علماء يجدون طريقة جديدة لابتكار ذكريات أطول أمداً

يظهر في الصورة الدكتور روبرت غرين Robert Greene (على اليمين)، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب في المركز الطبي الجنوبي الغربي لـ UT، وألكس سونبورن Alex Sonneborn، وهما في برنامج الدراسات العليا لعلم الأعصاب لـ UTSW، يقفان بجانب زايس أكسوكوب 2 Zeiss Axokop2، معدات للتحفيز البصري الوراثي والتسجيل الفيزيولوجي الكهربائي، تسمح لهما بالمراقبة والتلاعب بالخلايا العصبية الحية. غرين وسونبورن هما المؤلفان الرئيسان -على التوالي- في دراسةٍ وجدت أن التجارب التي تشد الانتباه تؤدي إلى تحرير المواد الكيميائية المعززة للذاكرة لتساعد في طبع الذكريات داخل الدماغ.

 

تخيل لو أن لعب لعبة فيديو جديدة أو ركوب قطار الملاهي، هي أعمال يمكنها أن تساعدك للتحضير لاختبارك أو تذكر معلومات حاسمة أخرى. وجدت دراسة جديدة على الفئران أن هذا الارتباط ممكن.

تؤدي تجارب جذب الانتباه لإطلاق المواد الكيميائية المعززة للذاكرة، وتستطيع هذه المواد الكيميائية أن تحفر الذكريات داخل الدماغ، والذي يحدث قبل أو بعد التجربة بفترةٍ قصيرة، بغض النظر عما إذا كانت التجارب متعلقة بالحدث أم لا، وفقاً لباحثين في المركز الطبي الجنوبي الغربي لـ UT التابع لمعهد بيتر أودونيل الابن للدماغ Peter O'Donnell Jr. Brain Institute.

قال الباحثون إن النتائج التي نشرت في دورية Nature، تحمل في طياتها مقتضياتٍ مثيرةً للاهتمام لأساليب التعلم في الصفوف المدرسية، بالإضافة لمجموعة من الاستخدامات المحتملة في مكان العمل وفي الحياة الشخصية.

تكمن خدعة ابتكار ذكرياتٍ طويلة الأمد، في إيجاد شيء ما مثير للاهتمام بما فيه الكفاية لتنشيط إطلاق الدوبامين dopamine من منطقة الموضع الأزرق locus coeruleus (LC) في الدماغ.

يقول الدكتور روبرت غرين Robert Greene، مؤلف مشارك رئيسي وأستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب في معهد أودونيل للدماغ: "تفعيل الموضع الأزرق يزيد من ذاكرتنا للأحداث التي تحدث في وقت التفعيل، وقد تزيد أيضاً من استرجاع هذه الذكريات في وقتٍ لاحق".

توضح الدراسة في المستوى الجزيئي لماذا يميل الناس لتذكر أحداث معينة في حياتهم بوضوحٍ خاص، وكذلك التفاصيل غير ذات الصلة المحيطة بتلك الأحداث، على سبيل المثال، ماذا كانوا يفعلون في الساعات التي سبقت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، أو أين كانوا عندما اغتيل جون كينيدي.

يقول الدكتور غرين: "الدرجة التي تتعزز بها تلك الذكريات، ربما لها علاقة مع درجة تنشيط الموضع الأزرق LC. عندما انهار مركز التجارة العالمي في نيويورك في 9/11، كان ذلك تنشيطاً قوياً".

لكن الأحداث المغيرة للحياة ليست الطريقة الوحيدة التي تحرض تحرير الدوبامين في هذا الجزء من الدماغ. يمكن أن تكون ببساطةٍ أن يلعب طالبٌ ما لعبة فيديو جديدة خلال استراحة سريعة أثناء دراسته لامتحان حاسم، أو أن يلعب مسؤول تنفيذي في شركة ما التنس تماماً بعد محاولة حفظ خطاب كبير. يقول دكتور غرين: "بشكل عام، أي شيء سوف يجذب انتباهك بشكلٍ متواصلٍ يمكن أن يؤدي إلى التنشيط".

عرف العلماء أن الدوبامين يلعب دوراً كبيراً في تعزيز الذاكرة، مع ذلك أصبح منشأ هذه المادة الكيميائية وكيفية تأثيرها نقطتي دراسة على مدى السنين.

قاد الدكتور غرين دراسة نُشرَت عام 2012، عرّفت الموضع الأزرق كمصدر رئيسي ثالث للدوبامين في الدماغ، إلى جانب المنطقة السقيفية البطنية ventral tegmental area والمادة السوداء substantia nigra. وضحت الدراسة أن دواء الأمفيتامين منشط عصبيّ amphetamine يستطيع أن يحرض دوائياً إطلاق الدماغ للدوبامين من الموضع الأزرق.

تستند الدراسة الأخيرة على تلك النتائج التي تنص على أن الدوبامين في هذه المنطقة من الدماغ يمكن تفعيله بشكل طبيعي من خلال إجراءات سلوكية، وأن هذه الإجراءات تعزز تثبيت الذاكرة. تقترح الدراسة الجديدة أن الأدوية التي تستهدف الخلايا العصبية في الموضع الأزرق قد تؤثر على التعلّم والذاكرة أيضاً. 


يقع الموضع الأزرق في جذع الدماغ، ويمتلك مجموعةً من الوظائف التي تؤثر في مشاعر الشخص ومستويات القلق وأنماط النوم والذاكرة، وجوانب أخرى من السلوك.

اختبرت الدراسة 120 فأراً لإثبات وجود صلةٍ بين عصبونات الموضع الأزرق والدارات العصبية في الحُصين hippocampus، التي تتلقى الدوبامين من الموضع الأزرق، والحصين هو منطقة في الدماغ مسؤولة عن تسجيل الذكريات. تضمن أحد أجزاء الدراسة وضع الفئران في ساحةٍ للبحث عن الطعام المخبأ في الرمال، بحيث يتغير موضع الطعام يومياً. 


وجدت الدراسة أن الفئران التي أُعطيَت "خبرة جديدة" -تمثلت باستكشاف سطح أرضية غير مألوف لمدة 30 دقيقة بعد تدريبها لتتذكر مكان الطعام- أبلت بلاءً أفضل في تذكر أين تجد الطعام في اليوم التالي.

ربط الباحثون هذا التعزيز للذاكرة بالمعالجة الجزيئية في الدماغ، من خلال حقن الفئران بمنشط حساس للضوء مشفر وراثياً، يدعى تشانل رودوبسين channelrhodopsin.


حيث سمح لهم هذا الحساس بالتفعيل الانتقائي للعصبونات التي تحمل الدوبامين من الموضع الأزرق وتذهب به إلى الحُصين، وأن نرى أي العصبونات كانت مسؤولةً بشكلٍ مباشرٍ عن تعزيز الذاكرة.

وجد الباحثون أن التفعيل الانتقائي للعصبونات الموسومة بالتشانل رودوبسين ذات الضوء الأزرق (تقنية تدعى علم البصريات الوراثي optogenetics) يمكن أن يكون بديلاً عن الخبرة المستحدثة كمعزز للذاكرة لدى الفئران. ووجدوا أيضاً أن هذا التفعيل يمكن أن يسبب تقويةً مشبكيةً مباشرةً وطويلة الأمد، وهي تعزيز عمليات التواصل المرتبطة بالذاكرة التي تحدث في مستوى الموصلات بين العصبونات في الحصين. يمكن لهذه العملية أن تتوسط تحسين التعلم والذاكرة.

يقول الدكتور غرين إن بعض الخطوات القادمة ستشمل التحقيق في مدى ضخامة التأثير الذي تملكه هذه النتيجة على تعلم الإنسان، وفيما إذا كان ذلك سيؤدي أخيراً لفهم كيفية تطور خلل الذاكرة لدى المرضى، وكيفية استهداف أفضل العلاجات الفعالة لهؤلاء المرضى.
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات