نظرة على علم الأعصاب

شغف مستمر لحل ألغاز الدماغ، وسعي حثيث لإنهاء معاناة مرضى الجهاز العصبي


يهتم علم الأعصاب بكيفية تنظيم وعمل الجهاز العصبي في الإنسان والحيوانات الأخرى. وقد استخدمَ هذا الفرع من علوم الأحياء وسائل عدة ونماذج مختلفة من الحيوانات في تقدمه على مر السنين، ومن أهم الأسئلة التي أجيبت خلال القرن الماضي تتعلق بكيفية نقل الخلايا العصبية (العصبونات) في الجهاز العصبي للإشارات الحسية، لإعطاء الحيوانات معلومات عن البيئتين الخارجية والداخلية للحيوان، إضافة إلى كيفية تبادل هذه الوحدات الإشارات فيما بينها لتحليل هذه المعلومات في الجهاز العصبي المركزي، وأخيرًا كيف تنقل هذه الوحدات ناتج التحليل العصبي إلى الأعضاء الفاعلة في الجسم مثل العضلات والغدد.

المكونات الأساسية للجهاز العصبي و علاقاتها الوظيفية. (أ) الجهاز العصبي المركزي (CNS) ومكوناته، الدماغ والحبل الشوكي، والجهاز العصبي الطرفي (PNS) ومكوناته، الأعصاب القحفية والشوكية. (ب) رسم بياني للمكونات الأساسية في الجهاز العصبي المركزي والطرفي وعلاقاتها الوظيفية. تنقل المنبهات الخارجية من البيئة المعلومات إلى دوائر محللة موجودة في الدماغ والحبل الشوكي، والتي تقوم بتحليل أهمية هذه المعلومات وإرسال إشارات إلى المؤثرات الطرفية التي تحرك الجسم وتتحكم بعمل الأعضاء الداخلية للجسم. حقوق الصورة: أعيد إنتاج الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 1.10" provided by Dr. Purves.
المكونات الأساسية للجهاز العصبي و علاقاتها الوظيفية. (أ) الجهاز العصبي المركزي (CNS) ومكوناته، الدماغ والحبل الشوكي، والجهاز العصبي الطرفي (PNS) ومكوناته، الأعصاب القحفية والشوكية. (ب) رسم بياني للمكونات الأساسية في الجهاز العصبي المركزي والطرفي وعلاقاتها الوظيفية. تنقل المنبهات الخارجية من البيئة المعلومات إلى دوائر محللة موجودة في الدماغ والحبل الشوكي، والتي تقوم بتحليل أهمية هذه المعلومات وإرسال إشارات إلى المؤثرات الطرفية التي تحرك الجسم وتتحكم بعمل الأعضاء الداخلية للجسم. حقوق الصورة: أعيد إنتاج الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 1.10" provided by Dr. Purves.

وبالرغم من أن فهم علميات التواصل هذه -التي تشكل فعليًا الأساس للمهام العصبية والسلوكية- اعتمد على المعلومات التشريحية، والفيزيولوجية، والكيميائية الحيوية و التي تم الحصول عليها من الكثير من الباحثين، فقد كان الرائدون في فهم كيفية نقل المعلومات لمسافات طويلة عن طريق جهد الفعل (action potential) هم ألان هودجكن Alan Hodgkin، وأندرو هكسلي Andrew Huxley، وبيرنارد كاتز Bernard Katz الذي بين عمله كيف تنقل المشابك العصبية (synapses) المعلومات من عصب إلى آخر و إلى الخلايا المؤثرة، وستيفن كافلير Stephen Kuffler الذي ساهم في كلا العملين السابقين وشارك بشكل جوهري في فهم كيفية قيام المستقبلات الحسية الطرفية ببدء جهد الفعل عن طريق الاستجابة لطاقةٍ من مصادر مختلفة من البيئة. 


كما قامت التقنيات الكيميائية الحيوية و تقنيات الوراثيات الجزيئية (molecular genetic) بإكمال هذه الدراسات الفيزيولوجية في غالبها، ابتداءً باكتشاف الأعداد المتزايدة من النواقل العصبية المستخدمة في المشابك الكيميائية، وصولًا إلى القنوات الأيونية التي تُفَعَّل عن طريق هذه النواقل بالإضافة إلى القنوات الأيونية المسؤولة عن توصيل جهد الفعل. بالإضافة إلى تثبيت و توسيع نتائج الفيزيولوجيا الكهربائية بشكل كبير، فقد أثارت هذه المعرفة وفرة في علوم الأعصاب ذات المنحى السريري، والتي تهدف إلى فهمٍ و علاجٍٍ أفضلَ للأمراض العصبية و غيرها بوساطة علم محسّن للأدوية الجزيئية.

أنواع الإشارات العصبية الكهربائية. في كل الحالات يستخدم إلكترود مكروي لقياس التغيرات في جهد الراحة الغشائي resting membrane potential خلال الإشارات المحددة. (أ) لمس خفيف يؤدي إلى جهد مستقبل receptor potential في جسيم باشيني Pacinian corpuscle في الجلد. (ب) تفعيل تماس مشبكي على عصبون موجود في الحصين (hippocampus) يثير جهدًا مشبكيًا. (ج) تحفيز انعكاسات شوكية ينتج جهد فعل في عصبون شوكي حركي. حقوق الصورة: أعيد إنتاج الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 2.1" provided by Dr. Purves.
أنواع الإشارات العصبية الكهربائية. في كل الحالات يستخدم إلكترود مكروي لقياس التغيرات في جهد الراحة الغشائي resting membrane potential خلال الإشارات المحددة. (أ) لمس خفيف يؤدي إلى جهد مستقبل receptor potential في جسيم باشيني Pacinian corpuscle في الجلد. (ب) تفعيل تماس مشبكي على عصبون موجود في الحصين (hippocampus) يثير جهدًا مشبكيًا. (ج) تحفيز انعكاسات شوكية ينتج جهد فعل في عصبون شوكي حركي. حقوق الصورة: أعيد إنتاج الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 2.1" provided by Dr. Purves.

وباستخدام الإشارات الكهروكيميائيىة (جهود المستقبل receptor potentials، جهود الفعل action potentials، و الجهود المشبكية synaptic potentials) يقوم الدماغ و باقي الجهاز العصبي بعمليات ذات نطاق واسع جدًا، فبالإضافة إلى مهام الجهاز العصبي التنظيمية (الاستتبابية) والأساسية في كل الحيوانات الفقارية و اللافقارية، فإن الدماغ في الإنسان، والرئيسيات غير البشرية، وبدرجات مختلفة الحيوانات الأخرى ذات الدماغ عالي التطور، يمتلك قدرات إضافية يتم الإشارة إليها بشكل تقريبي على أنها "مهام معرفية" (cognitive functions). وتشمل هذه المهام الإدراك، والانتباه، والتعلم والذاكرة، والعواطف، والعرض الترميزي (symbolic representation)، واتخاذ القرارات، والمنطق، وحل المشاكل، والوعي. كما تمتلك مثل هذه القدرات أهمية خاصة، حيث إنها تتواجد في مركز فهمنا لطبيعة الجنس البشري، وتاريخه، ومستقبله. إلا أنه –وحتى بضعة عقود سابقة- لم يتناول علم الأعصاب التقليدي هذه الموضوعات، وذلك بشكل أساسي بسبب عدم وجود أدوات يمكن استخدامها في دراسة هذه المواضيع، إذ تم ترك هذه المهام للعلوم النفسية مع بعض الاستثناءات.

كما قام علم النفس، مثله مثل علم الأعصاب التقليدي، بغرس جذوره بقوة في أواخر القرن التاسع عشر. وعلى العكس من الأهداف الاختزالية الصريحة لمعظم علوم الأعصاب، فقد كان علم النفس يهدف إلى فهم المهام العقلية و السلوك عوضًا عن فهم الأساسات التشريحية و الفيزيولوجية والجزيئية. واكتفى الفلاسفة في القرن السابع والثامن عشر (أسلاف علماء النفس المعاصرين) بالتأمل في هذه القضايا نظرا لعدم توافر أي أدلة اختبارية مهمة، ولكن في منتصف القرن التاسع عشر أصبح الكثير من المهتمين في هذا المجال على يقين أنه يمكن، بل ويجب، دراسة هذه القضايا عن طريق الملاحظات التجريبية.

وقد كان الرواد في هذا المجال هم ولهلم وندت Wilhelm Wundt، وهيرمن ابنغس Hermann Ebbinghaus، وغوستاف فيشنر Gustav Fechner، وإرنست وبر Ernst Weber، الذين نجحت جهودهم في القرن التاسع عشر لجعل علم النفس علمًا مستقلًا. وبشكل تدريجي أصبح علم النفس فرعًا علميًا قائمًا بحد ذاته في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت الخطوة التالية في القرن العشرين هي ظهور علم النفس المعرفي كفرع من علم النفس والذي يُعنى بشكل أساسي (وليس بشكل كلي) بوظائف دماغ الإنسان. وكان السبب في اختيار وظائف دماغ الإنسان هو أن المعرفة (Cognition)، والتي تعني بشكل حرفي "مَلَكة المعرفة"، غالبًا ما تعتبر ظاهرة إنسانية بشكل كبير (ولكن بعضهم يعتبرها كذلك بشكل كلي). وبالتالي فإن علم النفس المعرفي في الواقع تم تكريسه لفهم تلك النواحي من عقلية الإنسان التي تستلزم وجود الوعي الواعي (Conscious Awareness) وكل ما يتلو ذلك، وذلك على العكس من العلميات والسلوكيات اللاواعية التي توصف بشكل عام بالمنعكسات (Reflexes).
تسلسل الأحداث المتعلق بانتقال السيال العصبي في مشبك كيميائي نموذجي. حقوق الصورة: عُدِّلت الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 5.5" provided by Dr. Purves.
تسلسل الأحداث المتعلق بانتقال السيال العصبي في مشبك كيميائي نموذجي. حقوق الصورة: عُدِّلت الصورة المترجمة من "Neuroscience. Fourth Edition. Fig. 5.5" provided by Dr. Purves.

وبما أن وظائف وسلوكيات الدماغ هذه، والتي يشار إليها بالوظائف العليا، تعتمد على نفس الآلية الجزيئية، والخلوية، وذات مستوى الدوائر الكهربائية، والتي كانت مركز اهتمام علم الأعصاب التقليدي خلال معظم القرن العشرين، كان من المنطق تجاوز هذا التمييز عن طريق ضم هذه الحقول في فكرة مشتركة. وتسارع هذا الالتقاء خلال الثلاثين سنة الماضية، ليشكل تدريجياً حقلًا جديدًا عرف باسم علم الأعصاب المعرفي (Cognitive Neuroscience)، وبدى واضحا زيادة الحماسة لجمع علم الأعصاب التقليدي مع علم النفس بالرغم من اختلاف اهتماماتهما و تقاليدهما. ومع تقديم حلولا معقولة لكثير من المسائل المهمة في علم الأعصاب التقليدي، ازداد طموح الباحثين في هذا المجال لفهم الوظائف العصبية اﻷكثر تعقيدًا (وظائف الدماغ البشري بالتحديد) باستخدام أدوات الفيزيولوجيا الكهربية (Electrophysiology)، والأدوات التشريحية، وأدوات الكيمياء الحيوية، وأدوات الوراثيات الجزيئية التي تم تطويرها. وازداد في نفس الوقت طموح علماء علم النفس المعرفي لتقريب العلاقة مع مفاهيم ووسائل علم الأعصاب كطريقة لتطوير أجندتهم طويلة المدى في فهم العمليات العقلية.


ويعتبر الظهور السريع لعلم الأعصاب المعرفي خلال العقدين أو الثلاث عقود الماضية خطوة منطقية لكل من علم الأعصاب التقليدي وعلم النفس، إذ تسوقهما الطرق غير الباضعة (التي لا تستلزم فتح الدماغ) وذات الجدوى المتزايدة لدراسة دماغ العينات الطبيعية. وتشمل هذه الطرق تخطيط كهربية الدماغ (Electroencephalography)، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (Positron Emission Tomography)، وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي (Functional Magnetic Resonance Imaging)، ومخطاط مغناطيسية الدماغ (Magneto-encephalography)، والتحفيز عبر القحفي المغناطيسي (Trans-cranial Magnetic Stimulation).

وبالتالي، يتجه كل من علم الأعصاب التقليدي وعلم النفس لا محالة إلى اتحاد أضيق، وذلك لأسباب وجيهة. وتُعد المعرفة العملية السليمة لبنية الدماغ وأساسات الفيزيولوجيا، والكيمياء، والوراثيات المتعلقة بمكونات الدماغ ضروريةً في فهم عمل الدماغ، ولن يستطيع علماء النفس مواكبة التقدم في هذا المجال بدون استيعاب هذه الضرورة، وكذلك لن يستطيع علماء الأعصاب التقليديين الذين لا يتعدى نظرهم المستوى الجزيئي والخلوي أن يقودوا هذا المجال إلى أقصى إمكاناته.

وقد أضيفت العلوم النظرية (Theoretical Science) لمجموعة "علم الأعصاب" في العقود القليلة الماضية كمكون أخير في هذه المجموعة. وتبع ظهور حلول الحواسيب كأداة تحليلية للتعامل مع البيانات الفيزيولوجية الكهربية، والجزيئية، والصورية في السبعينيات من القرن العشرين زيادة استخدام تصميم ومحاكاة الحواسيب للعديد من وظائف الدماغ. ودخلت هذه المناهج تدريجيًا تيار العمل في علم الأعصاب، والذي أصبح، بدوره، فرعًا جديدًا في هذا المجال.

كما قامت نماذج الواقع الافتراضي خلال السنوات القليلة الماضية بتوسيع مناهج الحوسبة النظرية بالتزامن مع تطوير الكثير من النماذج الجديدة لتدريب وتطوير الشبكات العصبية المستقلة (Autonomous Neural Networks)، والتي تستطيع العمل كمثيل للجهاز العصبي في الحيوانات.

ومازال هنالك العديد من الأسئلة غير المجابة والمتعلقة بكيفية عمل الدماغ، وسيستمر معها الشغف بدراسة هذه القضايا، وكذلك المعاناة التي تلحقها الكثيرُ من أمراض الجهاز العصبي، وهذا ما سيضمن لعلم الأعصاب –والذي يضم اليوم الكثير من الفروع العلمية التي كانت مستقلة سابقًا- أن ينمو لسنوات عديدة في المستقبل.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الإصدارية (Emission): هي كمية الضوء، أو بشكلٍ عام الإشعاع الكهرومغناطيسي، الناتجة عن ذرة ما أو جسم آخر. المصدر: ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات