محاكاة لناسا تقترح أن الثقوب السوداء قد تشكل معامل مثالية للمادة المظلمة

تشير محاكاة حاسوبية جديدة لناسا إلى أن تصادم جسيمات المادة المظلمة ضمن الجاذبية الهائلة للثقب الأسود، يمكن أن يُصدِر أشعة غاما (gamma rays) قوية وقابلة للرصد. وأن رصدَ هذا الانبعاث سيمنح علماءَ الفلك وسيلةً جديدة لفهم كلّ من الثقوب السوداء وطبيعة المادة المظلمة، وهي المادة المراوغة التي تُعزى إليها معظم كتلة الكون، والتى لا تعكس الضوء ولا تمتصُّه ولا تُصدِره.

يقول جيريمي شنيتمان Jeremy Schnittman عالم الفيزياء الفلكية في مركز جودارد للطيران الفضاء التابع لناسا في جرينبيلت-ميريلاند: "في حين أننا لا نعلم ما هي المادة المظلمة، إلا أننا نعلم أنها تتفاعل مع أجزاء الكون الأخرى عن طريق الجاذبيّة، مما يعنى أنها يجب أن تتراكم حول ثقوب سوداء عملاقة. ولا تقتصر تأثيرات الثقب الأسود على تركيز جسيمات المادة المظلمة بشكل طبيعي، وإنما تقوم قوة جاذبيّته كذلك بمضاعفة طاقة وعدد الاصطدامات التي يمكن أن تولد أشعة غاما".

 



محاكاة حاسوبية جديدة تستكشف العلاقة بين اثنتين من أكثر الظواهر مراوغةً فى الكون: الثقوب السوداء والمادة المظلمة. المصدر: مركز جودارد لطيران الفضاء التابع لناسا.


يصف شنيتمان في دراسة نُشرت فى مجلة الفيزياء الفلكية Astrophysics في 23 حزيران/يونيو نتائج محاكاة حاسوبية قام بتطويرها بهدف تتبع مدارات مئات الملايين من جسيمات المادة المظلمة، إضافة لتتبع أشعة غاما الناتجة عن تصادمها بجوار ثقبٍ أسود. وقد وجد أن جزءاً من أشعة غاما قد تدفق بطاقاتٍ أعلى بكثير من الحدود النظرية التي وُضعت سابقاً.

تتخذ المادة المظلمة في هذه المحاكاة شكل الجسيمات فائقة الكتلة ضعيفة التفاعل (Weak Interacting Massive Particles) أو اختصاراً (WIMPs)، والتي تعتبر حالياً، على نطاق واسع، المرشّح الرئيسي لما يمكن أن تكون عليه المادة المظلمة. وفى هذا النموذج، تُبَادُ WIMPs ومثيلاتها التى تصطدم بها بشكل مشترك، وتتحول كلتاهما إلى أشعة غاما، وهو الشكل الأكثر نشاطاً للضوء. لكن هذه التصادمات نادرة للغاية تحت الظروف العادية.

وقد اعتبر المراقبون خلال الأعوام القليلة الماضية أن الثقوبَ السوداء هي أجرام تعمل على تركيز المادة المظلمة، حيث تُجْبَرُ WIMPs على الاقتراب من بعضها البعض بطريقة تزيد كلاًّ من معدل التصادمات وطاقتها. وهذا المفهوم هو شكل مختلف لعملية بينروز (Penrose Process)، التي وصفها لأول مرة عالم الفيزياء الفلكية البريطاني السير روجير بينروز Sir Roger Penrose عام 1969 على اعتبارها طريقة لاستخلاص الطاقة من ثقب أسود دوّار. كلما دار الثقب الأسود بسرعة أكبر، كلما زاد ربح الطاقة المحتمل.


تكشف محاكاة حاسوبية جديدة أن جسيمات المادة المظلمة التى تدور حول ثقب أسود تنتج إشارة قوية وقابلة للرصد من أشعة غاما عالية الطاقة.

 

يظهر هذا التصور جسيمات المادة المظلمة ككرات رمادية متصلة بمسارات مظلّلة تمثل حركتها. تشير المسارات الأكثر احمراراً لجسيمات متأثرة بجاذبية الثقب الأسود بشكل أكبر، وأقرب لأفق الحدث (كرة سوداء فى المركز تجعلها المسارات شبه مختفية). يظهر الإرغوسفير (ergosphere)، حيث يجب أن تتبع كلُ المادة والضوء دوران الثقب الأسود، بلون أزرق ضارب إلى الخضرة. يُرى الثقب الأسود على امتداد قطره، ويدور من اليسار لليمين.
يظهر هذا التصور جسيمات المادة المظلمة ككرات رمادية متصلة بمسارات مظلّلة تمثل حركتها. تشير المسارات الأكثر احمراراً لجسيمات متأثرة بجاذبية الثقب الأسود بشكل أكبر، وأقرب لأفق الحدث (كرة سوداء فى المركز تجعلها المسارات شبه مختفية). يظهر الإرغوسفير (ergosphere)، حيث يجب أن تتبع كلُ المادة والضوء دوران الثقب الأسود، بلون أزرق ضارب إلى الخضرة. يُرى الثقب الأسود على امتداد قطره، ويدور من اليسار لليمين.

 

تظهر هذه الصورة إشارة أشعة غاما الناتجة في المحاكاة عن إبادة جسيمات المادة المظلمة. تشير الألوان الفاتحة إلى طاقات أعلى، حيث تكون أشعة غاما الأعلى طاقة، والمتولدة عن مركز المنطقة هلالية (الشكل على اليسار)، أقرب ما يكون لقطر الثقب الأسود وأفق الحدث. تتولد أشعة غاما ذات الفرصة الأكبر في الهروب في الجانب الذى يدور باتجاهنا من الثقب الأسود. هذا الانبعاث غير المتوازن هو خاصية نموذجية في الثقوب السوداء الدوارة.
تظهر هذه الصورة إشارة أشعة غاما الناتجة في المحاكاة عن إبادة جسيمات المادة المظلمة. تشير الألوان الفاتحة إلى طاقات أعلى، حيث تكون أشعة غاما الأعلى طاقة، والمتولدة عن مركز المنطقة هلالية (الشكل على اليسار)، أقرب ما يكون لقطر الثقب الأسود وأفق الحدث. تتولد أشعة غاما ذات الفرصة الأكبر في الهروب في الجانب الذى يدور باتجاهنا من الثقب الأسود. هذا الانبعاث غير المتوازن هو خاصية نموذجية في الثقوب السوداء الدوارة.


يحدث كل التفاعل في هذه العملية خارج أفق الحدث الخاص بالثقب الأسود "وهو الحد الذى لا يمكن أن يهرب أي شيء بعده من جاذبية الثقب الأسود" في منطقة مسطحة تدعى بالإرغوسفير (ergosphere). يسحب دوران الثقب الأسود الزمكان معه داخل الإرغوسفير، ويجبر كل شيء على الحركة في نفس الاتجاه وبسرعة تقارب سرعة الضوء. يخلق ذلك معملاً طبيعياً أكثر تطرفاً مما هو ممكن على الأرض.

كلما دار الثقب الأسود بسرعة أكبر، كلما كبر الإرغوسفير الخاص به، مما يسمح بحدوث تصادماتٍ عالية الطاقة أبعد عن أفق الحدث. يزيد ذلك من قدرة أشعة غاما المتولدة على الهروب من الثقب الأسود.

يقول شنيتمان: "لقد أظهر بحثُ سابق أن الطاقة القصوى الصادرة عن النسخة التصادمية من عملية بينروز كانت أعلى بــ 30 بالمئة فقط مما تبدأ به"، إضافة إلى ذلك، فإن جزءاً صغيراً فقط من أشعة غاما عالية الطاقة ينجح في الهروب من الإرغوسفير. تشير هذه النتائج إلى أنه قد لا يشاهد على الإطلاق دليلٌ واضح على عملية بينروز في ثقب أسود فائق الكتلة (supermassive black hole).

إلا أن الدراسات الأقدم قد تضمنت تبسيط الافتراضات حول المكان الأكثر احتمالية لوقوع التصادمات عالية الطاقة. ويتطلب التحرك قدماً بعد هذا العمل تطوير نموذج حاسوبي أكثر اكتمالاً، وهو نموذج قادر على تتبع أعداد كبيرة من الجسيمات التي تتجمع قرب ثقب أسود دوّار وتتفاعل فيما بينها.

ويقوم نموذج شنيتمان الحاسوبي بهذا العمل بالضبط، وذلك عن طريق تتبع مواقع وخصائص مئات الملايين من الجسيمات الموزعة عشوائياً وهى تتصادم وتدمر بعضها البعض قرب ثقب أسود. إن النموذج الجديد يكشف عمليات تنتج أشعة غاما بطاقات أعلى بكثير، إضافة إلى احتمالية أكبر للهروب والرصد مما كان يُعتقد أنه ممكن. لقد تم الكشف عن مسارات لم يسبق معرفتها، حيث تُولِّد التصادمات أشعة غاما بطاقة قصوى أكبر بـ14 مرة من طاقة الجسيمات الأصلية.

وباستخدام نتائج هذا الحساب الجديد، فقد صنع شنيتمان صورة مُحاكِيَةً لوهج أشعة غاما كما يُرى لمراقب بعيد ينظر بامتداد قُطر الثقب الأسود. يخرج الضوء الأعلى طاقة من مركز منطقة هلالية الشكل على جانب الثقب الأسود الذى يدور باتجاهنا. ومن هذه المنطقة، تمتلك أشعة غاما الفرصة الأكبر للهروب من الإرغوسفير حيث يمكن رصدها بالتلسكوب.

ويُعتبر هذا البحث بداية رحلة يأمل شنيتمان أن تُتوّج برصد غير قابل للجدل للمادة المظلمة المُبَادَة قرب ثقب أسود عملاق.

يقول شنيتمان: "تخبرنا المحاكاة بأن لدينا الإمكانية لرصد إشارة مثيرة للاهتمام من الناحية الفيزيائية الفلكية، ولن يكون ذلك في المستقبل البعيد جدًا طالما أن تلسكوبات أشعة غاما تتحسن باستمرار. والخطوة التالية هي تصميم نظام يمكّننا من استخدام الأجهزة الحالية والمستقبلية المستخدمة في رصد أشعة غاما من أجل ضبط معلوماتنا حول فيزياء الجسيمات، ونموذجنا للثقوب السوداء بشكل دقيق".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات