هل يُعيقنا حاجزٌ منيع عن الوصول إلى الحواسيب الكمومية؟

تختلف الحواسيب الكمومية (quantum computers) بشكلٍ جذري عن الحواسيب التقليدية لأنها تتضمن ظواهرَ كمومية مثل التراكب (superposition) والتشابك (entanglement) غير الموجودين في الحواسيب الرقمية العادية. 

لكن في ورقةٍ علميةٍ جديدة، برهن علماء فيزياء على إمكانية استخدام حاسوبٍ تقليديّ لمحاكاة حاسوبٍ كمومي ويشمل ذلك ظاهرتي التراكب والتشابك، والنتيجة هي أن النظام التقليدي يتصرف مثل حاسب كمومي حقيقي. 

نشر عالم الفيزياء برين لا كور Brian La Cour ومهندس الكهرباء غرانفيل اوت Granville Ott من مختبرات الأبحاث التطبيقية في جامعة تكساس في أوستن ورقةً علميةً تُركّز على المحاكاة الكلاسيكية لحاسب كمومي في العدد الأخير من مجلة The New Journal of Physics.

إضافةً إلى أهميتها الخاصة، فإن استخدام الأنظمة الكلاسيكية لمحاكاة الحواسب الكمومية قد يؤدي إلى فوائدَ عمليةٍ لأن بناء مثل هذه الأجهزة للمحاكاة الكمومية سيكون أسهل وأكثر متانة مقارنةً مع الحواسيب التقليدية. 

يقول لا كور لموقع Phys.org: "نأمل أن يُزيل هذا العمل بعضاً من الغموض والغرابة المترافقين مع الحوسبة الكمومية (quantum computing) وذلك عبر تقديم مماثلةٍ تقليديةٍ متماسكة. يجب أن تُساعد الرؤى التي حصلنا عليها في تطوير تكنولوجيا جديدة ومثيرة بالنسبة لكلٍ من الحوسبة التقليدية المُماثلة والحوسبة الكمومية الحقيقية". 

وكما يشرح أوت ولا كور، فقد جرت محاكاة الحواسيب الكمومية في الماضي باستخدام برمجيات مُنصّبة على حاسوبٍ تقليدي، لكنّ عمليات المحاكاة تلك كانت عروضاً رقميةً للعمليات التي يُجريها حاسب كمومي. وفي المقابل، فإن محاكاة الحاسوب الكمومي تتضمن تمثيلاً فيزيائياً لبنية البت الكمومي (qubit) وعرض السلوك الكمومي الفعلي. 

والسلوك الكمومي الأساسي الذي يُمكن محاكاته دون تصنيعه هو التوازي (parallelism). يسمح التوازي بإجراء العديد من العمليات على البيانات في الوقت نفسه، وهي معالجةٌ ناجمةٌ عن ظاهرتي التراكب والتشابك الكموميتين، ويُمكّن هذا المفهوم الحواسيب الكمومية من العمل بسرعات فائقة. 

ولمحاكاة حاسوب كمومي، يستخدم نهج الفيزيائيين إشاراتٍ إلكترونيةً لتمثيل البتات الكمومية، وفيها يتم تشفير حالة البت الكمومي في سعات (amplitudes) وترددات (frequencies) الإشارات بالاعتماد على طريقة رياضية معقدة. وعلى الرغم من أن العلماء يستخدمون الإشارات الإلكترونية، فإنهم يقولون إن أي نوعٍ من الإشارات، مثل الصوتية أو الأمواج الكهرومغناطيسية، سيقوم بالعمل أيضاً. 

على الرغم من أنّ هذه الأنظمة التقليدية تُحاكي ظواهر كمومية وتتصرف مثل حاسوب كمومي، إلا أنّ العلماء يؤكدون أنها لازالت تُعتبر كلاسيكية وليست كمومية. 



محاكاة التراكبات الكمومية باستخدام إشارات كلاسيكية. المصدر: Applied Research Laboratories, The University of Texas at Austin

 

يقول لا كور: "إنها نقطة مهمة، فالتراكب هو خاصيةٌ لإضافة الأمواج بشكلٍ متماسك، وهي ظاهرةٌ تعاني منها العديد من الأنظمة التقليدية، بما في ذلك نظامنا".

ويُضيف: "التشابك قضية أكثر دقة"، ويتابع واصفاً التشابك على أنه "خاصيةٌ رياضيةٌ بحتة للأمواج. ولأن إشاراتنا الكلاسيكية تُوصف بنفس الرياضيات الخاصة بالنظام الكمومي الحقيقي، فإنها قد تعاني من نفس الخواص". 

يقول لا كور إن هذا النوع من التشابك لا ينتهك "لا مساواة بيل" (Bell's inequality)، المستخدمة بشكلٍ واسع لاختبار التشابك؛ ويُضيف: "التشابك ظاهرةٌ إحصائية، أما ظهورها كانتهاكات لأشياء مثل لامساواة بيل فهو أمر مختلف تماماً".

ويُتابع قائلاً: "بإضافة محاكاة للضجيج الكمومي إلى الإشارة، نعتقد ان جهازنا سيكون قادراً على عرض مثل هذا النوع من التشابك الموصوف في ورقة علمية أخرى".

في الورقة العلمية الحالية، يصف لا كور وأوت القدرة على إنشاء نظامهم باستخدام مكونات إلكترونية أساسية، وقد تمثّل التحدي الأكبر في وضع عدد كبير من هذه المكونات على دارة مدمجة وحيدة من أجل تمثيل أكبر قدر ممكن من البتات الكمومية.

وبالنظر إلى أنّ أفضل تكنولوجيا أشباه الموصلات (semiconductor) الموجودة حالياً يُمكنها أن تحتوي أكثر من مليار ترانزستور في دارة مدمجة، يُقدر العلماء أن هذه الكثافة من الترانزستورات تعود إلى حوالي 30 بت كمومي؛ وتعود زيادة كثافة الترانزستورات بعامل 1000، وهو أمر من المتوقع حصوله خلال 20 إلى 30 عام قادم وفقاً لقانون مور، إلى 40 بت كمومي. 

يُفرض على هذا القيد المتمثل في 40 بت كمومي قيدٌ آخر أكثر أساسية، وينتج عن عرض نطاق الإشارة. يُقدر العلماء أن إشارة مدتها 10 ثوانٍ يُمكنها التلاؤم مع 40 بت كمومي، وزيادة المدة إلى 10 ساعات ستقود إلى 50 بت كمومي فقط، في حين ستقود زيادةٌ تصل إلى سنة إلى الحصول على 60 بت كمومي فقط. 

نتيجة لهذا السلوك، يُقدر الفيزيائيون أن إشارة مدتها تصل إلى عمر الكون تقريباً (13.77 مليار عام) تستطيع التلاؤم مع حوالي 95 بت كمومي فقط، في حين تعود تلك التي تصل مدتها إلى زمن بلانك إلى حوالي 176 بت كمومي. 

وبالأخذ بعين الاعتبار أننا بحاجةٍ إلى آلاف البتات الكمومية للقيام بمهام الحوسبة الكمومية المعقدة، مثل تقنيات التشفير، فإن هذا المخطط الموجود هنا يُواجه وبشكلٍ واضح قيوداً لا يُمكن قهرها. مع ذلك، يلاحظ العلماء أن 40 بت كمومي هو مقدار كافٍ للقيام ببعض التطبيقات ذات البتات الكمومية المنخفضة، مثل عمليات المحاكاة الكمومية. 

ولأن أجهزة المحاكاة الكمومية تُقدم فوائد عملية تفوق تلك الخاصة بالحواسيب الكمومية، وأداءً يفوق معظم الحواسيب الكلاسيكية، فإنها قد تكون يوماً ما مفيدة جداً؛ أما الآن، فتتمثل الخطوة التالية في صنع الجهاز. 

يقول لا كور: "تنصب الجهود حالياً على بناء نموذج أولي لجهاز ثنائي البتات الكمومية (two-qubit prototype device) يكون قادراً على إثبات التشابك. تُوضح الصورة المغلفة (انظر أعلاه) جهاز المحاكاة الكمومية الحالي على شكل تشكيلة لطيفة من الإلكترونيات اللوحية المجموعة معاً من قبل أحد طلابي وهو السيد ميشيل ستاركي Michael Starkey".

ويتابع: "نأمل في الحصول على تمويلٍ مستقبلي لدعم تطوير الرقاقة الفعلية. وللاستفادة من التوازي الكمومي، فنحن نعتقد أن معالجات تشغيل بحجم 10 بت كمومي ستنافس أداء معالج إنتل الحديث في إجراء بعض المهام الحسابية. تُمثل سماحية الخطأ (fault tolerance) مسألةً مهمة أخرى ندرسها أيضاً. فجراء التشابهات الموجودة في البُنى الرياضية، نعتقد أن خوارزميات تصحيح الأخطاء الكمومية المستخدمة في صناعة سماحية الخطأ في الحواسيب الكمومية، يُمكن استخدامها في أجهزة المحاكاة الكمومية أيضاً".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • أشباه الموصلات (أو أنصاف النواقل) (semiconductor): وهي مواد ذات مقاومة كهربائية ديناميكية بمجال بين مقاومة الموصلات ومقاومة العوازل، بحيث ينتقل التيار الكهربائي فيها عبر تدفق الالكترونات إلى القطب الموجب وتدفق للثقوب باتجاه القطب السالب (الثقب هنا موضع لإلكترون متحرّر)، من أهم تطبيقاتها: الترانزستور والثنائيات الباعثة للضوء
  • البت الكمومي (qubit): البت الكمومي (الكوبت): هو المكافئ الكمومي للبت الرقمي الثنائي الموجود في الحساب التقليدي. لكنَّ هذا البت الكمومي موجود في الحساب الكمومي. يُعتبر هذا الكوبت الوحدة الأساسية للمعلومات في الحواسب الكمومية، تماماً كما يُعتبر البت التقليدي الوحدة الأساسية للمعلومات في الحواسب التقليدية. المصدر: معهد ميكانيك الكم.

اترك تعليقاً () تعليقات