الحوسبة الكمومية وإمكانياتها الهائلة

 موجة دي D-Wave

إن الشيء الوحيد المعروف للجميع حول ميكانيكا الكم هو الغرابة الأسطورية التي تتمتع بها، حيث أن المبادئ الأساسية التي تحكمها تبدو غريبةً على الكون الذي نعيش فيه. كالتراكب Superposition، والذي يمكن للأجسام فيه أن تكون في حالتين في آنٍ واحد، على سبيل المثال، مفتاحٌ في حالة عمل On وإطفاء Off معاً، قطة حية وميتة في نفس الوقت (قطة شرودنجر).


أو التشابك Entanglement، الذي يدعوه أينشتاين Einstein "الفعل الشبحي في المسافة spooky action-at-distance" والذي تكون الأجسام فيه مرتبطةً بشكلٍ غير مرئي، حتى لو كانت تفصلها مسافاتٌ هائلة.

ولكن بغض النظر عن غرابتها، فإن نظرية الكم تُقارب المئة عامٍ من عمرها، ووجدت العديد من التطبيقات لها في الحياة اليومية، كما قال جون فون نيومان John von Neumann ذات مرة: "أنت لا تفهم ميكانيكا الكم، أنت فقط تعتاد عليها". العديد من الإلكترونيات تعتمد في أساسها على ميكانيكا الكم، كما أن تطبيق ميكانيكا الكم في الحوسبة، من الممكن أن يفتح الباب أمام إمكانياتٍ ضخمةٍ للحسابات المعقدة، ومعالجة البيانات التي نراها اليوم.

تخيل لو أن مُعالج حاسوبٍ قادر على استخدام خاصية التراكب، ولحساب النتيجة لعددٍ كبيرٍ من التبديلات الاعتباطية لمشكلةٍ معقدةٍ في آنٍ واحد. تخيل كيف يمكن لخاصية التشابك أن تُستخدم لتسمح للأنظمة في أرجاء مختلفة من العالم أن تصبح مرتبطةً وأن تجتمع جهودها، على الرغم من الفصل الفيزيائي بينهما.


إن للحوسبة الكمومية إمكانيات هائلة، مُسلطةً الضوء على مجموعةٍ من أصعب المهام، كمحاكاة استجابة أجسامنا للمخدرات وتوقع أنماط الطقس، أو تحليل قواعد بياناتٍ كبيرة.

وهناك حاجة لمثل هذه الإمكانيات في المعالجة، حيث أن أولى الترانزستورات يمكن فقط أن تُحمل باليد، أما في يومنا هذا، فهي من أبعاد 14 نانومتراً -أي ما يعادل 500 مرةٍ أصغر من كرية الدم الحمراء- وهذا الانخفاض المستمر في حجم الترانزستورات، قد توَقعه مؤسس شركة إنتل Intel "جوردون مور Gordon Moore" حيث يُعرف بـ قانون مور Moore's law، وقد صمد هذا القانون صحيحاً لمدة 50 عاماً، ولكن لا يمكنه الصمود إلى الأبد، حيث لا يمكن للسيليكون أن يتقلص إلى حدٍّ بعيد، وإذا أردنا الحفاظ على الفائدة من التقدم في الأداء الذي اعتدناه، فإننا نحتاج إلى نهجٍ آخر.

الصناعات الكمية


تقدمٌ كبيرٌ في صناعة أشباه الموصلات قد جعل الإنتاج الضخم للدارات الإلكترونية -ذات أشباه الموصلات المعتمدة على فيزياء الكم- أمراً ممكناً، التي تبدي تأثيرات كمومية مثل التشابك والتراكب.

نسخة مطابقة لأول ترانزستور على الإطلاق، تم تصنيعه في مختبرات بل Bell Labs في عام 1947، حقوق الصورة: لوسنت للتكنولوجيا Lucent Technologies
نسخة مطابقة لأول ترانزستور على الإطلاق، تم تصنيعه في مختبرات بل Bell Labs في عام 1947، حقوق الصورة: لوسنت للتكنولوجيا Lucent Technologies


التقطُت الصورة عند المستوى الذري، والتي تُظهر مقطعاً عرضياً خلال أحد المرشحين المحتملين لوحدات البناء في أحد الحواسيب الكمومية، حلقة من أبعاد النانومتر شبه الموصلة. حيث أن الإلكترونات المحاصرة في هذه الحلقة تبدي الخواص الغريبة لميكانيكا الكم، كما أن عمليات تصنيع أشباه الموصلات تستعد لتكامل بين هذه العناصر الضرورية لبناء الحاسب الكمومي، وبينما نحن قد نكون على مقدرةٍ من بناء حاسوبٍ كموميٍّ باستخدام بُنى كهذه، إلا أنه لا تزال هناك تحديات كبيرة معنية.

في معالج الحاسوب الكلاسيكي، يوجد عددٌ ضخمٌ من الترانزستورات التي تتفاعل بشكلٍ مشروطٍ ومتوقعٍ مع بعضها البعض، ولكن سلوك ميكانيكا الكم هش للغاية، فعلى سبيل المثال، في فيزياء الكم حتى قياس حالة النظام -كالكشف فيما إذا كان المفتاح الإلكتروني في حالة عمل أم لا- فإن ذلك عملياً يغير من حالة ما هو تحت عملية القياس، وبتشكيل أوركسترا من نظمٍ كمومية، لإنتاج مخرجات مفيدة لا يمكن التعامل معها بسهولة باستخدام الحواسيب التقليدية وستكون صعبة التنفيذ.

ولكن توجد استثماراتٌ ضخمة، فعلى سبيل المثال، أعلنت حكومة المملكة المتحدة عن 270 مليون يورو لتمويل تكنولوجيا الكم في عام 2014، وكلٍ من شركة غوغل Google وناسا Nasa ولوكهيد مارتن Lockheed Martin، يعملون أيضاً في نفس المجال، إنه لمن الصعب التنبؤ بوتيرة التقدم، ولكن من الممكن أن تفصلنا عشرة أعوامٍ فقط عن حاسوب كمومي مفيد.

إن العنصر الرئيسي في الحوسبة الكمومية هو ما يعرف بـ "كيوبت qubit"، وهو المكافئ الكمومي للبت المستخدم في الحواسيب التقليدية. حتى يومنا هذا، استخدم العلماء الأنظمة الكمومية لتمثيل الكيوبت بعدة طرقٍ مختلفة، تتراوح من الشوائب في الألماس، حتى البنى شبه الموصلة من رتبة النانومتر (1 نانومتر=\(1×10^{-9}\) متر) أو الدارات الصغيرة ذات الناقلية الفائقة، وكل واحدةٍ من هذه الطرق لها مميزاتها و عيوبها، ولكن أياً منها لم تحقق بعد كل متطلبات الحاسوب الكمي، التي تُعرف بـ (The DiVincenzo criteria) نسبةً للعالم David P. DiVincenzo.


وقد أتى التقدم الأكثر إثارةً للإعجاب من أنظمة شركة "الموجة دي D Wave" الشركة التي تمكنت من وضع مئات الكيوبت في رقاقةٍ صغيرةٍ جداً تشبه في المظهر المعالج التقليدي.

دارة كمومية، حقوق الصورة: باول كوينراد Paul Koenraad/ جامعة آيندهوفن للتكنولوجيا TU Eindhoven.
دارة كمومية، حقوق الصورة: باول كوينراد Paul Koenraad/ جامعة آيندهوفن للتكنولوجيا TU Eindhoven.


أسرار الكم


إن الفوائد من استغلال تكنولوجيا الكم غير محدودةٍ بالحوسبة الكمومية، على أي حال، إن كانت الحوسبة الكمومية ستدفع أو ستحد من الحوسبة الرقمية، فإن نفس التأثيرات الكمومية ممكن استغلالها لأغراض أخرى، والمثال الأكثر نضجاً على ذلك هو الاتصالات الكمومية.


وقد اقتُرحت فيزياء الكم كوسائل لمنع التلاعب وتزوير الأشياء النفيسة، كالأوراق المصرفية والألماس، كما هو موضح في الصورة أدناه، هنا تكون المبادئ الاستثنائية السلبية المتضمنة في فيزياء الكم ذات فائدةٍ كبيرة، حيث لا يمكن تصنيع نسخ متوافقة تماماً لحالات غير معروفة، كما أن عملية القياس تغير النظام الذي يتم قياسه، وهذين الحدين يعملان جنباً إلى جنب لمكافحة التزييف في هذا النهج.

إن مفهوم الأموال الكمومية quantum money، هو -ولسوء الحظ- غير عملي للغاية، ولكن نفس الفكرة تم توسعتها بنجاحٍ في الاتصالات. الفكرة بسيطة، إن عملية قياس حالات التراكب الكمية تغير مما نحاول قياسه، لذا، فإنه من الممكن اكتشاف وجود متنصت يقوم بمثل هذا القياس، وباستخدام البروتوكول الصحيح مثل BB84، فإنه من الممكن الحصول على اتصالٍ آمنٍ وخاص، والتمتع بالخصوصية التي تكفلها القوانين الفيزيائية الرئيسية.

وضع شيفرة كمومية للباركود القياسي يمنع الاحتيال والتزوير للبضائع الباهظة، حقوق الصورة: روبرت يونغ.
وضع شيفرة كمومية للباركود القياسي يمنع الاحتيال والتزوير للبضائع الباهظة، حقوق الصورة: روبرت يونغ.


إن نُظم الاتصالات الكمومية متاحة تجارياً من شركاتٍ مثل توشيبا Toshiba وشركة الهوية الكمومية ID Quantique، في حين أن تنفيذ هذه الأنظمة صعب ومكلف الآن، ولكنها ستصبح مبسطةً ومصغرة، تماماً كما تم تصغير الترانزستورات في السنوات الستين الأخيرة. إن التحسينات في تقنيات تصنيع النانوية ستُسرع من تطور التكنولوجيا ذات الأساس الكمومي بشكلٍ كبير، وفي حين أن الحوسبة الكمومية ما تزال تبدو بعيدةً بعض الشيء، لكنها ذات مستقبلٍ مثير حقاً.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • البت الكمومي (qubit): البت الكمومي (الكوبت): هو المكافئ الكمومي للبت الرقمي الثنائي الموجود في الحساب التقليدي. لكنَّ هذا البت الكمومي موجود في الحساب الكمومي. يُعتبر هذا الكوبت الوحدة الأساسية للمعلومات في الحواسب الكمومية، تماماً كما يُعتبر البت التقليدي الوحدة الأساسية للمعلومات في الحواسب التقليدية. المصدر: معهد ميكانيك الكم.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات