شركاء في العلم: شركاتٌ خاصةٌ تُجري بحوثاً قيمةً في محطة الفضاء الدولية

رائد فضاء وكالة الفضاء الأوروبية باولو نسيبولي Paolo Nespoli، يقوم بتشغيل وحدة الضوء المايكروسكوبية (the Light Microscopy Module) على متن محطة الفضاء الدولية خلال البعثة السابقة.


المصدر: NASA


في أواخر القرن العشرين، اجتمعت أكثر من 12 دولةً بهدف التعاون معاً في إحدى عجائب الهندسة البشرية، ألا وهي محطة الفضاء الدولية (ISS). إن التجارب العلمية الناجحة التي أجريت في المختبر المداري يتعدى عددها الـ 1700 تجربة، حيث أفادت سكان الأرض على مدار 15 سنة، وكانت نتاج شراكة في الأبحاث بين شركاتٍ خاصةٍ ووكالات الفضاء حول العالم.

ذُكرت العديد من هذه الإنجازات العلمية في كتاب "فوائد محطة الفضاء الدولية للبشرية" ISS Benefits for Humanity 2015، مُسلِّطةً بذلك الضوء على التعاون الذي ساعد الناس الذين على الأرض، بأن يعيشوا بصحةٍ أفضل ومنحهم حياةً أكثر إنتاجيةً.


الفرق بين بلورات البروتين على الأرض (في الأعلى)، وتحت الجاذبية الميكروية (في الأسفل). المصدر: Merck
الفرق بين بلورات البروتين على الأرض (في الأعلى)، وتحت الجاذبية الميكروية (في الأسفل). المصدر: Merck

وقال نائب قائد محطة الفضاء الدولية الدكتور كيرك كوستيلو Kirt Costello: "كمختبرٍ وطنيٍّ، تعمل محطة الفضاء الدولية مع الصناعة الخاصة، لتحقق تقدماً في الأبحاث بهدف تطوير حياتنا، ابتداءً من التكنولوجيا الجديدة الرائدة، إلى دراسة الكيفية التي يمكن للجاذبية الميكروية (Microgravity) أن ثؤثر على النظام البيولوجي لأجسامنا".

 

ويضيف: "نستخدم هذا المختبر الفريد مع بعضنا البعض للبحث عن أجوبة، سواء كانت تتعلق بالخارج باستخدام موقعنا المميز في الأرض، أو في الداخل تحت المايكروسكوب باتجاه اللبنات الأساسية في بناء الحياة". وأفادتنا هذه الاكتشافات التي نتجت من الأبحاث في تطوير منتجاتٍ جديدة، واستخدام مدار الأرض المنخفض بشكلٍ تجاري، وزيادة معرفتنا في المعركة الجارية لمحاربة الأمراض".

واحدةٌ من هذه الشركات تقوم بالعمل على بحثٍ تقليديٍّ عريق، وهو فحص بلورات البروتين تحت الجاذبية الميكروية، للمساعدة في تطوير أدويةٍ جديدةٍ لمساعدة الأطباء في محاربة الأمراض. حيث قامت مختبرات ميرك Merck للأبحاث التي مقرها في كينيلورث Keniworth- نيوجيرسي New Jersey، بدراسة بلورات البروتين تحت الجاذبية المايكروية، وكان هذا لأول مرةٍ أثناء بعثات مكوك الفضاء المختلفة، وأكمِلت لاحقاً في محطة الفضاء الدولية.

إن بلورات البروتين الخاصة بميرك عبارة عن أجسام مضادةٍ يمكنها ربط نفسها بالمادة المسببة للمرض، موصلةً بذلك الأدوية بشكلٍ مباشرٍ للمنطقة التي تحتاج للعلاج. هذه البلورات هشةٌ ومعرضةٌ لحدوث اختلالاتٍ من قبل الجاذبية، لذا يصعب دراسة بعضها على الأرض. 
 

في محطة الفضاء، وفي غياب الجاذبية والحمل الحراري، يسمح بنمو البلورات بشكلٍ أكبر وأكثر كمالاً، مساعدةً بذلك الباحثين على فحص تركيب البروتينات بشكلٍ أسهل، وتصميم علاجاتٍ دوائيةٍ لمحاربة مرضٍ محددٍ بعينه.

تعمل ميرك بالتعاون مع "مركز العلوم المتقدمة في الفضاء" CASIS، وهي منظمةٌ غير ربحية تدير مختبر الولايات المتحدة الوطني، على إكمال دراسة بروتيناتٍ اسمها "أجسام مونوكونل المضادة" (monoclonal antibodies)، أو اختصاراً (MAB). يمكن أن يساعد التعليق المركز بشكلٍ عال لأجسام مونوكول المتبلورة في محطة الفضاء ميرك في تطوير دواء لديه أجسامٌ مضادةٌ ذات تركيزٍ أعلى لمحاربة الأمراض. 


على غرار البحث الجاري بخصوص تجربة الغرويات، الصورة المايكروسكوبية التي في الأعلى، لعيّنةٍ من الهلام تحت جاذبية مايكروية مُتحكَّم بها من قبل خيوطٍ هشةٍ مكونةٍ من العديد من الأجسام في المقطع العرضي. نموذج البنية الهلامية في الأعلى يكشف عن خصائص أخفتها الجاذبية. المصدر: NASA
على غرار البحث الجاري بخصوص تجربة الغرويات، الصورة المايكروسكوبية التي في الأعلى، لعيّنةٍ من الهلام تحت جاذبية مايكروية مُتحكَّم بها من قبل خيوطٍ هشةٍ مكونةٍ من العديد من الأجسام في المقطع العرضي. نموذج البنية الهلامية في الأعلى يكشف عن خصائص أخفتها الجاذبية. المصدر: NASA

قامت شركتان بإرسال بعض القوارض لمحطة الفضاء الدولية، لإجراء أبحاث على هشاشة العظام وضمور العضلات، الذي عانى منه رواد الفضاء أثناء البعثات طويلة الأمد. المعلومات التي نتجت عن البحث الذي تم إجرائه من قبل شركة أميجن Amgen في مدينة "ثاوزند اوكا" Thousand Oaks الصناعية في كاليفورنيا ومعهد نوفرتيس Novartis للأبحاث الطبية الحيوية في كامبريدج Cambridge في ماساتشوستس Massachusetts، يمكن أن تساعد الملايين من الناس الذين يعانون من ضمور العضلات (Muscle Atrophy) وهشاشة العظام (Bone Loss).

ويمكن للعضلات أن تضمر أو للعظام أن تفقد كتلتها تحت تأثير الجاذبية الميكروية، بسبب الأنشطة اليومية العادية. ويعاني أيضاً الناس المصابون بهشاشة العظام -بسبب الأمراض أو الإصابات- من نفس الآثار. يقوم أعضاء الفريق في الفضاء باتباع نظامٍ غذائيٍّ وتمارين محددة للتخفيف من حدة المشكلة، لكن هذه الإجراءات غير مفيدةٍ مع المرض أو الضعف الذي يعاني منه المرضى الذين على الأرض. قام الباحثون بدراسة القوارض في محطة الفضاء الدولية لمحاولة فهم الظاهرة بشكلٍ أفضل.

خلال الـ 14 سنة الماضية، قامت أمجن بدراسة ثلاث عقاقير مختلفة مخصصة لعلاج هذه المشاكل، ركز اثنان منها على هشاشة العظام والآخر على ضمور العضلات. أظهرت العقاقير الثلاثة نتائج واعدة في سبيل تحديد المشكلة، وتقوم أمجن الآن بالتخطيط لاختبارٍ أطول مدةً لزيادة كمية البيانات.

أخذ فريق نوفاريتس Novartis مساراً مختلفاً في عام 2014، حيث بدأ بدراسة القوارض التي تم تعديلها جينياً لتقاوم ضمور العضلات، عن طريق إزالة الجين الذي يقوم بصنع البروتين الذي يحدد بروتينات العضلات الأخرى التي ستتهتك. وتم قياس زيادة في هذا البروتين في المعركة السابقة. هذا ولا زال الباحثون يقومون بتحليل البيانات، لكن من المتوقع أن تكون القوارض المعدلة جينياً والموجودة في محطة الفضاء قد تعرضت لضمور في العضلات أقل من تلك التي على الأرض.

تعمل شركة بروكتر أند غامبل Proctor & Gamble، التي تقع في مدينة سينسياتي Cincinnat الصناعية في أوهايو، مع محطة الفضاء الدولية للمساعدة في صنع منتجاتٍ سهلة الاستخدام وذات عمرٍ افتراضيٍّ طويل. اهتمام الشركة يصب في الغرويات (colloid)، و دراسة الكيفية التي تنفصل فيها أطوار المواد الصلبة والغازية والسائلة، والذي من الأسهل بكثير بأن يُرى ويُفهم تحت الجاذبية الميكروية. 


تريد الشركة أن تصنع سوائل لديها قدرةٌ أفضل على الإمساك بالأجسام المعلقة، أو حتى سوائل مختلفة كلياً مثل مواد التنظيف السائلة، وسوائل تنقية القماش أو الأدوية، والتي من الممكن أن تؤدي إلى تحسين الصحة، ومنتجات العناية بالجمال والمنزل المستعملة كل يوم. والحصول على فهمٍ أفضل لهذه الخواص الفيزيائية قد يساعد حتى في صناعة المستحضرات الصيدلانية.

البيئة الفريدة التي توفرها محطة الفضاء الدولية، تزودنا بفرص إجراء عدة أنواعٍ من الأبحاث التجارية القابلة للتطبيق. المصالح المتنوعة لعالم الشركات أيضاً لديه مكان في الفضاء، لامساً بذلك حياة الناس الذين يعيشون ويعملون في كوكب الأرض وخارجها.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الجاذبية الميكروية (Microgravity): الجاذبية الميكروية، أو الجاذبية صفر هي في الواقع تعبير يُشير إلى وجود بيئة بجاذبية ضعيفة جداً كتلك التي يُعاني منها رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية. المصدر ناسا

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات