محاكاة مخبرية لنشوء الكون


عرض تمثيلي لتجارب مختبر الفيزياء الفلكية، عن طريق محاكاة الجوانب الفيزيائية الأساسية في المختبر، يأمل الباحثون بفهمٍ أفضل للظواهر الكونية العنيفة. ملكية الصورة تعود لمسرع SLAC الوطني.

يمكن للظروف في الكون الواسع أن تكون متطرفةً جداً: تترك الاصطدامات العنيفة ندوباً على أسطح الكواكب، وتولِّد التفاعلات النووية الحاصلة في النجوم المشعة كميةً هائلةً من الطاقة، كما أن الانفجارات العملاقة التي تحدث، تقذف مواد إلى مسافاتٍ بعيدةٍ في الفضاء. ولكن كيف يتم بالضبط اكتشاف عملياتٍ كهذه؟ وماذا تخبرنا عن الكون؟ وهل يمكن تسخير طاقتها لصالح الجنس البشري؟


لمعرفة ذلك، يُجري باحثو دائرة الطاقة في مختبر مسرع SLAC الوطني، تجارب معقدةً ونمذجاتٍ حاسوبيةً تقوم بإعادة خلق ظروف الكون العنيفة على نطاقٍ صغيرٍ في المختبر.
يقول سيغفيرد غلينزر Siegfried Glenzer، رئيس شعبة علوم الطاقة عالية الكثافة High Energy Density Science Division في SLAC: "ينمو فرع مختبر الفيزياء الفلكية بشكلٍ سريعٍ جداً، ويتم دعمه بالعديد من الاكتشافات التكنولوجية. لدينا الآن ليزر عالي الطاقة لخلق حالاتٍ متطرفةٍ من المادة، وتقنيات حديثة من أشعة X لتحليل هذه الحالات على المستوى الذري، وحواسيب فائقة عالية الأداء لإجراء نمذجةٍ معقدةٍ تقود وتساعد في شرح التجارب التي نقوم بها. وبكفاءاته الاستثنائية في هذه المجالات، يشكل SLAC أرضيةً خصبةً لمثل هذا النوع من البحث".


تجسد ثلاث دراساتٍ حديثةٍ هذا النهج، حيث تسلط الضوء على اصطدامات النيازك، وعلى نوى الكواكب العملاقة (بنيتها الداخلية)، وعلى مسرعات الجسيمات الكونية، وهي ذات طاقةٍ أكبر بمقدار مليون مرةٍ من مصادم الهادرونات الكبير، والذي يعتبر أكبر حلبة سباقٍ للجسيمات على سطح الأرض.

الجسيم الكوني (بلينغ Bling) كدلالةٍ على اصطدامات النيازك:



يمكن للضغط العالي أن يحول الشكل الطري للكربون -الغرافيت، المستخدم كقلم رصاص- إلى شكلٍ قاسٍ جداً من الكربون وهو الألماس. هل يمكن لذات الشيء أن يحدث لدى اصطدام نيزك بغرافيت على سطح الأرض؟ تنبأ العلماء بإمكانية ذلك، ويمكن لتلك الاصطدامات عملياً أن تكون فعالةً بشكلٍ كافٍ لإنتاج شكلٍ من أشكال الألماس يدعى "لونسدالايت" lonsdaleite (أو الألماس السداسي، لأن له بنية بلورية سداسية في الفراغ ثلاثي الأبعاد)، وحتى أنه أقسى من الألماس العادي.


يقول غلينزر Glenzer، المشارك الأساسي في دراسةٍ نشرت في الرابع عشر من أذار/مارس في نيتشر للاتصالات Nature Communications: "وجود اللونسداليت كان موضع شك، لكننا الآن عثرنا على أدلةٍ حاسمةٍ على وجوده".


اصطدام نيزك يولد موجات صدمةٍ ذات طاقةٍ عاليةٍ تحول الغرافيت إلى ألماس.  ملكية الصورة لناسا/ د.دافيس
اصطدام نيزك يولد موجات صدمةٍ ذات طاقةٍ عاليةٍ تحول الغرافيت إلى ألماس. ملكية الصورة لناسا/ د.دافيس

 

قام الفريق بتسخين سطح الغرافيت باستخدام نبض ليزر بصري عالي الطاقة، والذي أطلق موجةً صدميةً داخل العينة وسبّب بضغطها بسرعةٍ كبيرة، وبتسليط أشعةٍ سينيةٍ متوهجةٍ وعالية السرعة خلال العينة، من مصدر الضوء المتماسك ليناك Linac Coherent Light Source (LCLS) في جهاز الأشعة السينية في SLAC، تمكن الباحثون من مشاهدة كيفية تحويل الصدمة للبنية الذرية للغرافيت. LCLS هو تابعٌ لوزارة الطاقة الأمريكية/ مرفق مكتب العلوم.


يقول المؤلف الأساسي دومينيك كراوس Dominik Kraus، من مركز هيلمهولتز الألماني في درسدن- روسندورف German Helmholtz Center Dresden-Rossendorf، الذي كان باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، بريكلي University of California, Berkeley عند إجراء الدراسة: "لقد شاهدنا كيف تشكلت اللونسدالايت لبعض عينات الغرافيت في غضون بضعة أجزاء من المليار من الثانية، وعند ضغطٍ يعادل 200 غيغا باسكال، أكبر بمليوني مرة من الضغط الجوي عند سطح البحر. هذه النتائج تدعم بقوةٍ فكرة أن الاصطدامات العنيفة يمكنها تخليق هذا النوع من الألماس، ويمكن لآثارها على الأرض أن تساعد في تحديد مواقع اصطدامات النيازك".

الكواكب العملاقة تقوم بتحويل الهيدروجين إلى معادن



دراسة ثانية نشرت في نيتشر للاتصالات Nature Communications، تنظر في تحولٍ غريبٍ آخر من المحتمل أنه يجري داخل الكواكب العملاقة الغازية كالمشتري، والذي يؤلف الهيدروجين السائل قسماً كبيراً من تركيبه الداخلي، عند درجات الحرارة والضغوط العالية، يعتقد أن هذه المواد تتحول من طبيعتها العادية العازلة كهربائياً إلى حالةٍ معدنيةٍ ناقلةٍ كهربائياً. 


يقول غلينزر Glenzer، أحد الباحثين الأساسين المشتركين في الدراسة: "يزودنا فهم هذه العملية بتفاصيل جديدةٍ حول تشكل الكواكب وتطور النظام الشمسي، بالرغم من أن هذا التحول قد تم التنبؤ به مسبقاً في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أنه لم يكن لدينا نافذة مباشرة على العمليات الذرية".

 

تكون البنية الداخلية للكواكب الغازية العملاقة كالمشتري حارةً وكثيفة، إذ يتحول الهيدروجين إلى معدن
تكون البنية الداخلية للكواكب الغازية العملاقة كالمشتري حارةً وكثيفة، إذ يتحول الهيدروجين إلى معدن


ملكية الصورة تعود لناسا ووكالة الفضاء الأوربية مركز الطيران الفضائي غودارد/سيمون NASA; ESA; A. Simon/Goddard Space Flight Center

إلى أن جاء الوقت الذي أجرى فيه غلينزر وزملاؤه من العلماء تجربةً في مختبر لورانس ليفرمور الوطني Lawrence Livermore National Laboratory (LLNL)، حيث استخدموا فيه ليزر يانوس high-power Janus laser عالي الطاقة لتسخين وضغط عينة ديتيريوم بشكلٍ سريعٍ جداً -ديتيريوم هو نظيرٌ ثقيلٌ من نظائر الهيدروجين- ولخلق دفقٍ من الأشعة السينية التي قامت بسبر التغيرات البنيوية الحاصلة في العينة. 


شاهد الفريق أنه عند ضغطٍ أعلى بـ 250000 من الضغط الجوي ودرجة حرارة مساوية لـ 7000 درجة فهرنهايت، يتحول الديتيريوم من مائعٍ طبيعيٍّ عازلٍ للتيار الكهربائي إلى سائلٍ معدنيٍّ متأين.


يقول المؤلف الرئيسي باول دافيس Paul Davis، وهو من خريجي جامعة كاليفورنيا-بريكلي، وفي مختبر لورانس الوطني عند إجراء الدراسة: "وتشير النمذجة الحاسوبية على أن هذا التحول يتزامن مع انفصال ذرتين مرتبطتين مع بعضهما بشكلٍ طبيعيٍّ في جزيئات الديتيريوم، ويبدو أن الضغط ودرجة الحرارة من موجة الصدمة التي حرضها الليزر، قامت بفصل الجزيئات عن بعضها، لتصبح إلكتروناتها غير مترابطة (غير متزاوجة أو حرة) وبالتالي تصبح قادرةً على نقل التيار الكهربائي".


بالإضافة إلى علوم الكواكب، يمكن أن تطلعنا الدراسة على أبحاث الطاقة التي تهدف إلى استخدام الديتيريوم كوقود نووي لتفاعلات الاندماج، التي تحاكي عملياتٍ مماثلةٍ داخل الشمس والنجوم الأخرى.

كيفية بناء مسرع كوني



في المثال الثالث عن الكون الواسع، تدفع مسرعات الجسيمات الكونية ذات الطاقة الكبيرة جداً -بالقرب من الثقوب السوداء فائقة الكتلة على سبيل المثال- تياراتٍ من الغازات المتأينة -والتي يطلق عليها البلازما- مئات آلاف السنين الضوئية في الفضاء، ويمكن للطاقة المختزنة في هذه التيارات وفي حقولها الكهرومغناطيسية، أن تتحول إلى جسيماتٍ نشيطةٍ جداً، والتي تنتج أمواجاً قصيرةً جداً ولكن عالية الكثافة لدفقاتٍ من أشعة غاما، حيث يمكن رصدها على سطح الأرض.


يريد العلماء معرفة كيفية عمل هذه التدفقات من الطاقة، حيث أن ذلك سيساعدهم في فهمٍ أفضل للكون، ومن الممكن أيضاً أن يعطيهم أفكاراً أفضل لبناء مسرعات، والمسرعات هي كحلبات سباق للجسيمات، تعتبر في صميم عدد كبير من التجارب الفيزيائية الأساسية والأجهزة الطبية.

يعتقد الباحثون أن إحدى القوى الأساسية الدافعة خلف المسرعات الكونية، يمكن أن تكون إعادة الربط المغناطيسي (magnetic reconnection) وهي عملية يحصل فيها كسر وإعادة توصيلٍ لخطوط الحقل المغناطيسي في البلازما بطرقٍ مختلفة، مطلقةً طاقةً مغناطيسية.


يقول فريدريكو فيوتسا Frederico Fiúza، من شعبة علوم الطاقة عالية الكثافة في SLAC والباحث الأساسي في دراسة نظرية نُشرت في الثالث من آذار في دورية Physical Review Letters: "تمت ملاحظة إعادة الربط المغناطيسي في المختبر من قبل، على سبيل المثال، في التجارب التي أجريت على اصطدام كتلتي بلازما تم تخليقها باستخدام ليزر عالي الطاقة، ومع ذلك لم تشهد أي من تجارب الليزر تلك تسارع جسيماتٍ غير حرارية، وهو تسارعٌ لا يتصل بتسخين البلازما فقط، ولكن يوضح عملنا أنه بالتصميم الصحيح والتجارب الحالية ينبغي أن نكون قادرين على مشاهدة ذلك".


أجرى فريقه عدداً من النمذجات الحاسوبية التي تقوم بالتنبؤ بكيفية سلوك جسيمات البلازما في مثل هذه التجارب. أكثر الحسابات إلحاحاً، بوجود 100 مليار من الجسيمات، استغرقت أكثر من مليون ساعة وحدة معالجة مركزية، وأكثر من تيرابايت من ذاكرة الحاسوب الفائق في مختبر آرغون الوطني Argonne National Laboratory's Mira.


يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، صموئيل توتوريكا (Samuel Totorica) وهو طالب دكتوراه في مجموعة توم أبيل Tom Abel's في جامعة ستانفورد Stanford University، ومعهد كافلي للفيزياء الفلكية للجسيمات وعلم الكون SLAC's Kavli Institute for Particle Astrophysics and Cosmology (KIPAC) SLAC: "حددنا البارامترات الأساسية للكاشفات اللازمة للتجربة، إضافةً إلى مجال الطاقة الذي يجب أن تعمل عنده، والطاقة التصميمية التي يجب أن تكون ومكان وجودها في التجربة، ونتائجنا هي وصفةٌ لإجراء تصاميم لتجارب مستقبليةٍ، تريد معرفة كيفية اكتساب الجسيمات للطاقة خلال إعادة الربط المغناطيسي".

اصطدام النيازك وعلوم الكواكب والمسرعات الكونية، ليست سوى ثلاثة من عددٍ كبيرٍ من مواضيع مختبرات الفيزياء الفلكية، التي ستتم مناقشتها في المؤتمر الدولي الحادي عشر حول مختبرات الفيزياء الفلكية عالية الطاقة والكثافة International Conference on High Energy Density Laboratory Astrophysics (HEDLA2016)، والذي سوف يعقد في مقر SLAC في الفترة بين 16-20 أيار/مايو.

وجاءت مساهماتٌ أخرى إلى المشاريع التي وصفت في هذا العرض، من باحثين في:


- مركز هيلموهلتز لأبحاث الأيونات الثقيلة في ألمانيا GSI Helmholtz Center for Heavy Ion Research, Germany.
- معهد ماكس بلانك لفيزياء الأنظمة المعقدة في ألمانيا Max Planck Institute for the Physics of Complex Systems, Germany.
- مختبرات سانديا الوطنية البوكيرك Sandia National Laboratories, Albuquerque.
- الجامعة التقنية في دارمشتات، ألمانيا Technical University Darmstadt, Germany.
- جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلس University of California, Los Angeles.
- جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة the University of Oxford, UK.
- جامعة روستوك في ألمانيا the University of Rostock, Germany.
- جامعة وارويك في المملكة المتحدة the University of Warwick, UK.
وتم تلقي تمويل من مكتب علوم الطاقة DOE وبرنامجها في علوم طاقة الاندماج DOE Office of Science and its Fusion Energy Sciences program.
 

وتشمل مصادر التمويل الأخرى



- وزارة الدفاع Department of Defense
- وزارة البحث والتعليم الألمانية the German Ministry for Education and Research (BMBF).
- مؤسسة البحث الألمانية (the German Research Foundation (DFG
- المركز الوطني لاتحاد الحوسبة الفائقة National Center for Supercomputing Alliance (NCSA).
- الإدارة الوطنية للأمن النووي National Nuclear Security Administration ((NNSA.
- مؤسسة العلوم الوطنية (National Science Foundation (NSF.

∗التيرابايت: وحدة لقياس سعة التخزين في الكمبيوتر، 1 تيرا بايت يساوي 1012 بايت
∗الغيغا باسكال واحدة لقياس الضغط، 1 غيغا باسكال يساوي 109 باسكال 
∗الضغط الجوي النظامي 101.325 باسكال.
∗الديوتوريوم أحد نظائر الهيدروجين المستقة (غير مشع) تتألف نواته من بروتون ونيترون، يدعى الماء الحاوي على جزيئات ديوتوريوم بالماء المُثرى، اللونسدالايت.
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات