خطوة أقرب للعلماء نحو محاكاة انفجارات أشعة غاما

تحتوي مجرة "قتطورس A"، التي تبعد حوالي 12 مليون سنة ضوئية عن الأرض، على تدفق هائل ينفجر مبتعداً عن ثقب أسود مركزي فائق الحجم. وفي هذه الصورة، تُظهر الألوان الحمراء، والخضراء، والزرقاء، أشعة سينية منخفضة ومتوسطة وعالية الطاقة.

المصدر: ناسا/مركز تشاندرا للأشعة السينية. برمنغهام/م. بورك وآخرون.



باستخدام ليزرات أعلى طاقةً من أي وقت مضى، أنتج باحثو مختبر "لورنس ليفرمور" رقماً قياسياً في مجال عدد أزواج الإلكترون-بوزيترون (electron-positron pairs)، متيحين بذلك فرصاً مثيرة لدراسة عمليات فيزيائية فلكيّة متطرفة كما في الثقوب السوداء (black holes)، وانفجارات أشعة غاما (gamma-ray bursts).

من خلال إجراء تجارب باستخدام ثلاثة أنظمة ليزر (نظام "تيتان" الموجود في مختبرات "لورنس ليفرمور"، ونظام "أوميغا" فائق الأداء (omega-EP) لدى مختبر لطاقات الليزر، و"أوريون" لدى مؤسسة الأسلحة الذرية في المملكة المتحدة)، أنتجت عالمة الفيزياء في مختبرات "لورنس ليفرمور" الوطنية هوي شن Hui Chen وزملاؤها حوالي ترليون من البوزيترونات (المعروفة أيضاً بجسيمات المادة المضادة)، وكان قد سبق لفريق شين أن أنتج خلال تجارب سابقة على ليزر "تيتان" في عام 2008 مليارات البوزيترونات.

البوزيترونات (Positrons)، أو "الإلكترونات المضادة"، هي جسيمات مضادة لها نفس كتلة الإلكترون، لكن بشحنة معاكسة له، ويُعتبر توليد أزواج إلكترون-بوزيترون عالية الطاقة عملية شائعة في بيئات الفيزياء الفلكية المتطرفة والمرتبطة بالانهيار السريع للنجوم وتشكيل الثقوب السوداء.

في النهاية، تشعّ هذه الأزواج طاقتها منتجة بذلك انفجارات ساطعة للغاية مكونة من أشعة غاما، وتُعتبر تلك الانفجارات أسطع الحوادث الكهرومغناطيسية المعروفة في الكون، والتي يمكن أن تستمر من 10 ميلي ثانية إلى عدة دقائق، لكن آلية إنتاج هذه الانفجارات لا تزال لغزاً مجهولاً.

في المختبر، يُمكن توليد تدفقات من أزواج الإلكترون-بوزيترون عبر تسليط ضوء ليزر شديد على رقاقة من الذهب؛ ليُولِّد التفاعل الحاصل إشعاعاً عاليَ الطاقة يجتاز المادة، ويُنتج أزواج إلكترون-بوزيترون جرّاء تفاعله مع نوى ذرات الذهب؛ وتُفسح القدرة على إنتاج عدد هائل من البوزيترونات في المختبر، باستخدام ليزر عالي الطاقة، المجال أمام عدة سبل جديدة لدراسة المادة المضادة (antimatter) بما في ذلك فهم الفيزياء الكامنة خلف ظواهر الفيزياء الفلكية المتطرفة، كالثقوب السوداء، وانفجارات أشعة غاما.

تقول شين، المؤلفة الرئيسية للورقة العلمية المنشورة في مجلة  Physical Review Letters  مع زميلها فريدريكو فيوزا  Frederico Fiuza : "كان هدف تجاربنا هو فهم كيفية إعطاء تدفقات أزواج الإلكترون-بوزيترون تدرّجاتٍ باستخدام طاقة الليزر". كان فيوزا يعمل في مختبرات لورانس سابقاً، لكنه موجود حالياً في مختبر المسرع الوطني  SLAC .

تقول شين: "حدّدنا الفيزياء المهيمنة والمرتبطة بتدرّج بوزيترون خاضع لليزر، كما حددنا بارامترات الهدف، وبإمكاننا الآن النظر إلى ما تتضمنه، من أجل استخدامها في دراسة الفيزياء ذات الصلة بانفجارات أشعة غاما"، وتُضيف: "تقترح القياسات المبشّرة لأزواج الإلكترون-بوزيترون مع طاقة الليزر، والتي حصلنا عليها في تجاربنا، أنّه عند شِدّة ليزر ومدة نبض مكافئة لما هو متاح، فإن ليزر بطاقة 10 كيلو جول في المستقبل القريب سيوفر لنا عائداً من المادة المضادة أكبر ب100 مرة".

استخدم الفريق هذه النتائج التقييمية، التي تم الحصول عليها تجريبياً إلى جانب عمليات المحاكاة للمبادئ الأولى، في تجسيد تفاعل زوجَيّ إلكترون-بوزيترون للحصول على معاملات الليزر المستقبلية.

يقول فيوزا: "تُشير عمليات المحاكاة لدينا إلى أنّه عند استخدام أنظمة الليزر القادمة، نستطيع أن ندرس كيفية قيام هذه الأزواج عالية الطاقة من المادة-المادة المضادة بتحويل طاقتها إلى إشعاع"، ويضيف: "سيكون تأكيد هذه التنبؤات عبر إجراء تجربة أمراً مثيراً للاهتمام جداً".

قد يكشف مجال البحث في المادة المضادة عن سبب نجاة كمية أكبر من المادة مقارنةً بكمية المادة المضادة الناجية بعد الانفجار الكبير (Big Bang)، الحاصل عند بداية الكون.

هناك تكهنات كثيرة حول السبب الكامن وراء تكون الكون الرصدي (observable universe) بشكل كامل تقريباً من المادة، إضافة إلى تكهنات مرتبطة بوجود أماكن أخرى قد تكون مؤلفة بالكامل تقريباً من المادة المضادة، وماذا سيحدث إذا تم استغلال المادة المضادة.

يُعتقد أن المادة العادية والمضادة كانتا في حالة توازن في مرحلة مبكرة جداً من عمر الكون؛ لكن ونظراً لـ "عدم التناظر"، تفككت المادة المضادة أو زالت، واليوم لا نُشاهد إلا كميات قليلة جداً منها.

يُخطط الباحثون في أعمالهم المستقبلية لاستخدام منشأة الإشعال الوطنية لإجراء تجارب ليزر-مادة مضادة، وذلك بقصد دراسة فيزياء اصطدامات الأزواج النسبوية الحاصلة في انفجارات أشعة غاما، وذلك من خلال توليد تدفقات أزواج إلكترون-بوزيترون أكبر بكثير.

المجلة المرجع: Physical Review Letters
مقدمة من: Lawrence Livermore National Laboratory

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الكون المرصود (observable universe): يتألف الكون المرصود من المجرات وأنواع المادة الأخرى التي يُمكن رصدها انطلاقاً من الأرض عند اللحظة الراهنة لأن الضوء والإشارات الأخرى القادمة من تلك الأجسام احتاجت إلى وقت لتصل إلى الأرض منذ بداية التوسع الكوني.
  • انفجارات الأشعة غاما (GRBs) (gamma-ray bursts): هي عبارة عن ومضات من أشعة غاما تترافق مع انفجارات عالية الطاقة يرصدها علماء الفلك في المجرات البعيدة.
  • المادة المضادة (antimatter): تتميز المادة المضادة عن المادة بامتلاكها لشحنة معاكسة، فمثلاً: يمتلك البوزيترون (الالكترون المضاد) شحنة معاكسة للالكترون ويُماثله فيما تبقى. وكان العالم بول ديراك أول من اقترح وجودها في العام 1928 وحصل جراء ذلك على جائزة نوبر للفيزياء في العام 1933، أما الفيزيائي الأمريكي كارل اندرسون فكان أول من اكتشف البوزيترون في العام 1932 وحصل على جائزة نوبل في العام 1936 عن ذلك الاكتشاف. يُمكن رصد البوزيترون في تفكك بيتا لنظير الأكسجين 18O2. لكن في وقتٍ سابق لاندرسون، رصد العالم السوفيتي (Dimitri Skobeltsyn) وجود جسيمات لها كتلة الكترونات ولكن تنحرف في اتجاه معاكس لها بوجود حقل مغناطيسي أثناء عبور الأشعة الكونية في حجرة ويلسن الضبابية وحصل ذلك في العام 1929، وقام طالب معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا شونغ شاو برصد الظاهرة نفسها في نفس العام، لكنهما تجاهلا الأمر، اما اندرسون فلم يفعل ذلك. تعمل تجربة ALPHA التابعة لمنظمة الأبحاث النووية الأوروبية على احتجاز ذرات الهيدروجين المضاد وهي ذرة المادة المضادة الأبسط. المصدر: ناسا وسيرن والجمعية الفيزيائية الأمريكية.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات