عالمٌ شاب يكتشف إمكانية الحصول على تيار دوراني في مواد غير مغناطيسية

عند الحديث عن التيار الكهربائي عادةً، تقفز إلى الذهن صورة إلكترونات تتحرّك خلال سلك معدني، لكن من الممكن توليد تيارٍ ذي دوران بحت (pure spin) باستخدام تأثير الإغراء الدوراني (spin Seebeck effect)، أو ما يسمّى اختصاراً SSE. 

التيار ذو الدوران البحت هو عبارة عن خاصيّة كمومية للإلكترونات مرتبطة بعزمها المغناطيسي (magnetic moment) في المواد العازلة مغناطيسياً. لكن تبيّن، من خلال هذا البحث، أنّ خاصية الـ SSE ليست محصورة في المواد العازلة مغناطيسياً فقط، بل يمكن أن تتواجد أيضاً في نوع من المواد التي تُعرف بالباراماغناطيسية (paramagnets). ولا تتفاعل العُزُم المغناطيسية في الباراماغناطيسية مع بعضها البعض كما هو الحال في المواد المغناطيسية الحديدية (ferromagnets) التقليدية، لذا فهي لا تحتفظ بمغناطيسيتها عند زوال المجال المغناطيسي. ومن ثمَّ، فإن هذا الاكتشاف الجديد يتحدى نظريات تأثير الإغراء الدوراني (SSE) الحالية بشكل لم يتوقعه أحد. 


قد تكون إمكانية وُجود طرقٍ بديلة لتوليد التيار الدوراني مهمة جداً ومفيدة في عمليات الحوسبة التي تعتمد على طاقة منخفضة وسرعة عالية والمعروفة بـ سبينترونيكس (spintronics) وهو مجال بحث مثير للاهتمام. يُغير تأثير الإغراء الدوراني الباراماغناطيسي الطريقة التي ننظر بها إلى عمليات السبينترونيكس العاملة بالحرارة، الأمر الذي سيسمح لنا بصناعة أجهزة وتصاميم جديدة تُمكّننا من توليد التيار الدوراني بدون استخدام مواد مغناطيسية حديدية، والتي كانت، حتى وقت قريب، تُعتبر حجر الأساس في جميع الأجهزة الإلكترونية المعتمدة على التيار الدوراني. 

 

إنّ من النادر أن يقوم عالمٌ شابٌ بتحقيق اكتشافات كبيرة غير متوقعة، لكنّ هذا ما حدث مع ستيفن وو Stephen Wu الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه الذي يعمل في مختبر أرغون الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية U.S. Department of Energy's Argonne National Laboratory. اكتشف ستيفن أنه يمكن توليد تيارٍ دوراني من مواد عازلة مغناطيسياً، أي بدون استخدام أي مواد مغناطيسية. وقد يقود هذا الاكتشاف إلى تطبيقات مهمة في مجال السبينترونيكس (spintronics)، وهو مجالٌ يهتم بتطوير أجهزةٍ إلكترونيةٍ ذات سرعة عالية جداً وطاقة منخفضة تستخدم دوران الإلكترون (electron spin) عوضاً عن شحنته لحمل المعلومات. 


وقد قلب اكتشاف ستيفن هذا كلّ الأفكار السائدة المتعلقة بالطريقة التي نُوّلد فيها تيارات دورانية رأساً على عقب. وفي هذا الصدد يقول أناند باتاتشاريا Anand Bhattacharya، أحد الفيزيائيين العاملين في مُختبر أرغون لعلم المواد ومركز مواد النانو Argonne's Materials Science Division and the Center for Nanoscale Materials، والباحث الرئيس في المشروع: "هذا اكتشاف حقيقي. لم يكن تحقيقه أو الوصول إلى أي شيء مثله متوقّعا". 

الدوران (Spin) هو خاصية إلكترونية كُمومية، عادة ما يُشبّهها العلماء بقضيبٍ مغناطيسيٍ صغيرٍ جداً يُشير نحو الأعلى أو الأسفل. لكنّ العلماء والمهندسين، ما زالوا حتى يومنا هذا، يعتمدون على طريقة تقليص حجم الأجهزة الإلكترونية لجعلها تعمل بشكل أسرع. أما الآن فإنّ هناك حاجة لاستخدام طُرقٍ أذكى من أجل الاستمرار في تطوير تقنيات الأجهزة الإلكترونية، خصوصاً أننا قد لا نتمكن مستقبلاً من صناعة ترانزستورات (transistors) أصغر مما لدينا الآن. إحدى هذه الطرق الذكية تتمثّل في فصل سريان دوران الإلكترونات عن سريان التيار الكهربائي، وهو ما يقلب الفكرة السائدة التي تنص على أن نقل المعلومات يحتاج لاستخدام موصلات. لكن، حسب هذه الطريقة سيتم نقل المعلومات عبر مواد عازلة وهو أمر جديد. 


ولتوليد تيارٍ دورانيٍ في مواد عازلة، قام العلماء بتثبيت الإلكترونات في وضعٍ ساكن في شبكةٍ مصنوعةٍ من مادةٍ حديديةٍ عازلة، مثل مادة إتريوم عقيق الحديد (yttrium iron garnet)، أو اختصاراً، YIG. بعدها قام العلماء بتعريض الشريحة تدريجياً للحرارة، فبدأت الدورانات (spins) بالحركة، أي أنه تم إيصال المعلومات المتعلقة باتجاه الدوران من نقطة لأخرى عبر الشريحة بنفس الطريقة التي تتحرك بها موجةٌ عبر الماء بدون أن تنقل جزيئات الماء إلى أيّ مكان. ويُعتَقد بأن الإثارات الدورانية (Spin excitations) التي تُعرف باسم ماغنونز (magnons) هي المسؤولة عن حمل هذا التيار. 

من خلال الاعتماد على بُحوث سابقة أُجريت على موضوع التيار الدوراني، قام ستيفن بتوسيع مجال البحث الخاص به ليشمل مواد مختلفة عبر استخدام تقنية جديدة قام بتطويرها بنفسه. وقد عمل على تصغير الأجهزة الإلكترونية آلاف المرات عما هي عليه الآن، ما منحه تحكّماً أكبر بالحرارة، وسمح له بخلق تدرجاتٍ حراريةٍ كبيرة ضمن مساحةٍ صغيرة جداً. وفي هذا السياق يقول ستيفن: "هذا هو الدافع الأساسي الذي مكننا من إجراء هذه التجربة".

ويقول ستيفن أنهم قاموا بدراسة طبقةٍ من مادة الـ YIG المغناطيسية الحديدية فوق مادةٍ أساسٍ تُعرف بـ غادولينيوم عقيق الغاليوم (gadolinium gallium garnet)، أو اختصاراً، GGG. وتوقع ستيفن أن لا يُشاهِد أي تفاعل لمادة الـ GGG، لأن الدورانات في المواد البارامغناطيسية ليست مُتحاذية كما هو الحال في المواد الحديدية المغناطيسية. لا تنتج المواد البارامغناطيسية مجالًا مغناطيسيًا ولا أي ماغنونز، ولا يبدو أن هنالك أي وسيلة ممكنة لهذه الدورانات بأن تتواصل مع بعضها البعض. لكنّ ما حدث بالفعل هو أن إيصال الدورانات في مادة GGG أقوى منه في مادة YIG، وهو ما أثار دهشة الجميع. وفي هذا الصدد ذكر ستيفن: "لم تتواصل الدورانات في النظام مع بعضها البعض، لكننا وجدنا تياراً دورانياً قابلاً للقياس فيها، وهو ما لم نتوقع حصوله على الإطلاق". الخطوة القادمة هي تفسير هذا الأمر.

من ناحية أخرى قال باتاتشاريا: "ليس لدينا فكرة حول الطريقة التي يحدث بها هذا الأمر؛ لذا فالفرصة مُتاحة أمام شخص ما لكي يضع نظريةً تُفسّر هذا الاكتشاف".

يرغب العلماء في العثور على مواد أخرى بإمكانها إظهار نفس التأثير، وهو ما أكده باتاتشاريا بقوله: "نعتقد بوجود نوعٍ جديدٍ من قوانين الفيزياء تحكم هذا المجال، ولأن المادة التي استخدمناها في التجربة هي مادة عازلة غير مغناطيسية، فإن حركة الدوران التي تحدث فيها هي بالنسبة لنا أمر غير مفهوم".

ويقول ستيفن أيضاً: "ما قمنا به في الوقت الراهن هو أننا أبعدنا مفهوم المغناطيسية الحديدية (ferromagnetism) عن مكانه المعهود، أي أننا فتحنا مجالاً جديداً غير مُكتشفٍ من قبل. فمثلاً في أجهزة السبينترونيك لا يجب عليك أن تستخدم مادة مغناطيسية حديدية، بل يمكنك استخدام معادن أو عوازل بارامغناطيسية لتنفيذ هذا".

للمزيد من المعلومات، راجع الورقة التي نشرت في مجلة Physical Review Letters بعنوان:
"Paramagnetic spin Seebeck effect".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • اللف الذاتي للإلكترون (electron spin): تبلغ قيمة اللف الذاتي (سبين) الإلكترون 0.5، وهي خاصية جوهرية للإلكترونات وتصف كمية الحركة الزاوية الذاتية للإلكترون.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات