العصبونات المرآتية: تفسير فهم النوايا والتعاطف وتطور اللغة (الجزء الثاني)


فهم النوايا



هناك سلسلتان مختلفتان من المعلومات التي يستطيع المرء استخلاصها من خلال مشاهدته لفعل يقوم به فرد آخر. الأولى، هي "ماذا" يفعل الفاعل. والأخرى، هي "لماذا" يفعل الفاعلُ ذلك. فلو نظرنا، على سبيل المثال، ورأينا فتاة تمسك تفاحة، سنفهم أنها ممسكة بجسم ما. كما أننا غالبًا ما نفهم، بالإضافة إلى ذلك، سبب قيامها بهذا الفعل. أي أننا نستطيع أن نفهم نيتها. بوسعنا أن نستدل بذلك على ما إذا كانت ممسكة بالتفاحة من أجل أكلها، أو من أجل وضعها في السلة. ومع أن النظرية التي تقول بأن العصبونات المرآتية لها علاقة بفهم النوايا هي نظريةٌ اقتُرحت منذ سنوات مضت (Gallese and Goldman 1998)، إلا أن هذه النظرية لم تدعم بنتائج التصوير بالرنين المغناطيسي إلا في عهد قريب فقط. في هذه الدراسة، عُرض على المتطوعين أفعال تتم باليد دون أن يعرض عليهم السياق الذي جرت فيه الأفعال، وأفعال باليد مع سياقات فعلها (ما سمح للمتطوعين هنا أن يفهموا نية صاحب الفعل). كانت النتيجة الرئيسة لهذه الدراسة هي تبيان أن الأفعال الموجودة ضمن سياقات تقود إلى تنشيط انتقائي لنظام العصبونات المرآتية. ويشير هذا إلى أن المناطق المرآتية، بالإضافة إلى فهم الأفعال، تقودان إلى فهم نوايا الآخرين (Iacoboni et al. 2005).

تدل هذه البيانات على أن نظام العصبونات المرآتية له علاقة بفهم النوايا، إلا أنها لا تزودنا بمعلومات عن الآليات الخاصة الكامنة وراء هذه الأفعال. من أجل توضيح هذه الآليات، دُرِّبت القردة في دراسة أخرى على أن تقوم بفعلين بهدفين مختلفين (Fogassi et al. 2005):

  • في الفعل الأول، كان على القرد أن يمسك جسمًا ما من أجل وضعه في إناء،
  • وفي الثانية، كان على القرد أن يمسك قطعة طعام ليأكلها.

كان الفعلان الحركيان الأولان، وهما مد اليد والإمساك، متشابهين في كلتا الحالتين، بينما كان الهدف النهائي من الفعلين مختلفًا. سُجِّل نشاط العصبونات المفردة من الفصيص الجداري السفلي IPL، وأظهرت النتائج أن كثير من عصبونات الفصيص الجداري السفلي تفرغ شحناتها بشكل انتقائي عندما ينفذ القرد فعلًا حركيًا معينًا (كالإمساك). ومن المثير للاهتمام أن الغالبية العظمى من العصبونات ترسل شارة عصبية، فقط عندما كان الفعل الحركي المشفر متبوعًا بفعل حركي معين آخر (كوضع الشيء المحمول).

كانت لبعض هذه العصبونات الحركية "المقيدة بالفعل" خصائص مرآتية، كما أنها كانت تفرغ شحناتها بشكل انتقائي خلال مشاهدة الأفعال الحركية، التي كانت موجودة ضمن فعل معين (على سبيل المثال، الإمساك من أجل الأكل، وليس الإمساك من أجل الوضع). وبالتالي فإن تفعيل العصبونات المرآتية المقيدة بالحركة في الفصيص الجدري السفلي يوفر معلومات عن عملية الإمساك، وكذلك عن سبب هذه العملية (الإمساك من أجل الأكل أو الإمساك من أجل الوضع). أتاح هذا للمشاهد، بشكل خاص، أن يميز الفعل الحركي، وأن يسبر ماذا سيكون الفعل الحركي التالي في الفعل الذي لما يُشاهد بعد، وبكلمات أخرى، من أجل فهم نوايا القائم بالفعل. اقترح البعض سابقًا أن هناك رابطًا بين التوحد وبين نظام العصبونات المرآتية، وبحسب هذه النظرية، فإن عدم قابلية الأطفال المتوحدين على الارتباط مع الناس ومواقف الحياة بالطريقة العادية يعتمد على مبدأ عدم وجود نظام عصبونات مرآتية فاعلٍ بشكل طبيعي. وقد زودتنا الدراسات الفيزيولوجية العصبية وتلك المبنية على تصوير الدماغ بدلائل ترجح هذه النظرية (Ramachandran and Oberman 2006; Dapretto et al. 2006).

يفترض، بشكل عام، أن النقص الأساسي في فهم النوايا عند الأطفال المتوحدين سببه ضرر في النظام المرآتي، باعتباره النظام المسؤول عن فهم أفعال الآخرين. ولكن، قد يتساءل المرء عما إذا كان النقص الأساسي في التوحد يتمثل حقًا في عدم القدرة على فهم الآخرين، أم أنه يتمثل في نقائص أكثر أساسيةً في تنظيم السلاسل الحركية. بكلمات أخرى، النقيصة الأساسية في الأطفال المتوحدين، تتمثل في عدم القدرة على تنظيم السلوك الحركي المتعمد (المقصود) الخاص بالأطفال أنفسهم.


الانفعالات والتعاطف



تعتمد الوظائف التي تتدخل فيها العصبونات المرآتية على الخصائص التشريحية والفيزيولوجية للدارة التي توجد بها هذه العصبونات. الأفعال التي دُرِست في الدراسات الأولى على العصبونات المرآتية كانت أفعالًا خالية من المكون الانفعالي emotional content. وبناء على ذلك، كانت النشاطات العصبية تتواجد في الدارات العصبية التي لها علاقة بالتحكم الحركي (الدارات أمام الجبهية-الجدارية parieto-permotor circuits). وتشير دلائل حديثة إلى أن الآلية المرآتية المذكورة لها علاقة أيضًا بالتعاطف empathy، وهي قابلية الشخص على أن يشعر بنفس الانفعالات التي يشعر بها الآخرون. في تجربة استخدمت التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي، عُرِّض المشاركون، في الحالة الأولى، إلى روائح كريهة، وفي الحالة الثانية إلى مقاطع فيديو تظهر أشخاصًا يظهرون تعابير وجهية تنم عن القرف. وجد الباحثون أن التعرض للروائح الكريهة يحفز بشكل خاص الجزيرة الأمامية anterior insula والتلفيف الحزامي الأمامي anterior cingulate. ومما يثير الاهتمام أن مشاهدة التعابير الوجهية للقرف نشطت نفس القطاع من الجزيرة الأمامية (Wicker et al. 2003). وبنتيجة موافقة لهذه النتائج، تأتي البيانات من تجربة أخرى بالتصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي مظهرةً أن الجزيرة الأمامية تتنشط خلال مشاهدة التعابير الوجهية للانفعالات الأساسية، وكذلك خلال محاكاتها (Carr et al. 2003).

تدل هذه البيانات دلالة قوية على أن الجزيرة تحتوي على جمهرة من الخلايا العصبية التي تتنشط عندما يعايش المرء شعور القرف بشكل مباشر، وكذلك عندما يُحفَّز هذا الشعور عن طريق مشاهدة التعابير الوجهية للآخرين. حصل باحثون على بيانات مشابهة عند الإحساس بالألم وكذلك خلال مشاهدة موقف مؤلم يشتمل على شخص آخر مقرب من المُشاهِد (Singer 2006, Saarela et al. 2006). تدل هذه التجارب مجتمعة على أن الشعور بالانفعالات سببه تفعيلُ الدارات العصبية التي تتواسط في تكوين الاستجابات الانفعالية المماثلة عند المستقبل (Gallese et al. 2004).


 تطور اللغة


 

يتواصل البشر فيما بينهم، بشكل أساسي، عن طريق الأصوات. ولكنّ اللغات المبنية على الأصوات لا تمثل الطريقة الطبيعية الوحيدة للتواصل. تمثل اللغات المبنية على الإيماءات (لغات الإشارة) شكلًا آخر من نظام التواصل المعقد مكتملِ البناء. وعلى الرغم من ذلك، فإن لحقيقة التي تقول بأن لغات الإشارة تمثل نظامَ تواصلٍ مكتملَ التركيب لم تغير من النظرة التي قد يتشاركها كثيرون، بأن "الكلام" هو نظام التواصل الطبيعي الوحيد للإنسان، وأن السابقة التطورية لكلام الإنسان تكونت من نداءات الحيوانات. الحجة هي التالي: يصدر البشر أصواتًا من أجل التواصل، وتصدر الحيوانات أصواتًا من أجل التواصل، إذًا، كلام البشر تطور من نداءات الحيوانات.

المنطق الكامن وراء هذا التفسير المنطقي، هو منطقٌ مزعزع نوعًا ما. ويَظهَرُ ضعفُه عندما يفحص المرء نداءات الحيوانات وكلام البشر عن قرب أكثر. أولًا، التراكيب التشريحية التي تشكل الأساس لنداءات الرئيسيات ولكلام البشر، هي تراكيبُ مختلفة عن بعضها. فالقشرة الحزامية وتراكيب الدماغ البيني وتراكيب جذع الدماغ Diencephalic and brain stem structures هي التراكيب الرئيسي المسؤولة عن التوسط في إنشاء نداءات الرئيسيات من الحيوانات (Jürgens 2002). في المقابل، تتكون الدارات العصبية، التي تشكل الأساس لكلام الإنسان، من مناطق تقع حول شق سيلفيوس Sylvian fissure، وذلك يتضمن الجزء الخلفي من التلم الجبهي السفلي IFG

ثانيًا، كلام الإنسان ليس مرتبطًا، أو ليس مرتبطًا بالضرورة، بالسلوكيات الانفعالية Emotional behavior، أما نداءات الحيوانات فهي مرتبطة بها. ثالثًا، غالبًا ما يكون الكلام ثنائيًا (في أزواج)، أي أنه نظام تواصل شخص-لشخص. على النقيض من ذلك، تصدر نداءات الحيوانات، عادة، بدون وجود مستقبِل محدد جيدًا. رابعًا، يتميز الكلام بخصائص تَوْليفية (اندماجية)، وهو ما تفتقر إليه اتصالات الحيوانات. وأخيرًا، لدى البشر فعلًا نظام تواصل "ندائي" مشابه للنظام الموجود لدى الرئيسيات من غير البشر، كما أن مواقعهما التشريحية متماثلة لدى البشر والرئيسيات الأخرى. يتوسط هذا النظام في تكوين الأصوات التي يصدرها البشر عندما يكونون في حالات انفعالية محددة (كالبكاء والصراخ … إلخ). وتبقى هذه الأصوات محفوظة عند الأشخاص الذين يعانون من حبسة شاملة global aphasia.

إن لم تكن نداءاتُ الحيوانات، فما الذي يمكن أن يكون أصلًا لكلام الإنسان؟
هناك نظرية بديلة تقول أن الطريق المؤدية للكلام بدأت بالتواصل الإيمائي (من أجل نسخة محدثة عن هذه النظرية راجع Armstrong 1995; Corballis 2002). بحسب هذه النظرية، ينبني نظام التواصل الأولي في الرئيسيات السابقة للبشر الحديثين على الإيماءات الأساسية البسيطة. ثم ارتبطب الأصوات بالإيماءات وصارت بعدها، تدريجيًا، الطريقةَ السائدة في التواصل.


 يزودنا اكتشاف العصبونات المرآتية بدعم قوي لنظرية الإيماء كأصلٍ للكلام. تنشئ العصبونات المرآتية وصلة مباشرة بين مرسل الرسالة ومستقبلها (Rizzolatti and Arbib 1998). وبفضل الآلية المرآتية، فإن الأفعال التي يقوم بها شخص ما تصبح رسائل يفهمها المشاهد دون أي توسط معرفي cognitive mediation في الرسالة؛ فمشاهدة شخص يلتقط تفاحة يُفهَم مباشرة؛ لأنه يحفز نفس التمثيل الحركي في النظام المرآتي الجداري الجبهي للمشاهِد. وعلى أساس هذه الخاصية الجوهرية للعصبونات المرآتية وحقيقة أن مشاهدة الأفعال، من مثل قبض اليد، تحفز الجزء الذنبي من التلم الجبهي السفلي (باحة بروكا Broca’s area)، اقترح ريزولاتي وأربيب (Rizzolatti and Arbib 1998) أن الآلية المرآتية هي الآلية الأساسية التي تطورت منها اللغة. في الحقيقة، حلت الآلية المرآتية، على مستوى مبدئي من تطور اللغة، مشكلتين أساسيتين تتعلقان بالتواصل، وهما: التكافؤ parity، والفهم المباشر direct comprehension؛ فبفضل العصبونات المرآتية، ما كان مفهومًا للمرسل يكون مفهومًا أيضًا للمستقبل، وكذلك فإنه لا حاجة لرموز اعتباطية؛ فقد كان الفهم متأصلًا في التركيب العصبي لكلا الفردين.

من الواضح أن الآلية المرآتية لا تفسر وحدها التعقيد المهول للكلام. ولكنها تفسر واحدة من الصعوبات الأساسية لفهم تطور اللغة، ألا وهي تفسير كيف أن ما هو مفهوم للمرسل يصير مفهومًا أيضًا للمستقبل. طُوِّرت حديثًا النظريات والتخمينات المتعلقة بالخطوات المتعددة التي أدت من النظام المرآتي للقرد إلى اللغة (راجع Arbib 2005).
 

 

لقراءة الجزء الأول: العصبونات المرآتية: أدوارها ووظيفتها (الجزء الأول)

 

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • التعادلية (parity): مُصطلح يُستخدم في فيزياء الجسيمات ويشير إلى خاصية تناظر لكميات فيزيائية، أو العمليات العكوسة مكانياً. وهناك التعادلية الزوجية (even parity)، والتعادلية الفردية (odd parity).

اترك تعليقاً () تعليقات