دراسة ذرات المادة المضادة وسلوك البوزيترونيوم

ربما تكون فيزياء التصادمات مثل لعبة البلياردو، لكن من الصعب في العالم المجهري التنبؤ بنتائج اللعبة. ووفقاً لميكانيك الكم، فإنّ إطلاق جسيم باتجاه مجموعة من الجسيمات الأخرى قد يؤدي إلى تشتتها، أو تجمعها، أو تحطمها، ويعتمد ذلك على التوزعات الاحتمالية الكمومية.

قد تُخبرنا هذه العمليات الكثير عن الخواص الأساسية للمادة، وإذا ما تم استخدام المادة المضادة (antimatter) كقذائف، فقد تُخبرنا أيضاً الكثير عن التفاعلات بين المادة والمادة المضادة (matter-antimatter interactions).

وقد أجاب أخيراً علماءٌ من كلية لندن الجامعية  UCL على واحدٍ من الأسئلة الأساسية التي ظلّت غير مفهومة لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، والسؤال هو: إذا ما قام بوزيترون -وهو الجسيم المضاد للإلكترون- أثناء التصادم مع المادة بأسر إلكترون ما، فبأي اتجاه سيتحرك الاثنان، وما هو احتمال حدوث ذلك؟

تمتلك كل جسيمات المادة، بما في ذلك الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات، جسيمات مضادة، وتمتاز الجسيمات المضادة بنفس خواص الجسيمات، إلا أنها تمتلك شحنة كهربائية معاكسة. وعلى الرغم من أنها تفنى في النهاية عندما تصطدم مع المادة، فإن الجسيمات المضادة تستطيع وعلى مدار فترة قصيرة من الزمن التفاعل مع الجسيمات لتُشكل مواد هجينة وقصيرة العمر من المادة والمادة المضادة.

يتم في هذه المادة استبدال الذرات ذات المكونات الجسيمية بذرات أساسها الجسيمات المضادة، ويُعتبر البوزيترونيوم (positronium)، وهو جُسيم مُكون من إلكترون وبوزيترون يدوران حول بعضهما، من بين أكثر الأمثلة التي تمت دراستها في هذا النوع من الأبحاث.

يقول البروفسور غيتانا لاريشيا Gaetana Laricchia مِن UCL-Physics & Astronomy، وهو مَن يقود الدراسة: "البوزيترون والبوزيترونيوم مهمان في عملية فهم الكون الفيزيائي، وهما مفيدان أيضاً في العديد من التطبيات، مثل التَّحقق من خواص المواد، بالإضافة إلى التشخيص الطبي. ولا يزال أمامنا الكثير من الأمور التي علينا معرفتها حول تفاعلها مع المادة العادية".

في الدراسة التي أجريت من قِبل لجنة العلوم الفيزيائية والهندسة  EPSRC والمنشورة في مجلة  Physical Review Letters، استخدم البروفسور لاريشيا وزملاؤه منشأة شعاع البوزيترونيوم (Positronium Beam) الفريدة من نوعها في العالم والموجود في UCL، لدراسة سلوك البوزيترونيوم أثناء نشوئه، وتمكنوا في النهاية من مقارنة هذا السلوك مع التنبؤات النظرية التي وضعت منذ ما يَقرب من أربعين عاماً.

يعمل شعاع البوزيترونيوم بواسطة إنتاج شعاع من البوزيترونات (positrons) القادمة من مصدرٍ مُشع، ومن ثَم تمريرها عبر حجرة مليئة بالهيدروجين حيث ترتبط البوزيترونات بالإلكترونات لتشكل البوزيترونيوم.

بعد ذلك يُستخدم شعاع البوزيترونيوم الناتج لقصف أهداف موضوعةٍ في مجراها. وفي هذه الدراسة، درس الفريق عملية تشكل ذرات البوزيترونيوم بشكلٍ مشابه كثيراً لدراسة طريقة مرور الضوء عبر العدسات.

يقول البروفسور لاريشيا: "قد يتجه البوزيترونيوم -جراء التصادم- إلى الأمام، أو الخلف، أو الجانب، ولم نقم أبداً بقياس النِسب المطلقة، وقد سعينا لتحليل ذلك لأن الأمر يُخبرنا بمعلومات مهمة جداً حول كيفية تصادم البوزيترونات في الغازات، وكيف يتصرف البوزيترونيوم حالما يتشكل، وهناك سببٌ آخر لإجراء هذا التحليل يكمن في كونه اختباراً حساساً جداً للنماذج النظرية".

إضافةً إلى استخدام غاز الهيدروجين بشكلٍ معتاد في شعاع البوزيترونيوم، فقد قاس الفريق إصدار البوزيترونيوم الناشئ من استبدال الهيدروجين بالأرغون، والهليوم، وثاني أكسيد الكربون، ووجدوا أن إصدار البوزيترونيوم كان في حالة الهيدروجين والهيليوم متماشياً بشكلٍ واسع مع بضعة نظريات.

أما في حالة الأرغون، فقد بدا السلوك مشابهاً لذلك المُشاهد في حالة الهليوم والهيدروجين، ولكنه مختلفٌ تماماً عن التنبؤات النظرية؛ ولم يكن هناك تنبؤات في حالة ثاني أكسيد الكربون لاختبارها، وتُقدم هذه التجربة أولى البيانات الخاصة بهذا النوع.

وحسب أرصاد العلماء في الحالات الأربعِ جميعها، فإن البوزيترونيوم يُفضل بشكل كبير أن يَصدر نحو الأمام، وخصوصاً عندما صَدمت البوزيترونات الغاز بسرعات عالية.

ويأمل الفريق إجراءَ دراسات استقصائية أعمق لتشكُل البوزيترونيوم عند الطاقات الأدنى بشكلٍ خاص، والتي قد تَختبر النماذج النظرية بشكل أفضل.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • المادة المضادة (antimatter): تتميز المادة المضادة عن المادة بامتلاكها لشحنة معاكسة، فمثلاً: يمتلك البوزيترون (الالكترون المضاد) شحنة معاكسة للالكترون ويُماثله فيما تبقى. وكان العالم بول ديراك أول من اقترح وجودها في العام 1928 وحصل جراء ذلك على جائزة نوبر للفيزياء في العام 1933، أما الفيزيائي الأمريكي كارل اندرسون فكان أول من اكتشف البوزيترون في العام 1932 وحصل على جائزة نوبل في العام 1936 عن ذلك الاكتشاف. يُمكن رصد البوزيترون في تفكك بيتا لنظير الأكسجين 18O2. لكن في وقتٍ سابق لاندرسون، رصد العالم السوفيتي (Dimitri Skobeltsyn) وجود جسيمات لها كتلة الكترونات ولكن تنحرف في اتجاه معاكس لها بوجود حقل مغناطيسي أثناء عبور الأشعة الكونية في حجرة ويلسن الضبابية وحصل ذلك في العام 1929، وقام طالب معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا شونغ شاو برصد الظاهرة نفسها في نفس العام، لكنهما تجاهلا الأمر، اما اندرسون فلم يفعل ذلك. تعمل تجربة ALPHA التابعة لمنظمة الأبحاث النووية الأوروبية على احتجاز ذرات الهيدروجين المضاد وهي ذرة المادة المضادة الأبسط. المصدر: ناسا وسيرن والجمعية الفيزيائية الأمريكية.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات