مغالطتان حول التطور الأفقي والتطور العمودي

غالبا ما ألاحظ في النقاشات التي تدور حول موضوع التطور أن كلاّ من المُشكّكين في نظرية التطور وأولئك الذين يؤمنون بالتطور وفق الداروينية الجديدة neo-Darwinian evolution يميلون إلى ارتكاب خطأين بارزين، وهذان الخطأن ينبعان من فشل الطرفين في التفريق بين التطور الأفقي microevolution والتطور العمودي macroevolution .

 

يُعرّف التطور حسب أحد كتب منهاج مادة الجينات التي درستُها في جامعة ووترلو بأنه "التغيّرات التي تطرأ على تواتر الأليل Allele في إحدى التجمّعات على طول فترة من الزمن" (الأليل: هو نسخة أو شكل بديل للجين أو الموقع الجيني، ويُمكن وصفه بأنه تنوّع من جين مُحدد). لكن تعريف التطور على هذا النحو قد يكون مُضللاً، إذ قد يكون من الأدق أن نُسمي هذا الأمر بـ "التنوع" Variation. لن يكون هناك حاجة لوجود جينات جديدة، إنما كل ما نحتاجه هو تنوّع في جينات موجودة أصلاً أو فقدان معلوماتٍ وراثية موجودة. ويُطلق على هذا النوع من الاختلاف عادة اسم "التطور الأفقي".

 

يحدث التطور الأفقي (التنوع) من خلال الانحراف الجيني (genetic drift) والانتخاب الطبيعي (natural selection) والطفرات  (mutations) والإضافة insertion  أو الحذف deletion ونقل الجينات (gene transfer)  وتقاطع الكروموسومات chromosomal crossover، وهي جميعها طرق تُؤدي على مر التاريخ إلى إنتاج اختلافات لا متناهية يمكن ملاحظتها في تجمّعات النباتات أو الحيوانات، ومن الأمثلة عليها: حشرة العُثة المرقطة   (peppered moth) ومناقير عصافير غالاباغوس Galápagos finch، وسلالة جديدة من فيروسات الإنفلونزا، والبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية (antibiotic-resistant bacteria)، والتنوع في أشواك سمكة أبو شوكة stickleback. وفي كل عام تُنشر آلاف الدراسات التي تتعلق بالتطور الأفقي (أو ما يُعرف بالتنوع).

 

صورة تظهر نبتة. حقوق الصورة: كرك درستن Kirk Durston
صورة تظهر نبتة. حقوق الصورة: كرك درستن Kirk Durston

 

أما الخطأ الذي غالباً ما يُردده المشككون بنظرية التطور فهو قولهم بأن "التطور" محض هراء وتفاهات ومغالطات، لكنهم عادة ما يُصابون بالذهول عندما يعلمون بأن التنوع (وهي فكرة يتفقون معها تماماً) يُعرّف بأنه "تطور". لذا فإن الحل الذي يمكن أن نقدمه للمُشككين بنظرية التطور هو أن يُحددوا لنا بشكل دقيق ما الذي لا يتفقون معه بخصوص نظرية التطور. يُمكنهم تأييد التطور الأفقي (التنوع) لكن يجب عليهم الإشارة إلى نقطتين هما:

  • أنه من المضلل إطلاق اسم "التطور" على فكرة التنوع
  • أنهم يُعارضون فكرة التطور العمودي.

 

من المدهش أن تعريف التطور العمودي كمنهج علمي ليس دقيقاً تماماً، إذ يمكن للتطور العمودي أن يُعرّف على أنه التطور الذي يحدث فوق مستوى الأجناس (الأنواع)، أو ما يُعرف بالتطور الحاصل على "مستوى كبير"، أو يمكن القول بأنه التطور الأفقي مُضافٌ إليه الزمن وهو 3.8 مليار عام. هذا ولم يتم على الإطلاق رصد أمثلة على التطور العمودي، إلا أن هناك مثالاً نظرياً واحداً وهو تطوّر مخلوق حبلي (chordate) شبيه بسمكة أنقليس البحر إلى كائن بشري. هذا ويؤكد الكثيرون ممن يؤمنون بنظرية التطور الدارويني بثقة تامة على أن التطور حقيقة مُثبتة، ويقولون هذا اعتماداً على آلاف الدراسات التي تبحث في التطور الأفقي، وهنا يأتي الخطأ الثاني إذ يفترض داعمو النظرية الداروينية أن التطور العمودي هو حقيقة مُثبتة فقط لأن التنوع أو التطور الأفقي هو أيضاً حقيقة مثبتة بشكل قاطع.

 

لكن التطور العمودي يختلف تماماً عن التطور الأفقي، والسبب وراء وجود عددٍ لا يُحصى من المشاهدات المتعلقة بالتنوع أو التطور الأفقي هو أن هذا التطور لا يحتاج إلى مستويات كبيرة من المعلومات الجينية الجديدة على المستوى الإحصائي، إذ يمكن تحقيقه بسهولة. من ناحية أخرى، فإن السبب وراء عدم تمكّن العلماء من رصد أي تطور عمودي على الإطلاق هو أن هذا التطور يتطلب مستويات كبيرة من المعلومات الجينية الجديدة على المستوى الإحصائي، وهو أمر في غاية الصعوبة، إلا أن الداروينية تتنبأ بأنه يمكن للمعلومات الجينية أن تزداد مع مرور الوقت. من جهة أخرى يمكن عمل تنبؤاتٍ قابلة للتفنيد والتحقق، ومثل هذه التنبؤات تستحق الاهتمام.

 

لذا، من أجل التفريق بوضوح بين التطور الأفقي والتطور العمودي بطريقة علمية حازمة اسمحوا لي أن أقترح لكم التعريفات التالية:

  • التطور الأفقي: تنوع جيني لا يتطلب وجود زيادة كبيرة بالمعلومات الوظيفية على المستوى الإحصائي.
  • التطور العمودي: تغير جيني يتطلب وجود زيادة كبيرة إحصائياً في المعلومات الوظيفية على المستوى الإحصائي. 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات