino problem)، وذلك بسبب أن عدد نوع معين من نيوترينو الشمس الذي رصد في الأرض لا ينسجم مع العدد المتوقع في حساباتنا النظرية حول الشمس.

ويقول فليك: "حصولنا على صورة دقيقة للبنية الداخلية للشمس أكد نظرياتنا عن عدد النيوتريونات التي تنبعث منها، وهذا يثبت بأن مشكلة النيوترينو الشمسي حدثت بسبب سوء فهم للنيوتريونات نفسها، وليس للشمس". 

واكتُشِف فيما بعد أن النيوترينات يمكن أن تخضع لعملية تغيير لنوعها في رحلتها من الشمس، وهو ما يمثل الفرق بين التنبؤات والملاحظات. فاز هذا البحث بجائزة نوبل في الفيزياء عام 2015.

وكان السؤال الثاني الذي صُمم سوهو ليجيب عليه هو تسارع الرياح الشمسية. تنبعث مواد الشمس باستمرار في كل الاتجاهات، ولكن سرعة تدفق هذه المواد والتي تعرف بـ "الرياح الشمسية" (solar wind) أعلى بكثير مما كنا نتوقع من خلال نظرة بسيطة نسبياً للشمس. 

وضحت أرصاد سوهو كيفية تسارع بعض أسرع تيارات الرياح الشمسية في ثقوب الهالة الشمسية، وهي مناطق على الشمس يكون فيها المجال المغناطيسي مفتوحاً إلى الفضاء بين الكواكب.

ولم يتمكن أحد حتى الآن من تقديم إجابةٍ مؤكدةٍ على سؤال سوهو الثالث وهو: ما الذي يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة بشكلٍ غير عادي في الغلاف الجوي للشمس، الإكليل؟

ويضيف فليك: "إن الإكليل حار بشكلٍ لا يصدق، أسخن بمئات المرات من الطبقات الأدنى. وبما أن مصدر طاقة الشمس يقع في المركز، بشكلٍ مبسط، فإننا كنا نتوقع أن يكون الإكليل، أي الطبقة السطحية، هو الأبرد". 

على الرغم من أن أرصاد سوهو قدمت الأساس لكثيرٍ من التفسيرات المحتملة لمشكلة حرارة الإكليل، إلا أن الأمر لم ينته بشكلٍ مؤكد. ولذلك، خططت ناسا لبعثة المسبار الشمسي المتقدم (Solar Probe Plus) والمزمع إطلاقه في عام 2018، والذي سيحلق بشكلٍ أقرب إلى الشمس من أي مركبة فضائية أخرى بهدف دراسة هذه المسألة بالذات.


تعد بعثة المسبار الشمسي المتقدم إحدى المهمات العديدة التي صُممت بسبب سوهو واكتشافاته. وتشمل المهمات الأخرى مرصد ديناميكا الشمس (Solar Dynamics Observatory)، ومسبار ستيريو (Solar and Terrestrial Relations Observatory)، ومطياف تصوير المنطقة البينيّة إيريس (Interface Region Imaging Spectrograph)، وهاينود التابعة لجاكسا وناسا (Hinode).

ويختم يونج كلامه قائلاً: "بدون سوهو، لن يكون هناك مرصد ديناميكا الشمس ولا ستيريو ولا إيريس ولا هاينود. أظهر لنا سوهو أشياء كثيرة لم يسبق لنا رؤيتها من قبل، ثم أدركنا بعد ذلك أننا بحاجة للمزيد من التركيز على الشمس".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات