هل نحن وحدنا في الكون؟

هل من أحد هناك؟


يتعلق أحد أكثر الأسئلة الأساسية التي فكر بها الفلاسفة لآلاف السنين بمكان الجنس البشري في الكون، هل نحن وحدنا؟. رغم أن تاريخ هذا السؤال يعود إلى اليونانيين القدماء، وبالتأكيد تم طرحه قبل ذلك بسنوات، إلا أن أول لمحة عن هذا السؤال لم تظهر إلا قبل قرون قليلة، عندما بيّن كوبرنيكوس وكيبلر وغاليليو ونيوتن أن هناك عوالم مشابهة نوعاً ما للأرض تدور حول الشمس.

 

هذه الثورة الفكرية التي كان لهم الفضل في انبثاقها، حوّلت مسألة الحياة خارج الأرض من مجرد تأملات فلسفية ولاهوتية إلى موضوع بحثٍ علمي. خلال القرن الماضي، ساعدت التطورات التكنولوجية على التحقق من احتمالية وجود حياة فضائية من جديد وذلك باستخدام عمليات الرصد والدراسات النظرية التجريبية والكمية المعتمدة في كلٍ من العلوم الفيزيائية والحياتية.

في كتابه "خمس مليارات عام من العزلة: البحث عن الحياة بين النجوم"، يصف لي بيلينغز Lee Billings سعي البشرية للإجابة عن هذا السؤال العميق. أولاً وقبل كل شيء، هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص، تتناول كل قصةٍ منها الرحلة بقدر ما تتناول وجهتها. الموضوعات التي يتم تناولها متنوعة للغاية، بما في ذلك الأحداث الحديثة وتلك التي حدثت قبل وقت طويل من أولى خطوات البشر على سطح الأرض، في حين تتضمن شخصيات الكتاب علماءَ من العصر الحديث وعقولاً عظيمة من القرون وآلاف السنين الماضية.

قضى بيلينغز خلال بحثه في هذه المواضيع الكثير من وقته في إجراء مقابلات مع العديد من العلماء النشطين، والذهاب إلى اجتماعات ورحلات بحث معهم إضافة إلى التعرف عليهم شخصياً. يتضح من كتاباته أنه قضى وقتاً ممتعاً في هذه التجارب، كما أنه يتمتع بأسلوب شيق جداً في التحول بسلاسة بين القصص الشخصية للباحثين النشطين والفلاسفة اليونانيين القدماء وعلماء عصر التنوير.

إن البحث عن الحياة خارج كوكبنا هو جزءٌ من مسعىً ضخمٍ جديد متعدد التخصصات يُعرف باسم البيولوجيا الفضائية. يشمل هذا المجال العديد من أشكال البحث المباشر عن حياة في أماكن أخرى من الكون، بما في ذلك البحث عن معالم كيميائية للحياة (على الأرجح على شكل غازات مميزة حيث يمكن لميكروبات بسيطة أن تتواجد في الغلاف الجوي لكوكب يحوي مثل هذه الغازات)، ورصد الترددات اللاسلكية بحثاً عن الإرسال الذي قد يصدر عن حضارات تكنولوجية متطورة.

 

مع ذلك، يهتم العديد من علماء البيولوجيا الفضائية بالبحث في مواضيع كأصل وتاريخ الحياة على سطح الأرض، بما في ذلك المتطلبات الأساسية للحياة، والظروف القاسية التي يمكن للحياة أن تتحملها، وتفاعلات المحيط الحيوي مع الكوكب الذي يضم هذه الحياة، إضافة الى الآثار الحيوية التي تنتجها تلك الحياة.

تشمل قصص بيلينغز العديد من عناصر هذه المواضيع البيوفضائية، لكنه ركز بشكل أساسي في كتابه على دراسة الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية (الكواكب الخارجية)، وعلى دلالة تاريخ أرضنا العميق بالنسبة لهذه الكواكب المحتمل أن تؤوي حياة.

 

على مدى ربع القرن الماضي، تحول علم البحث عن الكواكب الخارجية من علم خيالي إلى أحد أكثر الفروع حيويةً وبروزاً في علم الفلك. مع ذلك، لا نزال غير قادرين على الإجابة عن العديد من الأسئلة الأساسية حول ما إذا كانت حتى أكثر الكواكب المكتشفة شبهاً بالأرض مناسبةً لإيواء الحياة.

 

على سبيل المثال، نحن لا نعرف فيما إذا كانت الكواكب الأرضية التي يتدفق الماء السائل على سطحها نادرة، أو ما إذا كانت من نموذج النجوم الشبيهة بالشمس، أو ما إذا كانت متوسطة في وفرتها.

 
يتضمن الكتاب أيضاً قصصاً نابعة من مناطق أخرى من التحري العلمي، بما في ذلك تاريخ الأرض منذ بذور تشكلها، إضافة إلى موضوعات مختلفة في مجال علم الفلك والجيولوجيا الرسوبية، ونماذج من أجواء كواكب حول نجوم بأحجام مختلفة، والشروط اللازم توافرها في الكوكب ليصلح للسكن، والبحث عن كائنات ذكية خارج الأرض.
 
يأخذ بيلينغز القارئ في كتابه في رحلات ذات جوانب مثيرة، بما في ذلك كيف أن البحث عن حياة خارج كوكب الأرض يتشابك مع تاريخ كاليفورنيا وبنسلفانيا الجيولوجي، وحمّى الذهب وطفرة اكتشاف النفط والغاز في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن الحادي والعشرين.

يبدو أن حمّى الذهب قد لعبت دوراً في بناء مرصد ليك، حيث تم إنجاز الكثير من الأعمال الرائدة في مجال البحث عن الكواكب الخارجية وكان راعيها جيمس ليك James Lick رائداً في كاليفورنيا حيث حصد ثروةً من الطفرة العقارية التي تلت اكتشاف الذهب. وبالتأكيد كانت طفرة الغاز والنفط إحدى العوامل المساهمة في تغير المناخ الذي يهدد حضارتنا .

لا يعتبر كتاب بيلينغز كتاباً تدريسياً ولا حتى كتاباً علمياً للجمهور العادي، فهناك طرق أكثر مباشرة للتعلم عن الكواكب الخارجية، وتاريخ كوكبنا والبيولوجيا الفضائية. إضافة إلى أن كتاب "خمس مليارات عام من العزلة" قصة جذابة ومليئة بالشخصيات والحكايات من الماضي، فضلاً عن الحاضر، يصف الكتابُ العلماءَ ودوافعهم، وكيف يتفاعل العلم مع العالم البشري.
 
من قصة مرصد ليك إلى حسابات الإمكانات الضخمة (والتكاليف الضخمة) للمراصد الفضائية الممولة من قبل الحكومة، يتّبع بيلينغز طرقاً مسلية ومفيدة في كتابه. لذا ستستمتع أثناء قراءته وتتعلم بعض العلوم أيضاً.
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات