ما هو الحساب الكمومي وكيف يعمل؟

غالباً ما يختطف الحساب الكمومي (Quantum computing) عناوين الأخبار. كلمة "الكمّ" نفسها كافية للفت الانتباه، وإذا ما جُمعت مع طاقة الحوسبة الواعدة التي تتجاوز أي شيء شاهدناه، فإنها لا تُقاوم. لكن فعلاً: ما هو الحساب الكمومي؟


 أصفار، آحاد، والاثنان معاً


لتُحيط بالحساب الكمومي، تذكّر في البداية أن الحاسب العادي يعمل بالاعتماد على الأصفار والآحاد؛ مهما كانت المهمة التي تُريد إجراءها، سواء كانت حساب مجموع أو حجزاً لعطلة، فإن العملية الكامنة وراء ذلك هي دوماً نفسُها، حيث تترجَم المهمة إلى سلسلة من الأصفار والآحاد (الدخل) لتتم معالجتها بعد ذلك بالاعتماد على خوارزمية.

 

في النهاية تنتج سلسلة جديدة من الأصفار والآحاد (الخرج) التي تُشفر النتيجة. على أي حال، إن ذكاء خوارزمية ما يعتمد على التلاعب بسلاسل البتّات (bits) -حيث يُمكن للبتّ أن يأخذ قيمة صفر أو واحد. بالنسبة للآلة، إن هذا التفرع الثنائي يُمثَّل باستخدام دارات كهربائية قد تكون مغلقة يسري فيها التيار، أو مفتوحة لا تدفق للتيار خلالها.


يعتمد الحساب الكمومي على حقيقة أنه في العالم الميكروسكوبي (المجهري) ليس على الأشياء أن تكون في حالة قصر واضح كما هي الحال مع الظواهر الماكروسكوبية (الكبيرة)؛ إذ يُمكن للجُسيمات الصغيرة، مثل الإلكترونات والفوتونات، أن تأخذ في الوقت نفسه حالات كنا نعتقد أن تزامن وجودها في الوقت نفسه هو أمر غريب. تستطيع هذه الجسيمات أن تكون في عدة أمكنة في الوقت نفسه؛ كأن تعاني الفوتونات من نوعين من الاستقطاب في الوقت نفسه.

 

لا نُشاهد مثل هذا التراكب (superposition) لحالات مختلفة في الوقت نفسه في الحياة العادية لأن تلك الحالة تختفي حالما يُرصد النظام، فعندما تقيس موضع إلكترون أو استقطاب فوتون، فإن كل الحالات تنهار ولا تبقى إلا واحدة يُمكنك مشاهدتها. لا نعرف حتى الآن كيف يحصل ذلك، لكنه يحصل!

 

قادت فكرة التراكب عالم الفيزياء أرفين شرودينجر إلى الاعتقاد بأن قطة موجودة داخل صندوق ستكون ميتة وحية في الوقت نفسه طالما لم تنظر داخل الصندوق (هذه القطة على قيد الحياة بالتأكيد!).
قادت فكرة التراكب عالم الفيزياء أرفين شرودينجر إلى الاعتقاد بأن قطة موجودة داخل صندوق ستكون ميتة وحية في الوقت نفسه طالما لم تنظر داخل الصندوق (هذه القطة على قيد الحياة بالتأكيد!).

يُحررنا مبدأ التراكب من القيود الثنائية؛ فالحاسب الكمومي يعمل بوجود جسيمات تستطيع أن تكون في حالة تراكب.

 

فبدلًا من تمثيلها باستخدام البتّ، يُمكن تمثيل مثل هذه الجسيمات باستعمال البتّات الكمومية (qubits)، التي يمكنها أخذ القيمة صفر أو واحد، أو الاثنان معاً في الوقت نفسه. يقول ريتشارد جوزسا Richard Jozsa، وهو رائد في مجال الحساب الكمومي من جامعة كامبريدج: "إذا أردت فعل شيء ما لهذا النظام الكمومي، فإن الأمر يُشابه قيامك به مع صفر وواحد في الوقت ذاته".


 الفعل الشبحي


قد تعترض بالقول إن شيئاً مثل التراكب يُمكن إنجازه باستخدام فيزياء تقليدية وعادية -ربما عبر معالجة اثنين من البتّات الكلاسيكية في الوقت نفسه أو شيء ما كهذا- وفي هذه الحالة لن يبدو الحساب الكمومي أكثر إذهالاً من الحساب التقليدي. لكن هناك مزيد من الأشياء المرتبطة بفيزياء الكمّ والتي تتجاوز مبدأ التراكب. إذا ما نظرت إلى نظام ما يتكون من أكثر من بت كمومي، حينها لا تكون المكونات المفردة مستقلة عن بعضها.

 

آلبرت أينشتاين دعا التشابك بـ "الفعل الشبحي عن بعد".
آلبرت أينشتاين دعا التشابك بـ "الفعل الشبحي عن بعد".

بدلًا عن ذلك، يُمكنها أن تتشابك. وحين تقيس واحداً من تلك البتات الكمومية الموجودة في نظام متشابك ومكون من بتيْن كمومييْن، سيخبرك الخرج -سواء شاهدت واحداً أو صفراً- مباشرة بالذي ستشاهده عندما تقيس البتّ الآخر. يُمكن للجسيمات أن تتشابك حتى لو كانت منفصلة، وهي حقيقة دفعت بأينشتاين لدعوة التشابك بـ "الفعل الشبحي عن بعد".


يعني التشابك (Entanglement) أن وصف نظام ما مُكون من عدة بتات كمومية باستخدام المعلومات التقليدية العادية، مثل البتات أو الأرقام، ليس ببساطة ربط أوصاف البتات الكمومية مع بعضها البعض. وعوضًا عن ذلك، أنت بحاجة إلى وصف كل الترابطات الكائنة بين البتات الكمومية المختلفة. مع زيادتك لعدد البتات الكمومية، فإن عدد تلك الترابطات ينمو بشكلٍ أُسي: إذا كان لدينا n بت كمومي سنحصل على \(2^n\) ترابط.

 

هذا الرقم ينفجر بسرعة، فلوصف 300 بت كمومي، أنت بحاجة إلى أرقام أكثر من عدد الذرات الموجودة في الكون المرئي. الفكرة هي أنه بما أنك لا تستطيع كتابة كل المعلومات المحتواة في نظام ما مكون من مئات قليلة من البتات الكمومية باستخدام البتات الكلاسيكية، فبالتالي ربما يمكن تشغيل الحواسب باستخدام البتات الكمومية عوضاً عن التقليدية ويُمكن إجراء المهام التي لا يمكن للحاسب الكلاسيكي إنجازها. يُمثل ذلك سبباً حقيقياً لدفع علماء الفيزياء للتفكير بأن الحساب الكمومي يعدنا بمثل هذه الأشياء.

 
بكل الأحوال هناك عقبة. طالما أن الخوارزمية الكمومية يُمكنها أخذ بتات كمومية متشابكة في حالة تراكب كدخلٍ لها، فإن الخرج سيكون حالة كمومية -وبمثل هذه الحال ستتغير عموماً حين تحاول رصدها. يقول جوزسا: "تُمارس الطبيعة الخدع هنا. إنها تُحدث الحالة الكمومية، لكنها لا تسمح بعد ذلك بالوصول إلى كل المعلومات". يكمن فن الحساب الكمومي في إيجاد طرق لربح أكبر قدر من المعلومات المتاحة عن غير المرصود.

 مثال

إحدى الأمثلة عن خوارزمية كمومية هي تلك التي طورها جوزسا مع رائد آخر في مجال الحساب الكمومي هو ديفيد دويتش David Deutsch؛ والمهمة التي تُنجزها مثيرة للفضول، لكن سنفكر بها كما يلي: تخيل صفًا من الناس ينتظرون عند بوابات الجنة لمعرفة فيما إذا كان سيُسمح لهم بالدخول.

 

يحرس تلك البوابات القديس بطرس، ولشدة محبته لعلوم الحاسوب أعطى كل الناس أرقامًا مكتوبة بالنظام الثنائي. وقد صدف أن كان هناك \(2^3=8\) إنسان، ما يعني أن كل شخص حصل على سلسلة من المحارف المكونة من 0 و1 الخاصة به (انظر إلى الجدول).

 

يُسجل بطرس قراراته عبر وضع 1 في بتّ معين إذا كان قراره السماح للشخص المعني بالدخول، و0 إذا كان قراره الرفض. (تقنيًا تُعرف هذه العملية بتابع بول، وهي قاعدة تقوم بإسناد صفر أو واحد إلى كل سلسلة من البتات. توابع بول محورية في علوم الحاسوب ولهذا السبب مثالنا ليس بعيد الاحتمال كما يبدو للوهلة الأولى).


أنت لا تعرف ما سيفعله بطرس مع كل شخص، لكنك تعرف أنه سيقوم بالأمر كما يلي: إما سيسمح للشخص بالدخول (حيث تحصل كل سلسلة بتات على 1)، أو سيسمح لنصف الناس بالدخول (نصف سلاسل البتات ستحصل على 0، والأخرى على 1).

 

مهمتك ليست إيجاد ما سيحصل لكل شخص، وإنما معرفة فيما إذا كان بطرس في وضع كريم وبالتالي يسمح للجميع بالدخول، أم أنه مستاء ويُقرر السماح لنصف الناس بالدخول. كم قيمة لتابع بول الخاص ببطرس تحتاج للنظر إليها لمعرفة أي البديلين هو الصحيح؟


إذا عملت كحاسبٍ تقليدي، فإن السيناريو الأسوأ يكمن في مشاهدتك للقيمة خمس مرات. لأنك إذا شاهدت 1 موجودًا في البتات الأربع الأولى التي فحصتها، فإنك لا تزال غير متأكد فيما إذا كانت بقية المحارف 1، إذ أن هناك احتمالية لأن يكون الواحد موجودًا في نصفها فقط، لذلك عليك النظر إلى المحرف الخامس.

 

على أي حال، إذا كان لديك حاسب كمومي فإنك تستطيع النظر إلى قيمة التابع بالنسبة للأشخاص الثمانية في الوقت نفسه، لذا عليك النظر إلى واحدة من القيم فقط. يشرح جوزسا الأمر قائلًا: "لتغطية تكاليف تشغيل البرنامج لمرة واحدة بوجود هذا الدخل المتراكب والممتع، حسبتَ كل القيم في الوقت نفسه".

 

تُصبح هذه الأفضلية للحساب الكمومي مقارنةً بالتقليدي أكثر وضوحًا عندما يكون لديك المزيد من الناس، كأن يكون الصف مؤلفًا من \(2^n\) فرد، حيث سيحتاج الحاسب العادي إلى النظر \(2^(n-1)+1 \)مرة، وهو عدد يزداد بشكلٍ سريع بدلالة n؛ أما الحاسب الكمومي فيحتاج إلى النظر للشيء لمرة واحدة فقط.
 

Number in binary Number in decimal    
000 0
001 1
010 2
011 3
100 4
101 5
110 6
111 7

لكن رغم ذلك هناك خدعة للطبيعة: القيم الثماني التي نظرت إليها في الوقت نفسه ستكون مشفرة في حالة كمومية لا يُمكنك قراءتها لأن أي قياس سيؤدي إلى تشويشها.

 

لحسن الحظ، أنت لا تحاول معرفة ما حصل لكل فرد. كل ما تريده هو معرفة فيما إذا كان بطرس في حالة كرم أم غضب. يقول جوزسا: "إنه سؤال نعم-لا. إنها كمية قليلة من المعلومات المتعلقة بالكثير من القيم".

 

برهن جوزسا ودويتش أنه بالإمكان إجراء عملية إضافية على حالتك الكمومية، وهي عملية تُثير جزءًا بسيطًا من المعلومات التي تتبعها لتكون في الأمكنة المناسبة لتتمكن من قراءتها. الأمر مشابه قليلًا لمنزل من الأوراق سينهار مباشرة حين تنظر إليه.

 

قد لا تكون قادرًا على مشاهدته بكامل مجده، لكن إذا كان مبنيًا بالطريقة المناسبة تمامًا، قد تستطيع على الأقل التحققَ من بعض المعلومات لمعرفة ما كان عليه انطلاقًا من الكومة المنهارة التي تشاهدها.

 

هل سيأخذنا الحساب الكمومي إلى مكان أعلى؟
هل سيأخذنا الحساب الكمومي إلى مكان أعلى؟

هذا أحد الأسباب التي تجعل من الحواسب الكمومية أكثر قوة مقارنة بالتقليدية. ولإيجاد أنماط أو هياكل أبسط داخل الأنظمة المكونة من مكونات عديدة، فإن الحاسب الكلاسيكي ليس لديه غالبًا سوى خيار القيام بتقييم كل شيء أولًا، أو على الأقل العديد من الأشياء المنفردة.

 

من ناحية أخرى، يستطيع الحاسب الكمومي تقييم كل الأشياء بالتزامن. رغم أنك قد لا تتمكن من قراءة كل تلك القيم المنفردة، إلا أنك تستطيع غالبًا استخلاص معلومات كافية لتكوين نمط خاص بتلك الأشياء.



ابتكر جوزسا ودويتش هذه الخوارزمية في العام 1992، وقد كانت الأولى التي جرى إثبات قدرتها على العمل بسرعة أكبر بشكلٍ أسي مقارنة بتلك الكلاسيكية المصممة لإنجاز نفس المهمة. إذا كنت تتخيل أن جوزسا ودويتش مهندسان كموميان يتعاملان مع الأشياء في المختبر، فإنك بعيدٌ عن الحقيقة، فكلٌ منهما عالم نظري.

 

ريتشارد جوزسا
ريتشارد جوزسا

حيث استخدما الصياغة الرياضية التي تصف ميكانيكا الكمّ وعلوم الحاسوب النظرية لمعرفة ما سيؤدي إليه هذا الجمع بين الاختصاصيْن. إن العمل رياضي بشكلٍ بحت، ولازلنا بعيدين عن بناء حواسيب كمومية عاملة بإمكانها إجراء مهمات مفيدة.
 


مؤلف المقال: ماريان فرايبيرغر Marianne Freiberger محررة في "بلس". وتود شكرَ ريتشارد جوزسا، ولاي ترابنل بروفيسور الفيزياء الكمومية في جامعة كامبريدج لمساعدته القيمة وصبره في تقديم الشروحات العامة والقيمة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات