دراسة تقترح أن الكوكب الأحمر كان جليديًّا وليس مائيًّا قبل مليارات السنين

ربّما لم تكن البحار العالية للمرّيخ موجودة أبدًا. حسب دراسة جديدة تبحث في سيناريوهين مناخيين متعاكسين في وقت مُبكّر على المرّيخ، فإن السيناريو القائل بأن الكوكب كان جليديًا وباردًا قبل مليارات السنين يفسر تصريفات المياه وملامح التّعرية الظّاهرة اليوم بشكلٍ أفضل من السيناريو الآخر.

لعقود من الزمن، اختلف الباحثون حول تاريخ مناخ المريخ وكيف أن مناخه المبكر أدى إلى تكوين العديد من القنوات المنحوتة بالماء والموجودة الآن هناك. تكمن الفكرة في أن المريخ كان دافئًا، ورطبًا، وشبيهًا بالأرض قبل 3-4 مليارات سنة، كما كان له بحر شمالي -وهي الظروف التي قد تسمح بوجود حياة. هذه الفكرة مقبولة، بالعموم، أكثر من قبول الفكرة الأخرى حول كوكب قارس متجمد تكون فيه المياه محبوسة في جليد أغلب الوقت، وستكون فيه الحياة صعبة النشوء.

بهدف رؤية أي النموذجين يفسر السمات الحالية للكوكب بشكل أفضل، فقد قام روبن ووردسورث Robin Wordsworth، وهو أستاذ مساعد في العلوم والهندسة البيئية في كلية هارفارد جون أ. بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية، وزملاؤه باستخدام نموذج دوران مناخي ثلاثي الأبعاد لمقارنة دورة المياه على المريخ تحت سيناريوهات مختلفة جرت قبل 3 إلى 4 مليارات سنة، وذلك خلال الفترتين اللتين تُسَمَّيان بالفترة النوحِيَّة المتأخرة، والفترة الهيسبيرية المبكرة [1].


استخدم روبن ووردسورث، الأستاذ المساعد في العلوم والهندسة البيئية في كلية هارفارد جون أ. بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية، وزملاؤه نموذجَ دوران للغلاف الجوي لمقارنة دورة الماء على المريخ في إطار سيناريوهات مختلفة تعود لـ 3-4 مليارات سنة. الصورة اليسرى تظهر المريخ على أنه كوكب دافئ رطب، وذو حرارة بمقدار 10 درجات مئوية (50 فهرنهايتًا)، واليمنى تظهر المريخ كوكبًا باردًا جليديًّا، بدرجة حرارة تصل إلى 48 درجة مئوية تحت الصفر (54- فهرنهايتًا).
استخدم روبن ووردسورث، الأستاذ المساعد في العلوم والهندسة البيئية في كلية هارفارد جون أ. بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية، وزملاؤه نموذجَ دوران للغلاف الجوي لمقارنة دورة الماء على المريخ في إطار سيناريوهات مختلفة تعود لـ 3-4 مليارات سنة. الصورة اليسرى تظهر المريخ على أنه كوكب دافئ رطب، وذو حرارة بمقدار 10 درجات مئوية (50 فهرنهايتًا)، واليمنى تظهر المريخ كوكبًا باردًا جليديًّا، بدرجة حرارة تصل إلى 48 درجة مئوية تحت الصفر (54- فهرنهايتًا).


وجد مؤلفو الدراسة أن حدوث السيناريو البارد كان أرجح من حدوث السيناريو الدافئ، معتمدين على ما كان معروفًا حول تاريخ الشمس وميل محور كوكب المريخ في الماضي. يفسر النموذج البارد بشكل أفضل آثارَ الحت نتيجة للمياه التي خُلِّفت على سطح المريخ، التي حيرت وأثارت اهتمام العلماء منذ أن اكتشفتها المركبة المدارية فايكينغ (Viking orbiters) في 1970.

قُبلت ورقة علمية توضح هذه النتائج من أجل نشرها في دورية Journal of Geophysical Research: Planets.

قال ووردسورث: "كان السيناريو الأبردُ أكثرَ وضوحًا لأنْ يُعتمد نموذجًا، لأن المريخ لا يحصل إلا على 43% من الطاقة الشمسية التي تحصل عليها الأرض، وأُضاءت المريخَ في المراحل المُبكّرة شمسٌ أقلُّ عمرًا من شمسنا الآن، حيث يُعتقد أنها كانت باهتة أكثر بـ 25% مما هي عليه الآن، وهذا يجعل من المحتمل جدًا أن المرّيخ المُبكّر كان باردًا وجليديًا. وبسبب الميلان الشديد لمحور المريخ، تتوجه أقطاب الكوكب نحو الشمس ويَنْزَحُ الجليد القطبي إلى خط الاستواء حيث نرى آثار الحت وقنوات المياه في يومنا هذا".

الأكثر أهمية أنه في ظل غلاف جوي أسمك، تُصبح مناطق المرتفعات الاستوائية أبرد، و تصبح المناطق المنخفضة الشمالية أدفأ، هذا هو "تأثير المرتفعات الجليدية" الذي يُمثّل السبب في وجود قمم الجبال المغطاة بالثلوج على الأرض اليوم. أضاف ووردسورث أنه برغم وجود عدد من عوامل الاحتباس الحراري، بما في ذلك الغلاف الجوي السّميك المملوء بثاني أوكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري، فإن المريخ كان ليبقى باردًا جدًا.

قال ووردسورث أن تكوينَ نموذج لكوكب المريخ الحار والرطب أخذ منهم المزيدَ من الجهد، وأظهرت الدراسات السابقة أنه حتى عند أُخذ تأثير سُحب الاحتباس الحراري والغبار وثاني أوكسيد الكربون بعين الاعتبار، لم تُظهر نماذجُ المناخ أن المريخ في مراحله المُبكّرة سيطور أي فترات رطبة أو دافئة.

كما قال أن الظروف التي كانت موجودة في المراحل المبكرة من المريخ مختلفة عما يعتقد العلماء. أضاف مؤلفو الدراسة التأثيرات المناخية المختلفة لنموذجهم من أجل إجبار المريخ ليكون في حالة أدفأ وأكثر رطوبة، ومع ذلك، فإن اعتبار المريخ رطبًا ودافئًا في مراحله المبكرة لا يفسر الشكلَ الموجود الآن والمتكون بسبب آثار حت المياه وشبكات الوديان، والتي ترُصد اليوم على المريخ، كما لا يفسر لماذا تميل هذه الخصائص للتركز قرب خط استواء الكوكب.

في إطار النموذج الحار والرطب، تفاوتت معدلات هطول الأمطار كثيرًا مع خطوط الطول والعرض. ويتنبأ النموذج الحار والرطب أنه في وقت مبكر للمريخ، كان المطر في أعلى مستوياته في منطقة تدعى "المنطقة العربية" Arabia Terra، وحول "حوض هيلاس" Hellas basin، متضمنةً المناطق الواقعة غرب وجنوب شرق الحوض، حيث تم العثور على عدد قليل من آثار تصريف المياه الآن، وفي الوقت نفسه فإن العديد من مناطق الأودية المنحوتة بفعل المياه، مثل "خليج اللؤلؤ" Margaritifer sinus، والذي تلقى ما مقداره عُشرٌ إلى جزء من عشرين مما تلقت المنطقة العربية وحوض هيلاس في إطار السيناريو الدافئ والرطب.

في السيناريو الدافئ والرطب، تشكل الجبال ظلالًا للأمطار، كتلك الموجودة في الأرض، والتي تنتزع المياه من الغيوم، مساهمة في تكوين الصحارى على الأرض. أما على المريخ، سيكون من المقدر لـ "نتوء ترسيس" bulge of Tharsis أن يكون قد سبّب هطول مزيد من الأمطار في الجهة الغربية لمهب الريح لهضبة بركانية، حيث تُرى بعض آثار الأمطار. إلى الشرق، وفي اتجاه هبوب الريح بعيدًا عن النتوء، سيكون من المقدر أن يتدفق هواء أكثر جفافًا إلى خليج اللؤلؤ، مما سيتسبب في نقصٍ بهطول الأمطار، وهذا الوضع لا يتطابق مع آثار التصريف التي لوحظت هناك.

وقال ووردسورث أن السيناريو الجليدي والبارد غير مثالي. وفي هذا السيناريو، بينما يتجمع الماء المتجمد بشكل أقرب لآثار التصريف على المريخ، فإنه يجب أن يكون قد وُجد شيءٌ ما ليذيب الجليد الذي نحت الوديان. وفي هذا السيناريو، يكون المناخ باردًا أغلب الوقت، ومن ثم تتسبب الأحداث قصيرة الأمد، من مثل الاصطدامات النيزكية، والانفجارات البركانية، بالذوبان اللازم.

قال ووردسورث: "أنا لا أزال أحاول التفكير بعقل منفتح حول هذا، هناك الكثير من العمل علينا القيام به".

قالت بيثاني إيلمان Bethany Ehlmann عالمة الكواكب في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا بولاية كاليفورنيا، والتي لم تشارك في الدراسة: "إثبات فكرة أن المناخ البارد في الفترات المبكرة من المريخ قد كان السبب في ظهور الخصائص الظاهرة على الكوكب اليوم، هذا الإثبات سيجيب على سؤال كبير".

وقالت إيلمان: "تُجيب الورقة الجديدة على جزء من السؤال عن طريق إظهار مناطق مع ثلوج في إطار السيناريو البارد والمتجمد، تتطابق تقريبًا مع مواقع شبكة الأودية التي نراها اليوم، وعلاوة على ذلك يظهر نموذج المريخ المبكر البارد أن بعض ذوبان الثلوج ممكنٌ أن يحدث".

وقالت: "نحن نعرف من المسبار ومن قاعدة بيانات المركبة المدارية أنه كانت توجد بحيرات على سطح المريخ القديم". وأضافت: "الأسئلة الرئيسية هي: كم من الوقت استمرت هذه البحيرات في الوجود؟ هل كانت تحدث على فترات متقطعة أو كانت مستمرة الوجود؟ هل اكتفت شبكة الأودية الرافدة بالمطر، أو كانت ثلجية ويكفيها الجليد الذائب؟".

بدأت النمذجة المناخية ثلاثية الأبعاد في البحث عن إجابة لهذه الأسئلة، وذلك من خلال مستوى أعلى من حيث التعقيد، وذلك من خلال دراسة كيف يمكن أن تُجمع الأمطار والثلوج في مواقع محددة.


ملاحظات:


[1] الفترة النوحِيَّة (Noachian period): هي الفترة الجيولوجية الأولى على كوكب المريخ. أما الفترة الهيسبيرية (Hesperian period): هي الفترة المتوسطة والمرحلة الانتقالية من تاريخ المريخ، تتميز بالنشاط البركاني على نطاق واسع وبالفيضانات الكارثية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات