مراحل تطور الإلكترونيات

الآن وقد أصبح العالم مدمناً على الأجهزة الإلكترونية المحمولة portable electronics، حضر المليارات من الناس لرؤية الشركات توفر هذه الأجهزة، كما أن رؤساء هذه الشركات هم الأعظم على الإطلاق. فالعبقرية هي مرحلة البداية في هذا النقاش.

لكن الذكاء والجاذبية التي نراها في الإلكترونيات الموجودة حالياً لم تكن بالنسبة للمؤرخين سوى نتاج محتوم للتطورات الخمس التي طرأت على الفكرتين الأساسيتين: الإشعاعات الكهرومغناطيسية electromagnetic radiation، وهي النظرية التي شكلها العالم جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell في ستينيات القرن التاسع عشر، ونظرية التصنيع الدقيق التي علق عليها العالم ريتشارد فاينمان Richard Feynman قائلاً: "هناك مساحة وافرة في القاع". 

لقد كان ماكسويل عبقرياً حقيقياً، فتاريخ العلم يقدم لنا أمثلة قليلة عن أعمال بعظمة جمع الكهرباء والمغناطيسية والضوء على هيئة واحدة ليشكلوا ظاهرة فريدة ألا وهي الأمواج الكهرومغناطيسية electromagnetic waves. كما عبر عنها ماكس بلانك Max Planck قائلاً: "بفعله هذا وصل إلى عظمة منقطعة النظير".

في أواخر عام 1879 وبدايات عام 1880، قام العالم دايفيد إدوارد هوف David Edward Hughes ببثّ واستقبال تلك الإشارات الخفية لكن من دون أن يعلن ما وصل إليه. وفي عام 1883 اقترب توماس إيديسون Thomas Edison من الاستخدام الفعلي لهذه الأمواج وسجل براءة اختراع لصنعه جهازاً يظهر انتقال التيار المستمر في وسط مفرغ من الهواء، وقام بعرضه في عام 1884 في المعرض العالمي للكهرباء the International Electrical Exhibition في فيلاديلفيا، ومن ثم قام بتركه لمجرد الفضول.

ولم يأتِ التطوير الثاني للكهرومغناطيسية إلا بين عامي 1886-1888 وذلك عندما تعمد هينريك هيرتز Heinrich Hertz توليد واستقبال أمواج كهرومغناطيسية بتردد معين قام بضبطه بدقة في مجال وسطي بين الاهتزازات السمعية acoustic oscillations للأجسام الموزونة واهتزاز الضوء light-oscillations في الأثير.

العلماء (السطر العلوي من اليسار: جايمس كليرك ماكسويل، دايفيد إدوارد هوف، هينريك هيرتز. السطر السفلي: جون ا.فليمينغ، اوليفر ج.لودج، اليكساندر س.بوبوف)
العلماء (السطر العلوي من اليسار: جايمس كليرك ماكسويل، دايفيد إدوارد هوف، هينريك هيرتز. السطر السفلي: جون ا.فليمينغ، اوليفر ج.لودج، اليكساندر س.بوبوف)


بدأ التطوير الثالث بأول بث إذاعي قام به أوليفر ج.لودج Oliver J. Lodge وأليكساندر س.بوبوف Alexander S. Popov في عامي 1894 و1895، واستمر بأول بث عابر للمحيط الأطلسي قام به غوغليمو ماركوني Guglielmo Marconi في1901، وأول بثّ بعيد المدى للصوت والموسيقا من قبل ريجنالد ا.فيسيندن Reginald A. Fessenden في 1906؛ وكذلك اختراع جون أ.فليمينغ John A. Fleming للأنبوب المفرغ من الهواء، الصمامات الثنائية أو الديودات في 1904، واختراع غرينليف و.بيكارد Greenleaf W. Pickard للديودات التلامسية (كاشف الكريستال cat’s whisker) في 1906، واختراع لي دي فوريست Lee de Forest للصمام الثلاثي أو الترايود في 1907.

بحلول عام 1910، كانت قد استكملت كل المتطلبات التقنية الأساسية لصنع جهاز الراديو، بل وربما للتلفاز البدائي أيضاً، وفي عشرينات القرن العشرين اقتربنا أكثر من إلكترونيات الحالة الصلبة solid-state electronics، كما سجل جوليوس أدغار ليلينفيلد Julius Edgar Lilienfeld براءة اختراع بعد طرحه لمفهوم الترانزستورات ذات الأثر الحقلي field-effect transistor في كندا عام 1925، كما قام بطرحه في الولايات المتحدة بعد عام من ذلك.

 

وفي 1934 سجل أوسكار هيل Oskar Heil براءة اختراع لصنعه جهازاً مماثلاً، وفي 1939 اكتشف راسل أوول Russell Ohl وصلة p-n. وبناءً على ذلك، أكد موقع مختبرات بيل Bell Labs Memorial أن الضجة الإعلامية للترانزستور التي قام بها علماؤه عام 1947 كانت مجرد إعادة اختراع له.

فتحت أجهزة الحالة الصلبة الباب أمام التطور الرابع، بدءاً من الدارات المتكاملة، وكانت قد سجلت براءة اختراع فيها عام 1959 متبوعة بالمعالجات الصغرية microprocessors في 1971 و1972. 


كان لكل من مختبرات بيل Bell Laboratories وشركة RCA وفيرشايلد للمواد نصف الناقلة Fairchild Semiconductor وآلات تكساس Texas Instruments وإنتل Intel، الدور الرئيسي في تمكين هذه الموجة من التطور. 

أما التطوير الخامس -وهو الذي يلقى كل الاهتمام من قبل وسائل التواصل الاجتماعي- فقد تبعه تكاثر هائل للمعالجات الصغرية في مجال الاتصالات، ومرة أخرى هذا التطور كان مبنياً على تحسينات سابقة خلال فترة زمنية طويلة. 


وبينما أمر بجانب الأشخاص شبه الموتى في الشوارع، غافلين عن كل ما حولهم عدا شاشات أجهزتهم، أتساءل كم منهم يعلم أن التحسينات الأساسية لم تأتِ من الشركات الحالية مثل نوكيا، آبل، غووغل، سامسونغ، أو إل جي. إن هذه الشركات تقدم اختراعات ترفع لها القبعة، لكنها مجرد زخرفات أضيفت للصرح العظيم الذي شيده ماكسويل قبل 152 عاماً، وبالاعتماد على عشرات السنوات من التحسينات التي جعلت بناء أجهزة إلكترونية أصغر حجماً أمراً ممكناً.
وهذا ليس بأمر بسيط.

سيظهر هذا المقال في عدد آذار/مارس 2017 بعنوان "اشكروا ماكسويل على الأجهزة الخلوية".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • أشباه الموصلات (أو أنصاف النواقل) (semiconductor): وهي مواد ذات مقاومة كهربائية ديناميكية بمجال بين مقاومة الموصلات ومقاومة العوازل، بحيث ينتقل التيار الكهربائي فيها عبر تدفق الالكترونات إلى القطب الموجب وتدفق للثقوب باتجاه القطب السالب (الثقب هنا موضع لإلكترون متحرّر)، من أهم تطبيقاتها: الترانزستور والثنائيات الباعثة للضوء

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات