المجلس الاعلى لخبراء المظلات

تُبين الصورة أعلاه مظلة فوق صوتية ذات شراع حلقي. ستستعمل هذه المظلة في تجربة مبطئ فائق للصوت منخفض الكثافة خلال شهر يونيو/حزيران القادم في جزيرة كاواي Kauai ولاية هاواي. لقد جُرّبت المظلة لأول مرة في المحطة الجوية-البحرية للأسلحة تشاينا ليك China Lake في كاليفورنيا يوم 18 فبراير الماضي.


Credits: NASA/JPL-Caltech/US Navy


لم يكن اجتماعاً مثالياً لناسا، إذ كان من الصعب عقد اجتماع مثالي في موقع مُحاط بكل الصنانير والشِّباك وجداول المعالجة بالإضافة إلى باقي معدات الصيد التي وُجدت في كوخ يقع على رصيف بحري للساحل الجنوبي لجزيرة كاواي Kauai الواقعة في ولاية هاواي الأمريكية.

لكن هَؤلاء الناس الذين اجتمعوا في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران سنة 2014، لم يكترثوا بمحيطهم ولا حتى برائحة البحر أو رائحة عفن المكان. ما كان يهم العلماء والمهندسين السّتين الذين ينتمون إلى فريق[1] (LDSD) التابع لوكالة ناسا، هو الحصول على مشهد كامل بدون عوائق ولا تشويش.

أكملت مركبة تجريبية لفريق (LDSD) -يشبه شكلها شكل الصحن- رحلتها ماك (Mach 4) عبر الغلاف الجوي العلوي للأرض بهبوط في المحيط الهادئ. بعدها، قام حاسوب صغير بقراءة بطاقة الذاكرة الأولى التي استُخرجت من المركبة بعد إخراجها من الماء.

قال يان كلارك Ian Clark، وهو باحث رئيسي في فريق (LDSD) من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا، كاليفورنيا: "من المنصف القول بأنه كانت هناك منافسة بقصد الحصول على مكان للمشاهدة. فالكل كان تواقاً لمشاهدة فيديو أفضل وبجودة أعلى من الفيديو المشوش الذي حصلنا عليه بواسطة تقنية القياس عن بعد في اليوم السابق''.

رأى فريق (LDSD) إقلاع صاروخ المركبة ثم شاهد أفق كوكب الأرض وهو يبتعد، وأخيراً هتف بفرح عندما اشتغل ''دونَت'' المهمة الضخم القابل للنفخ المسمى ''المبطئ الأيروديناميكي القابل للنفخ'' (SIAD) بدون أي مشكلة. بعد ذلك، حان وقت فتح أضخم مظلة فوق صوتية جُربت على الإطلاق.

أضاف كلارك: "كانت المظلة تنتفخ بشكلٍ أسرع مما اعتقدناه ممكناً، بحيث كانت حبال التعليق منتشرة في كل مكان. لم يكن هناك تناسق في قماشها، وبدأت الثقوب بالانتشار أينما نظرنا، شاهدنا الكثير من التفاصيل والأمور العنيفة التي لم نفهمها في الفيديو. بعد ذلك، أدركنا بسرعة أنه في حال أردنا حل تلك المشكلة، علينا الحصول على كل المساعدة التي نستطيع إحضارها، فلو كان عندي الجهاز الذي يُستعمل لطلب المساعدة من الرجل الوطواط "باتمان" لاستعملته."

وهكذا أُسِّس المجلس الأعلى لخبراء المظلات SCOPE. يأمل الفريق أن اكتشافات المجلس سوف تمدّهم ببيانات مهمة ستمكنهم من إعادة تصميم وصنع واختبار مظلة فوق صوتية خلال الطيران التجريبي (LDSD) المخطط له في يونيو/حزيران 2015. يختبر فريق (LDSD) تكنولوجيا متقدمة لمهمات الهبوط المستقبلية للبشر والروبوتات على سطح المريخ.

كانت الخطة هي جمع أفضل خبراء العالم في تصميم وصنع المظلات في غرفة واحدة، وعرض البيانات التي توصل إليها فريق (LDSD) عليهم، ثم سماع فرضياتهم. سريعاً أدرك كلارك أن أكبر تحدٍّ يواجه تأسيس المجلس هو إيجاد شخص يعتبر نفسه خبيراً في المظلات.

قال كلارك: ''في مجتمع المظلات، هناك مَثل قديم يقول: خبير المظلات هو الشخص الذي يعترف بأنه لا يوجد أي خبراء في هذا المجال". ثم تابع قائلاً: "من الغريب سماع هذا الكلام من بعض الأشخاص الذين اتصلْت بهم، إذ لديهم خبرة تمتد من 40 إلى 50 سنة في مجال المظلات، وبالرغم من ذلك يقرّون أنهم ليسوا خبراء! حسناً، ربما ليسوا بخبراء، لكن على الأقل يبقون هم الأكثر علماً ومعرفة بالمظلات في العالم".

في البداية كان الخبراء مترددين، ولكن عندما وصف لهم كلارك البيانات التي سيعملون عليها مباشرة، تشجعوا أكثر وزال ما تبقى من ممانعة لديهم للمشاركة في المشروع. والجدير بالذكر أن كل التجارب السابقة للمظلات في مناطق مرتفعة من غلاف الأرض وبسرعة أكبر من سرعة الصوت أُجريت في ستينات وسبعينات القرن المنصرم.

بشكل عام، يصل مجموع عدد الرحلات الجوية التي أٌنجزت في إطار برنامج إنزال المظلات على الكواكب (Planetary Entry Parachute Program) وبرنامج مُبطئ الإنزال الكوكبي الأسرع من الصوت (Supersonic Planetary Entry Decelerator Program) وتجربة المظلات فوق الصوتية في ارتفاع عال (Supersonic High Altitude Parachute Experiment) إلى 16 تحليقاً.

إن البيانات والخبرات التي وفّرتها تلك البرامج هي الوحيدة التي كانت في متناول ناسا بغرض تصميم وتطوير المظلات فوق الصوتية التي استُعملت في كل عملية تابعة لناسا للهبوط على المريخ: فايكنج (Viking)، باثفايندر (Pathfinder)، سبيرت (Spirit)، أوبورتونيتي (Opportunity)، فينكس (Phoenix)، وكوريوستي (Curiosity)، فضلاً عن بعثة الزُّهرة الرائدة (Pioneer Venus)، ومهمة جاليليو (Galileo) التي كانت وجهتها كوكب المشتري.

وبالرغم من أهمية وقيمة المعلومات المكتسبة من تلك البرامج، إلا أن جودتها كانت محدودة بسبب المعدات التي استُعملت في تسجيلها، بما في ذلك تسجيل فيلم 16 مليمتر، حيث كانت الكاميرات المستعملة تفقد التركيز أحياناً، كما لو كانت معرضة للضوء بشكل مفرط أو غير كاف.

قال كلارك: "في ستينات القرن الماضي، كانت علوم الحركة الأسرع من الصوت والسفر في الفضاء وكيفية الإبطاء من تلك السرعات العالية كلها في بدايتها". وأضاف: "في ظل ذلك الفراغ المعرفي، كان على المهندسين أن يكونوا محافظين للغاية، فكان عليهم ضرب كل حمل أقصى متوقع بعوامل تصحيح (Fudge factors)، أعني بذلك أنهم كانوا يأخذون الأرقام الناتجة عن تحاليلهم ثم يضيفون إليها نسبة 50% أو أكثر... وكان ذلك أمراً فعالاً".

لكن أن تكون شديد الحرص فهو أمر صعب عندما تريد أن تنتزع كل ما يمكن انتزاعه من أداء المظلة، ولحسن الحظ أُتيحت لنا فرصة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها في استعمال أجهزة (LDSD)، مثل مجموعة أدوات الاستشعار عالية الحساسية ومعداتها التي تنتج فيديو عالي الدقة والسرعة. ستساعدنا كل هذه الأجهزة في معرفة ما يحدث فعلاً عندما نقذف مئات الأرطال من قماش ثقيل في مُجَمع للتيار الهوائي أسرع من الصوت.

أما بالنسبة للاجتماع الأول لمجلس SCOPE، فقد عُقد في مختبر الدفع النفاث JPL التابع لوكالة ناسا في خريف عام 2014، ومن المفترض أن يكون هناك خمسة اجتماعات خلال سنة 2015 في خمسة أماكن مختلفة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عددٍ كبير من اللقاءات في الأروقة، والمكالمات التليفونية، والرسائل الإلكترونية، والمحادثات عبر برنامج سكايبي Skype.

تجمع قائمة المشاركين النخبة في عالم المظلات عالية السرعة، وتضم أعضاء من وزارة الدفاع وكل من لهم علاقة سابقة بالتعامل مع المظلات ذات السرعة العالية، ومشاركين من كل عملية هبوط أُجريت فوق المريخ منذ مهمة فايكنج (Viking) ،هذا بالإضافة إلى البرامج: جيمناي (Gemini)، أبولو(Apollo)، برنامج مكوك الفضاء[2] (space shuttle)، وبرامج أورايون (Orion).

يبدأ كلارك كل اجتماع للمجلس بنفس الطريقة: يقوم بعرض مقاطع الفيديو القادمة من عدة تجارب أُجريت في العقود الأربعة الماضية أولاً، ثم يعرض الفيديو الجديد لفريق (LDSD). يصف كلارك الاجتماع قائلاً: "بدا الأمر وكأننا مجموعة من مدرّبي مباراة كرة قدم يراجعون شريط المباراة. كنّا نعرض الفيديو عليهم مراراً وتكراراً، وجزءاً تلو آخر، كما نريهم أين حصل الضرر الأول لمظلتنا وأين انتشرت الثقوب، ثم ننتظر تعليقهم على الأمر".

بعد مشاهدة الفيديوهات، ارتاع أعضاء مجلس SCOPE بسبب النمط الاعتباطي الذي يميّز انفتاح المظلة، إلى درجة أن أحد مشاركي SCOPE الأكثر خبرة أشار إلى أن ذلك هو أسوء انفتاح لمظلة رآه على الإطلاق. استمع كلارك إلى تقييماتهم، ثم عاد ليشاهد مقطعاً آخر من فيديو يرجع إلى سبعينات وستينات القرن الماضي. يقول كلارك: "إن ضعف دقة الفيديوهات للتجارب القديمة جعلت من تفسيرها أمراً صعباً، لكن يكمن الفرق في معرفة موضوع البحث. فجأة، بدأ الحضور يرى مشكلة في آلية نشر المظلة، ومشاكل في حبال التعليق، وتغليفات المظلة التي تفتح من جهة واحدة وتتضاءل في الجهة الأخرى، ثم تهتز بعنف حتى تجعلك على يقين أنها ستُمزَّق.

بعد مشاهدة التصوير القديم، استنتج أعضاء المجلس أن المشاكل التي واجهتها المظلة فوق الصوتية التي يعمل عليها فريق (LDSD) موجودة منذ عقود، لكن لم يلاحظ العلماء المشاكل في السابق لعدم حصولهم على الأدوات المناسبة لذلك.


مع زيادة الإدراك للمشاكل والتحديات التي تتعلق بنفخ المظلة، والتي تم التعبير عنها بأرقام ماخ Mach numbers، عرض المجلس توصيتين رئيستين. يذكرهما كلارك قائلاً: "أولاً، علينا فعل كل شيء ممكن لجعل نفخ المظلة فوق الصوتية يبدو أقل مما رأوه في تجربتنا الأولى. ثانياً، قالوا: نعلم أنكم لا تستطيعون فعل الكثير لتخفيف رقم واحد، لذلك قوموا كل ما أمكن لجعل المظلة قوية أمام هذه الظاهرة".

لدى فريق (LDSD) صيغة جديدة لمظلة هذه السنة، إذ قام الفريق بتقويتها، والزيادة من انحناء قمتها لمساعدتها في تحمل أول صدمة من تدفق الهواء الأسرع من الصوت. أما بالنسبة لمزلجة الصاروخ، فقد أُجريَ اختبارها بنجاح هذا الشتاء في منشأة البحرية الأمريكية تشاينا ليك China Lake في ولاية كاليفورنيا.


لكن الدليل الحقيقي الذي تريده ناسا قبل ادماجها لتكنولوجيا جديدة في المهمات المريخية المستقبلية، سيتم الحصول عليه في سماء المحيط الهادي بسرعة فوق صوتية، وعند ارتفاع 55 كيلومتر تقريباً (180ألف قدم) فوق سطح الماء. إلا أن الباحث الرئيسي للتجربة التي ستُجرى هذا الصيف يعترف أن نتيجتها النهائية ليست مضمونة.

يقول كلارك: "نظن أننا حصلنا على النتيجة المطلوبة، لكن التصوير الذي سيحضره فريق (LDSD) هو الذي سيحكم. طالما تنفتح المظلة وتتضخم بشكل كامل، أعتقد أننا سنحقق هذا الإنجاز وسنكون قد تعلمنا شيئاً قيماً. بعد ذلك سنتدبر الأمر كما يحدث. إن الفيزياء التي نستعملها متقدمة إلى درجة أننا نتعلم شيئاً جديداً وعميقاً كل مرة ننجز تجربةً".

ستُفتتح فترة تشغيل المبطئ فوق الصوتي ومنخفض الكثافة (LDSD) في الثاني من يونيو/حزيران، وستستمر عشرة أيام. سيُغطّى الحدث بجودة منخفضة عبر تلفزيون ناسا NASA TV وعبر العديد من مواقع ناسا الإلكترونية. ولمن يريد دقة عالية، عليه إما الانتظار لمدة أسبوع بعد الحدث حتى يعالَج التصوير، أو أن يكون ضيفنا في كوخ على الساحل الجنوبي لجزيرة كاوي Kauai في الصباح الذي يلي التجربة.

وللعلم، فإنّ التقنيات المستعملة حالياً للهبوط على المريخ ترجع إلى زمن مهمة فايكنج، التي وضعت مركبتين على سطح المريخ عام 1976. إن تصميم المظلة الخاصة بتلك المهمة هو نفسه التصميم المستعمل لحد الآن. وقد استُعمل مجدّداً عام 2012 لإيصال روفر كوريوسيتي إلى سطح المريخ. كما أنه لإجراء مهمات استكشاف مستقبلية ومتقدمة ستصبح المركبة أكبر وأثقل، بالتالي ستساعد التكنولوجيا التي يطورها فريق (LDSD) في تحقيق هذه المهمات المميزة.

 

ملاحظات:



[1] فريق(Low-Density Supersonic Decelerator): (LDSD) أو بالعربية فريق"المبطئ الفائق للصوت منخفض الكثافة" هو فريق تابع لوكالة ناسا متخصص بفحص الوسائل التكنولوجية الحديثة لمهمات الهبوط المستقبلي للبشر والروبوتات على سطح المريخ.

[2] برنامج مكوك الفضاء (space shuttle program) أو رسمياً نظام النقل الفضائي (STS): هو برنامج تابع للحكومة الأمريكية بإدارة وكالة ناسا، يضم خمس مركبات فضائية كانت تستخدم للقيام بنقل البشر إلى الفضاء، أُطلق هذا البرنامج في عام 1979 وتم الاستغناء عنه عام 2011.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات