العصبونات المرآتية: أدوارها ووظيفتها (الجزء الأول)

 

  • د.جباكومو ريزولاتي Dr. Giacomo Rizzolatti، جامعة بارما، إيطاليا
  • د. مادالينا فابري ديسترو Dr. Maddalena Fabbri Destro، قسم علوم الأصاب، جامعة بارما، إيطاليا.


الشكل 1: مثال على عصبون مرآتي في المنطقة F5 يفرغ شحناته (A) خلال مشاهدة حركات قبض يقوم بها المختبِر، و(B) خلال حركات القبض التي يقوم بها القرد. تشير الأسهم إلى بداية الحركة. نرى هنا ستة تجارب لكل حالة من الحالتين.حقوق الصورة: سكولاربيديا
الشكل 1: مثال على عصبون مرآتي في المنطقة F5 يفرغ شحناته (A) خلال مشاهدة حركات قبض يقوم بها المختبِر، و(B) خلال حركات القبض التي يقوم بها القرد. تشير الأسهم إلى بداية الحركة. نرى هنا ستة تجارب لكل حالة من الحالتين.حقوق الصورة: سكولاربيديا

 

قرد لعمل يتضمن الحركة، وكذلك عندما يشاهد القرد فردًا آخر (إنسانًا كان أو قردًا) يؤدي نفس العمل الحركي أو عمل مشابه له (الشكل 1). من الجدير بالملاحظة أن هذه العصبونات لا تفرغ شحناتها استجابة لرؤية الطعام أو الأشياء الأخرى المثيرة للاهتمام. كما أنها لا تفرغ شحناتها عندما يشاهد القرد محاكاة مجردة بحركات اليد لأفعال معينة، دون وجود أشياء تُجرى عليها هذه الأفعال. وبالتالي فإن المحفز البصري الفعال، هو مشاهدة يد تتعامل مع جسم ما (Gallese et al. 1996, Rizzolatti et al. 1996a).

اكتشفت العصبونات المرآتية أولًا في قسم فرعي من "القشرة أمام الحركية" premotor cortex، وهو القسم F5، وقد وجدت لاحقًا أيضًا في "الفُصيص الجداري السفلي" Inferior parietal lobule، واختصارًا IPL (Rizzolatti et al. 2001, Fogassi et al. 2005) (الشكل 2). يستقبل الفصيص الجداري السفلي مدخلات كثيرة من القشرة الدماغية في "التلم الصدغي العلوي" Superior temporal sulcus، واختصارًا STS، وهي منطقة معروفة بتشفير الحركة الحيوية Biological motion [وهو مصطلح يشير إلى الظاهرة البصرية المميزة لحركة الكائنات الحية، حيث يقترح بعض العلماء أن لدى البشر قدرة خاصة على ملاحظة الحركة الحيوية الناتجة عن الكائنات الحية المتحركة -المترجم](Jellema et al. 2002)، وترسل المعلومات الخارجة إلى "القشرة البطنانية أمام الحركية" ventrla premotor cortex، والتي تتشكل على المنطقة F5. لاحظ أنه، وعلى الرغم من أن التلم الصدغي العلوي يستجيب لمشاهدة الأفعال التي يقوم بها الآخرون، إلا أنه ليست لديه أي خصائص حركية. وبالتالي، يتكون نظام العصبونات المرآتية القشري من منطقتين رئيستين:

  • القشرة البطنانية أمام الحركية.
  • الجزء المنقاري من الفصيص الجداري السفلي.


تزودنا التجارب الفيزيولوجية العصبية (تخطيط كهربية الدماغ EEG، وتخطيط مغناطيسية الدماغ MEG، والتحفيز المغناطيسي بطريق القحف TMS)، وتجارب تصوير الدماغ (التصوير المقطعي بالإصدار البوزتروني PET، والتصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي fMRI) دلائل قوية على أن هناك دارة عصبية جبهية-جدارية fronto-patietal circuit تمتلك خصائص مشابهة لنظام العصبونات المرآتية لدى القرود موجودة لدى البشر أيضًا (Rizzolatti and Craighero 2004). وكما هو الأمر لدى القرود، يتشكل نظام العصبونات المرآتية من جزئين: الفصيص الجداري السفلي، وقسم من الفص الجبهي يتكون من القشرة البطنانية أمام الحركية بالإضافة إلى الجزء الخلفي من التلفيف الجبهي السفلي Inferior frontal gyrus، واختصارًا IGF (الشكل 3).


الشكل 2: منظر إنسي (داخلي) وآخر وحشي (خارجي) لدماغ قرد المكاك، يظهر فيهما التوزيع المتساوي لترتيب الخلايا في القشرة الجبهية الحركية (المناطق المشار إليها بـF وأرقام عربية)، وكذلك في الفص الجداري (المناطق المشار إليها بـP وحروف متتالية تصاعديًا). تظهر المناطق المدفونة في ثنايا التلم داخل الفص الجداري intraparietal sulcus في هذا الشكل بصورة غير مثنية
الشكل 2: منظر إنسي (داخلي) وآخر وحشي (خارجي) لدماغ قرد المكاك، يظهر فيهما التوزيع المتساوي لترتيب الخلايا في القشرة الجبهية الحركية (المناطق المشار إليها بـF وأرقام عربية)، وكذلك في الفص الجداري (المناطق المشار إليها بـP وحروف متتالية تصاعديًا). تظهر المناطق المدفونة في ثنايا التلم داخل الفص الجداري intraparietal sulcus في هذا الشكل بصورة غير مثنية
 
الاختصارات: AIP, anterior intraparietal area; As, superior arcuate sulcus; Ai inferior arcuate sulcus; C, central sulcus; Ca, calcarine fissure; CG, cingulate cortex; FEF, frontal eye field; IP, intraparietal sulcus; L, lateral sulcus; LIP, lateral intraparietal area; MIP, medial intraparietal area; Lu, lunate sulcus; P, principal sulcus POs, parieto-occipital sulcus; STS, superior temporal sulcus. حقوق الصورة: سكولاربيديا}}


الأدوار الوظيفية لنظام العصبونات المرآتية



هو الدور الوظيفي الذي قد يلعبه نظام العصبونات المرآتية؟
وضعت عدة نظريات لتفسير الدور الوظيفي للعصبونات المرآتية، على سبيل المثال، نظريات في فهم الأفعال والمحاكاة وفهم النوايا والتعاطف. وبالإضافة إلى هذه النظريات، فقد اقتُرح أن نظام العصبونات المرآتية يمثل الآلية العصبية الأساسية التي تطورت منها اللغة.

ومع ذلك، يبقى السؤال حول ما هي وظيفة نظام العصبونات المرآتية سؤالًا مطروحًا بشكل سيء على الأغلب. إذ ليس للعصبونات المرآتية دورًا وظيفيًا فريدًا. إذ أن خصائص العصبونات المرآتية تدل بالأحرى على أنها تمثل آلية لرسم خريطة للتصوير الصوري للأفعال، وهو التصوير الذي يجري في المناطق البصرية ذات المستوى الأعلى، وترسم هذه الخريطة الحركية على المقابل الحركي للحركات التي يراها الشخص والموجودة في نظامه الحركي. تشكل هذه الآلية في المواءمة الأساس لوظائف عدة.


فهم الأفعال والمحاكاة



الشكل3: نظام العصبونات المرآتية في البشر. مشهد وحشي لدماغ الإنسان مظهرًا المناطق التي تشكل نظام العصبونات المرآتية (ملونةً). حقوق الصورة: سكولاربيديا
الشكل3: نظام العصبونات المرآتية في البشر. مشهد وحشي لدماغ الإنسان مظهرًا المناطق التي تشكل نظام العصبونات المرآتية (ملونةً). حقوق الصورة: سكولاربيديا

كانت النظرية الأصلية عن الدور الوظيفي لنظام العصبونات المرآتية هي نظرية فهم الأفعال (Rizzolatti et al. 2001). قد يبدو من المستهجن أنه، ومن أجل تمييز فعل ما، على الشخص أن يُفعّل النظام الحركي لديه. ولكن الأمر، في الواقع، ليس بهذه الغرابة. يمكن للإدراك البصري المجرد، أي بدون تدخل من النظام الحركي، أن يوفر وصفًا للجوانب المرئية من الحركة ليس إلا. ومن ناحية أخرى، لن يوفر الإدراك البصري المجرد معلومات حول المكونات الجوهرية للفعل المشاهَد، ولا عن معنى القيام بالفعل، ولا عن الروابط بين الفعل المشاهَد وبين الأفعال الأخرى المرتبطة به. ليس بوسع العقل تحقيق ذلك، بدون أن يرسم خريطة للأفعال المشاهَدة على النظام الحركي للمشاهِد.


وبالتالي، فإن تفعيل الدارة المرآتية أمر حيوي، من أجل تزويد المشاهِد بفهم تجريبي حقيقي للفعل المشاهَد. يربط هذا الفهم بين مشاهِد الفعل ومسبب هذا الفعل، مكونًا بذلك شكلًا أوليًا من التفاعلات الاجتماعية. ومن الممكن بناء كثير من الوظائف على أساس هذه الوظيفة، وبعض هذه الوظائف موجود فقط لدى البشر.

من وجهة النظر هذه، نرى أن العصبونات المرآتية قد تمثل "آلية جوهرية" تتفرع منها وظائف أخرى. وإحدى هذه الوظائف هي "المحاكاة" imitation، والتي تشير إلى القدرة على تكرار فعل مشاهَد موجود لتوه في مخزن المهارات الحركية لدى المشاهِد، أو قد تشير إلى القدرة على تعلم فعل حركي جديد. ويبدو أن نظام العصبونات المرآتية، باعتبار أنه يزود نسخًا حركية من الأفعال المشاهدة، يبدو أنه الآلية المثالية من أجل المحاكاة. هناك بالطبع دليل واضح على أن نظام العصبونات المرآتية له علاقة بالتكرار الآني للأفعال التي يقوم بها الآخرون حال قيامهم بها (Iacoboni et al. 1999) وكذلك في تعلم المحاكاة (Buccino et al. 2004).


صحيح أن التكرار الآني للأفعال المشاهدة يتم عن طريق النظام المرآتي نفسه، إلا أن تعلم المحاكاة يتطلب تدخلًا من الفص أمام الجبهي (Iacoboni et al. 1999). إذ يجمع هذا الفص (أو المنطقة 46 بالتحديد) ما بين الأفعال الحركية الأساسية في أنماط حركية أكثر تعقيدًا.

 

لقراءة الجزء الثاني من العصبونات المرآتية: العصبونات المرآتية: تفسير فهم النوايا والتعاطف وتطور اللغة (الجزء الثاني)

 

 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات