المادة المضادة تركب إلى طاقات أعلى في موجة البلازما

كُشفت تقنية جديدة تقوم بتسريع "البوزيترونات" (positrons) بكفاءة أكبر بكثير من مسرعات الجسيمات التقليدية في مختبر المسرعات الوطني في الولايات المتحدة SLAC. لدى هذه التقنية القدرة على جعل مسرعات البوزيترون في المستقبل أكثر قوة وأكثر إحكاماً أيضاً، ويمكن أن تستخدم أيضاً لزيادة الحد الأقصى لطاقة الاصطدام لمصادمات الإلكترون/ بوزيترون الحالية.

ويعتقد بعض علماء فيزياء الجسيمات أن المنشأة الكبيرة المقبلة بعد مصادم هادرون الكبير (LHC) يجب أن تكون لمصادم لبتونات عالي الطاقة والذي يحطم الإلكترونات و"البوزيترونات" (anti-electrons) معاً. ستنتج آلة كهذه تصادمات أنظف، وأسهل تفسيراً من مصادم الهادرونات، وستخلق نسبة أكبر بكثير من الجزيئات الجديدة لكل اصطدام.

 

وللوصول إلى طاقة عالية بما فيه الكفاية فإنه يجب على مصادم الإلكترون/بوزيترون أن يعمل في خط مستقيم طويل جداً. وذلك لأن تقنية المسرعات التقليدية باستخدام تجاويف المجالات الكهرومغناطيسية للترددات الراديوية لديها ميل الطاقة القصوى 100 ميجا إلكترون فولت/ متر.

على سبيل المثال، فإن المصادم الخطي الدولي International Linear Collider أو (ILC) ذو الطاقة 0.5 TeV (تيرا إلكترون فولت)، من المتوقع أن يكون طوله 30 كم تقريباً، ويتضمن قسمين من المسرعات بطول 11 كم. لهذا السبب، يحاول فيزيائيو المسرعات تطوير طرق جديدة لتسريع الإلكترونات والبوزيترونات حتى تصل الجزيئات إلى طاقات أعلى في مسافات أقصر.

 

ركوب الموجة Surf's up: محاكاة لمسرع حقل المخر البلازمي ذاتي التحميل.
ركوب الموجة Surf's up: محاكاة لمسرع حقل المخر البلازمي ذاتي التحميل.


أحد هذه الطرق هي "تسارع حقل المَخْر البلازمي" (plasma wakefield acceleration)، والذي أُثبت للمرة الأولى في عام 2007، ويتضمن إطلاق حِزم من الإلكترونات في البلازما. تطرد الحزمة الأولية "الدافعة" الإلكترونات الحرة في البلازما، وهذا ينشئ موجة ذات كثافة وشحنة (charge-density wave). ثم تأتي حزمة أخرى من الإلكترونات الزائدة و"تَركَب" هذه الموجة وتكتسب طاقة بشكل سريع جداً.


في عام 2014 استخدم سيباستيان كورد Sebastien Corde والباحثون في مختبر المسرّع الوطني SLAC في كاليفورنيا، وزملاء عالميون، هذه الطريقة في تسارع الإلكترونات عبر تدرج 4.4 جيجا إلكترون فولت/متر. ولكن للأسف لا يمكن تطبيق هذا الأسلوب مباشرة على تسارع البوزيترونات لأنه لا توجد وسيلة عمليّة لتكوين "بلازما مضادة" تحتوي على بوزيترونات حرة.

حزمة واحدة، وليس اثنتان


في البحث الأخير هذا، عدّل نفس الفريق أسلوب عملهم للسماح للبوزيترونات بأن تتسارع. تبدأ العملية بحزمة واحدة من البوزيترونات من مسارع تقليدي والتي تُضخ بداخل بلازما الليثيوم. وفي ظل الظروف المناسبة، ستتفاعل حزمة البوزيترونات مع البلازما، مما يتسبب في أن يتصرف الجزء الأمامي من الحزمة كالحزمة الدافعة في مسرع الإلكترونات.

 

وسيتباطأ الجزء الأمامي من الحزمة بالتدريج لأنه يغذي الإلكترونات في البلازما بالطاقة. وفي الوقت نفسه، ستلعب نهاية الجزء الخلفي من نفس الحزمة دور الحزمة الزائدة، تأخذ الطاقة مرة أخرى للخروج من البلازما وتبدأ بالتسارع.

ويوضح كورد: "من الواضح أن الطاقة الإجمالية للحزمة لن تزيد، لأن الطاقة يجب أن تكون محفوظة. نحن ننقل الطاقة من الأمام إلى الذيل فقط. ما هو مهم لمصادمات الجسيمات هو أن لكل جسيم طاقة كبيرة جداً". أطلق الفريق على التقنية اسم "مسرع حقل المخر البلازمي ذاتي التحميل self-loaded plasma wakefield acceleration". عزز الفريق طاقة البوزيترونات في نهاية الحزمة بنسبة 5 جيجا إلكترون فولت/متر.

تسريع متعدد المراحل


يعتقد الباحثون اليوم بأن تقنية حقل المخر البلازمي يمكن أن تضاعف طاقة الجسيمات في المسرع التقليدي، مما يسمح للجزيئات في المصادم الخطي الدولي لتصل إلى 1 تيرا إلكترون فولت قبل الاصطدام. قد يعزز المزيد من التحسين عامل الضرب هذا، وربما يصل إلى 5. 


في نهاية المطاف، قد يكون من الممكن بناء مسرع حقل المخر البلازمي متعدد المراحل، والذي يمكن أن يُسارع نفس الباقات من الجسيمات عدة مرات. ومع ذلك، بما أنه لا يتسارع إلا جزء من البوزيترونات في كل مرحلة، فإن مجرد فصل البوزيترونات المتسارعة مراراً وتكراراً من شأنه أن ينتج حزماً صغيرة جداً بشكل سريع. لذا يهدف الباحثون إلى فصل الحزمة الزائدة المسرعة من مرحلة واحدة ومن ثم تحميلها يدوياً في الجزء الخلفي من مجموعة جديدة من البوزيترونات. ويقول كورد: "لدينا فكرة جيدة من الممكن أن تعمل لكنها أيضاً تجربة صعبة من الناحية التقنية، وسنعمل على تحقيق ذلك".

ويذكر فيليب بيوت Philippe Piot عالم فيزياء الأشعة من جامعة شمال الينوي في الولايات المتحدة: "كان تسريع الإلكترون سهلاً نسبياً، ولكن تسريع البوزيترون كان أمراً صعباً فعلاً"، ويضيف أن هذا البحث هو: "البرهان التجريبي الأول" بأن مسرع حقل المخر البلازمي بإمكانه تسريع البوزيترونات.

 

ويقول بأن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث في تناثر كل من الإلكترونات والبوزيترونات خلال هذا النوع من التسارع قبل أن يصبح من الممكن تطبيق تسارع حقل المخر في أي مسرع. ويختم: "لا يزال هناك الكثير من المشاكل، ولكن في ضوء التقدم الذي أُحرز على مدى العقد الماضي في هذا النوع من التسارع، فإنني سأكون متفائلاً."

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات