ميكانيك الكم يستمر بتحدي الحدس: فيزيائيون يبرهنون على وجود انتهاكات جديدة للواقعية المحلية

عبر توسيع نظرية غيسين لتشمل الحالات المختلطة، قد تتمتع نتائجُ ورقةٍ علمية جديدة بتطبيقات في مجال برتوكولات الترخيص الكمومي كتلك الموجودة في الصورة.

المصدر:   Chen, et al. ©2015 Nature Scientific Reports


في إحدى المرات، أعلن إرفين شرودينجر Erwin Schrödinger أن التشابك الكمومي (quantum entanglement) هو "السمة المميزة لميكانيك الكم"، التي تفصله عن غيره من النظريات الكلاسيكية.

الآن، وفي ورقةٍ علميةٍ جديدةٍ، برهن فيزيائيون على وجود عائلةٍ جديدةٍ من الحالات المتشابكة (entangled states) التي تنتهِكُ مبدأَ الواقعيةِ المحليةِ (local realism)، والذي يُعتبَر مفهوماً بديهياً يُشكِّل مِيزةً قياسيةً للنظريات الكلاسيكية، لكنها ليست الحالَة مع نظرية الكم.

عندما يتشابك جسمان، يؤثِّر القياسُ المُجرَى على أحد الجسمين -وبشكلٍ لحظيٍّ- على حالة الجسم الآخَرِ، ويجري الأمر بسرعةٍ أكبر من السرعة التي يُمكن للضوء أن يتحرك بها بين الجسمين، وينتهك هذا الفعل اللحظي حدسنا الذي يقول بأن الجسم يجب أن يتأثر بوسطه المحيط فقط، وهو مفهوم ندعوه بالمَحَلِّيَّة (locality).

على مدار أعوامٍ، ناضل علماءُ الفيزياء للإجابة بشكلٍ قاطعٍ عن السؤال المتعلِّق بما إذا كانت الحالاتُ المتشابِكة تنتهِكُ الواقعَ المحلِّيَّ أم لا. وبمعنى آخر: هل تنتهِك تلك الحالاتُ المحليةَ أو الواقعيةَ؟ علمًا أن الواقعِيَّةَ هي -ببساطة- الافتراض القائل بأن الأجسام تُوجد حتى عندما لا تكون مرصودة.

على الرغم من الاشتباه طويل الأمد الذي يقول بأن بعض الحالات المتشابكة -على الأقل- تنتهِكُ الواقعيةَ المحليةَ جراءَ تأثرِها اللحظي ببعضها، إلا أن إثباتَ هذا الأمر كميّاً لم يُنجَز حتى العام 1991 بمجيء عالم الفيزياء نيكولاس غيسين Nicolas Gisin من جامعة جينيف، والذي أثبت أنه على جميع الحالات المتشابكة النقية انتهاك الواقعية المحلية، وتُعرف هذه النتيجة اليوم باسم نظرية غيسين (Gisin's theorem). 

في ميكانيك الكم، الحالة المتشابكة النقية هي الحالة المحددة بشكلٍ تام. لكن يُعتبَر القسمُ الأكبرُ من الحالات المتشابكة عبارةً عن حالات مختلطة إلى درجةٍ ما، مما يعني أنها تتألف من تجمُّعِ أنواع متعددة من الحالات النقية. وعلى الرغم من أن نظرية غيسين تصمد فقط بالنسبة للحالات المتشابكة النقية، إلا أن علماء الفيزياء -مع مرور الأعوام- وسّعوا النظرية عبر البرهان على قدرة بعض الأنواع الأخرى من الحالات على انتهاك الواقعية المحلية.

في الورقة العلمية الجديدة المنشورة في مجلة Nature Scientific Reports، برهن جينغ-لينغ شين Jing-Ling Chen​ وزملاؤه من معاهدَ في الصين وسنغافورة، أن كل الحالات المختلطة التي تخضع إلى نوعٍ محدد من خواصِّ التوجيه يجب أن تَنتهِكَ الواقعيةَ المحليةَ. وقد تقود هذه العائلة الجديدة من الحالاتِ المختلطةِ المُنتهِكَةِ للواقعية المحلية إلى الحصول على فهمٍ أساسي أفضل للترابطات الكمومية (quantum correlations)، بالإضافة إلى تبسيط تطبيق بعض بروتوكولات المعلومات الكمومية.


يقول شين، وهو عالمُ فيزياء في جامعة نانكاي في الصين والجامعة الوطنية في سنغافورة: "هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من تعميم نظرية غيسين المُعززة، والتي قمنا بتطويرها من الحالات النقية إلى الحالات المختلطة، لتصبح نظريةُ غيسين الأصليةُ حالة خاصّة".

مفهومان منفصلان: 


يشرح شين المسألة بالتفصيل قائلاً: "لطالما عرفنا انطلاقاً من ورقة فيرنر Werner عام 1989 التي تحمل عنوان 'حالات كمومية مع ترابطات أينشتاين-بودولسكي-روزن التي تقبل نموذجاً يتضمن متغيّرة خفية'' (Quantum states with Einstein-Podolsky-Rosen correlations admitting a hidden-variable model) أن التشابك وانتهاك الواقعية المحلية عبارةٌ عن مفهومين منفصلين، إذ تسمح بعضُ الحالات الكمومية المتشابكة بوجود نموذجٍ متحولٍ محلّيٍّ خَفِيٍّ، وبالتالي لا تنتهِك الواقعيةَ المحلية. ومن هنا، يظهر سؤال مهم: هل يُمكننا تحديد الشرط الذي يُقيِّد الحالات الكمومية بالنسبة لتلك الحالات التي يُكافئ فيها التشابكُ انتهاكَ الواقعيةِ المحليةِ؟ إحدى الشروط الواردة هي النقاوة (purity)، إذ تنتهِك أيُّ حالةٍ كموميةٍ نقيةٍ لا متساويات بيل (Bell's inequalities)، ويُعرف ذلك بنظرية غيسين".

ويتابع قائلاً: "لكنْ لطالما ركّز الباحثون على افتقار الحالات المختلطة الأكثر عموميةً لوجود مثل هذا الشرط، ولا يُعتبَر الشرطُ الأكثرُ عموميةً أمراً ذا أهميةٍ عظيمة بالنسبة لوجهة نظر النظرية، فقط من حيث الحاجة إلى فهمٍ أعمقَ للترابطات الكمومية، وإنما بالنسبة للتجارب أيضاً، وبالنسبة لتطبيقات المعلومات الكمومية. طالما أن النظام الكمومي يتفاعل حتميّاً مع بيئته، فإن الحالات الكمومية ستكون مختلطةً إلى درجةٍ ما. وفي هذا العمل، تعامَلْنا مع هذه المسألة واقترحنا استخدام مفهوم توجيه أينشتاين-بودولسكي-روزن كشرطٍ للوصل بين التشابك والانتهاكات الحاصلة للواقعية المحلية".

ثلاثة أشكال من الترابطات:


كما شرح شين، يُمكن التفكير بالتشابك، والتوجيه، والانتهاكات الخاصة بالواقعية المحلية على أنها ثلاثة أشكال مختلفة من الترابطات الكمومية التي تُشكِّل بِنْيةً هرميةً (hierarchical structure)، مع الأخذ بالاعتبار أن انتهاكاتِ الواقعية المحلية هي الشكلُ الأقوى. أما التوجيه -وهو الشكل الوسطي- فيأخذ ترابطات التشابك خطوةً أبعدَ بحيث يُمكن للنظام التحكُّمُ بِـ -أو توجيه- حالة شريكه المتشابك.

وعند هذه النقطة، برهن علماءُ الفيزياء أنه إذا ما كان راصدان قادران على توجيه البِتَّات الكمومية (qubits) الخاصةِ بكلٍّ منهما إلى حالاتٍ نقيةٍ، عبر إجراء قياس على البِت الخاص بهم ، فإن ذلك يؤدي إلى الانهيار اللحظي لحالة البت الكمومي الآخَر. وبعد ذلك حتى لو كانت البتاتُ الكمومية الأصلية في حالاتٍ مختلطةٍ، فإنه يجب أن تنتهِك الواقعيةَ المحليةَ. 

يشرح شين الأمر بالقول: "هذا الشرط المقترح هو أكثر جوهرية، وفي منطق توجيه أينشتاين-بودولسكي-روزن، يُعتبر بالتعريف شكلاً من الترابط الكمومي الوسطي بين التشابك والشكل الأكثر قوة بكثير: انتهاك الواقعية المحلية. تُقدم نتائجُنا خطوةً مهمةً جداً نحو حلِّ مسألةٍ طويلة الأمد، وتهدف إلى تحديد الشرط الفيزيائي الذي يُؤكِّدُ -وبشكلٍ آلي- حصولَ انتهاكٍ للواقعية المحلية من قِبَلِ حالةٍ متشابكة".

إجمالياً، تُساعد هذه النتائجُ في التأسيس لمعيارٍ دقيقٍ لرسم الحدود بين تلك المفاهيم الثلاث المرتبطةِ جداً، ولكن المختلفة في الوقت نفسه. ويُضيف شين: "في البنية الهرمية للتشابك، والتوجيه، وانتهاكات الواقعية المحلية، يحتوي السابق ما تبقى على شكل مجموعات فرعية، ويُعتبر رسمُ الحدود بين تلك الأمور مسألةً ليست بعديمة الأهمية، لأنه ليس من السهل –عموماً- إنتاجُ تشابكٍ للمجاميع بالنسبة لانتهاكات الواقعية المحلية الفرعية عبر فرضِ قيودٍ إضافيةٍ، فهي ممثَّلَةٌ في عملنا بتوجيه EPR فقط".

يشرح العلماء أن العائلة الجديدة للحالات المنتهِكة للواقعية المحلية قد تُقدِّم مصدراً جديداً لمهامِّ المعلومات الكمومية، عبر تخفيض عدد الجسيمات المتشابكة اللازمة لإجراء مهمةٍ ما. أحد الأمثلة على ذلك هو بروتوكول تشفير الرجل الثالث (Third Man cryptography protocol) المعروف أيضا بالتشاركية السرية (secret sharing)، وفيها يُمكن لطرفٍ ثالثٍ التحكُّمُ بقدرةِ شخصين على الاتصال الآمِنِ مع بعضهما.

تطلبت النسخ السابقة من هذا البروتوكول وجودَ ثلاثة بتات كمومية متشابكة. ولكن بسبب كون دقة الحالات الكمومية الثلاثية المتشابكة أقل من 90% حالياً، تُعتبَرُ العمليةُ معرضةً لحصول كثيرٍ من الأخطاء. لكن باستخدام الحالات الجديدة، يُمكن تطبيقُ البروتوكول بوجودِ بتينِ كموميَيْن متشابكين فقط، وهما يملكان دقةً أكبر من 99% وبالتالي معدل خطأ أقل بكثير. 

ومن بين التطبيقات المحتمَلَة الأخرى لهذا العمل، نجد الشهادات المرخصة كمومياً (quantum certificate authorization)، وفيها يُرسِل شخصٌ ما رسالةً سريةً عبر الإنترنت إلى شخصٍ آخَرَ بحيث يُمكن للأول سؤال طرفٍ ثالثٍ للتأكُّدِ من هويّة الشخص. 

إحدى الطرق التي يُمكن من خلالها للشخص الثالث القيامُ بهذا الأمر هي التأكُّدُ من أن كلاً من المُرسِل والمستقبِلِ يستطيعُ توجيهَ البتاتِ الكموميةِ الخاصة ببعضهما إلى حالاتٍ نقية. وإذا استطاعا ذلك، يجب أن تنتهِكَ الحالاتُ المتشابكةُ الواقعيةَ المحليةَ، مما يؤدي إلى حصولِ بروتوكول آمنٍ. 

يُخطط علماءُ الفيزياء لاستخدام العائلة الجديدة من الحالات المختلطة الموجهة بمفعول EPR للتأكُّدِ تجريبياً من تلك البروتوكولات في المستقبل القريب.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • التشابك الكمومي (quantum entanglement): التشابك الكمومي: ظاهرة كَمّية ترتبط فيها الجسيمات الكميّة ببعضها، رغم وجود مسافات كبيرة تفصل بينها. مما يقود إلى ارتباطات في الخواص الفيزيائية المقيسة لهذه الجسيمات الكمّية. المصدر: العلوم الأمريكية.
  • الترابطات الكمومية (quantum correlations): هي واحدة من بين أكثر مميزات ميكانيك الكم المنافية للبديهة، وتشمل الطبيعة اللامحلية التي أدت إلى حصول ابتعاد أساسي وكبير عن الفيزياء الكلاسيكية، ويسمح ميكانيك الكم بوجود تلك الترابطات بين قيم القياسات المجراة في مواقع منفصلة مكانياً وهو أمر لا يُمكن أن يحصل أبداً في الميكانيك الكلاسيكي، ودعاها اينشتاين بالفعل الشبحي عن بعد.
  • الواقعية المحلية (local realism): الواقعية المحلية هي سمة مميزة لكل من الميكانيك الكلاسيكي والنسبية العامة والإلكتروديناميك، لكن ميكانيك الكم يرفض هذا المبدأ بشكل كبير جراء وجود التشابكات الكمومية. والواقعية لدى علماء الفيزياء تختلف عما هي الحال في ما وراء الطبيعية، وهي تنص بالمختصر على أن العالم مستقل بشكلٍ ما عن العقل,

اترك تعليقاً () تعليقات