النيوترينو: أغرب الجسيمات الكونية

استكشاف جسيم النيوترينو باستخدام كاشف القطب الجنوبي

النيوترينو (Neutrinos): هو نوعٌ من الجسيمات التي تمر تقريباً داخل كل شيء موجود على طريقها الذي يبدأ من أكثر أماكن الكون بعداً. تتعرض الأرض إلى قصفٍ متواصل بالنيوترينوهات، التي تتسارع في الدخول إلى الأرض في كافة أرجاء العالم: في المنازل، والحيوانات، والبشر، وكل شيء.

 

نادراً ما تتفاعل هذه الجسيمات مع المادة، لكن باستطاعة تجربة المكعب الجليدي (IceCube experiment) العملاقة والموجودة في القطب الجنوبي الكشف عن تلك الجسيمات عندما يحصل تصادم بين النيوترينوهات والذرات الموجودة في الجليد؛ ويتم الأمر باستخدام شبكة من الكواشف.

 

كشفت نتائج أبحاث جديدة أجراها معهد نيلز بور (Niels Bohr Institute) ومعاهد أخرى عن قياسات للنيوترينوهات، وحسبوا أيضاً بعض الخواص الفيزيائية التي لم تكن مفهومة سابقاً. نُشرت نتائج الأبحاث في المجلة العلمية (Physical Review D).

 

النيوترينوهات هي واحدة من بين أكثر الجسيمات وفرةً في الكون، فأعدادها تفوق أعداد الذرات الموجودة في كامل الكون، ولا نعرف إلا القليل عن هذه الجسيمات في الوقت الحالي. النيوترينوهات نوعٌ من الجسيمات التي نشأت أثناء الانفجار العظيم (Big Bang)، وتُنتج أيضاً في الأجزاء الداخلية من الشمس وفي أحداثٍ عنيفة مثل السوبرنوفات (supernovae) -النجوم المنفجرة. تُعرف هذه النيوترينوهات بـ "الجسيمات الشبحية" لأنها لا تتفاعل مع المادة، وإنما تستطيع إختراق كل شيء يعترض مسارها دون أن تتأثر.

 

  •  أجهزة القطب الجنوبي

يشترك باحثون من 44 معهد و12 دولة في مشروع (IceCube) الدولي الموجود في القطب الجنوبي؛ ويهدف ذلك المشروع إلى دراسة الجسيمات الغامضة التي تمتلك خواصاً غريبة.

(IceCube) عبارة عن كاشف جسيمات ضخم ويقع في أعماق الجليد القطبي، وتتألف الأجهزة الموجودة في الكاشف من حوالي 86 كابل، ويحوي كلاً منها 60 وحدة بصرية -حساسات ضوئية فائقة الحساسية. يتم إنزال كل كابل داخل ثقب محفور في الجليد ويصل عمقه إلى 2.5 كيلومتر -حُفرت تلك الثقوب باستخدام الماء الساخن. يقع الكاشف عميقاً أسفل السطح، ويبدأ عن عمق يصل إلى 1.5 كيلومتر لينتهي عند 2.5 كيلومتر.

 

كاشف الجسيمات ضخم البنية وهو ضروري جداً لأن النيوترينوهات تتفاعل بشكلٍ ضعيف جداً مع المادة، ولذلك نادراً ما تتصادم مع الذرات الموجودة في الجليد. وعندما يتصادم أحدها، تنشأ جسيمات مشحونة تصدر بدورها إشعاعات يُمكن كشفها باستخدام الوحدات البصرية الرقمية عالية الحساسية.

 

يقول جيسون كوسكينين (Jason Koskinen)، الأستاذ المساعد ورئيس مجموعة (IceCube) في معهد نلز بور بجامعة كوبنهاغن: "سجلنا وجود حوالي 35 نيوترينو باستخدام مشروع المكعب الجليدي، ومن المرجح جداً أن هذه الجسيمات جاءت من أماكن بعيدة جداً في الكون. وهى جسيمات ذات طاقة عالية جداً لأنها لم تتفاعل مع شيء أثناء رحلتها الطويلة، وباستطاعتها حمل معلومات متعلقة بالأجزاء البعيدة جداً من الكون. بالإضافة إلى أشعة النيوترينو الكونية النادرة، ندرس أيضاً النيوترينوهات الناشئة في الغلاف الجوي للأرض للكشف عن خواصها الفيزيائية".

 

  • من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي

جسيم (البروتون) طاقته عالية جداً، وقادم من أحداث كونية عنيفة مثل السوبرنوفات والكوازارات (quasars)، عندما يصطدم بالغلاف الجوي للأرض، يتشكل انفجار مكون من جسيمات النيوترينو التي تعبر داخل الأرض. وتمر تلك الجسيمات المتشكلة عبر القطب الشمالي داخل الأرض، ويصطدم قسم صغير جداً منها بالجليد الموجود في القطب الجنوبي، حيث يقوم كاشف (IceCube) بتسجيل التصادمات.

 

النيوترينوهات جسيمات خفيفة جداً؛ وعلى مدار أزمنة طويلة، ساد إعتقاد بإنها عديمة الكتلة. أما الآن، يعتقد العلماء بوجود ثلاثة أنواع منها وهي: "نيوترينوهات الالكترونات، ونيوترينوهات الميونات، ونيوترينوهات التاو (electron, muon and tau neutrinos)، ولدى كلاً منها كتلة محددة، وصغيره بشكلٍ لا يُصدق -أقل من جزء من المليون من كتلة الالكترون".

 

يقول كوسكينين: "معظم النيوترينوهات الناشئة في الغلاف الجوي فوق القطب الشمالي هي نيوترينوهات الميون. وعلى طول طريقها داخل الأرض والذي يبلغ طوله 13 ألف كيلومتر، تعاني تلك الجسيمات من اهتزازات كمومية (quantum fluctuations) تستطيع تغييرها من نوعٍ إلى آخر -في هذه الحالة إلى نيوترينوهات التاو- قبل أن تصل في النهاية إلى الكاشف الموجود في الطريق الآخر من العالم. نستطيع الآن دراسة هذه التأثيرات بتفصيلٍ أكبر من السابق، وبهذه الطريقة يُمكننا الحصول على رؤى جديدة لمميزاتها الفيزيائية".

 

  • النيوترينوهات الجوية

درست مجموعة البحث نيوترينوهات الغلاف الجوي في كاشف (IceCube) على مدار ثلاث سنوات، وحللّت أكثر من 5200 تفاعل بين نيوترينوهات الغلاف الجوي والذرات الموجودة في الجليد.

 

يشرح كوسكينين: "أكدنا حقيقة أن النيوترينوهات تُعاني من إهتزازات -حتى عند مستويات الطاقة العالية- وحسبنا عدد تلك الاهتزازات. وفي هذه الدراسة، قمنا فقط بقياس نيوترينوهات الميون. ومن بين كل النيوترينوهات المتشكلة في الغلاف الجوي والتي عبرت الأرض، يُمكننا إكتشاف جزء منها فقط في القطب الجنوبي. ينتج ذلك الأمر عن أن نيوترينوهات الميون تُعاني من إهتزازات كمومية تُغير من نوعها إلى نيوترينوهات التاو، وليس بإستطاعتنا رؤية الأخيرة. أما إذا لم تتغير، سنراها كلها. بيّنت حساباتنا أن 20% من النيوترينوهات يُعاني من إهتزازات كمومية، وتتحول من نوعٍ إلى آخر أثناء عبورها للأرض".

 

  •  رُسل من الكون

بعد كل ذلك، ماذا يُمكنك أن تسأل؟

يقول كوسكينين: "لأننا نُريد تعلم كل شيء حول هذه الجسيمات الغريبة والموجودة في كافة أرجاء الكون، وأيضاً عن خواصها التي لا نفهمها بشكلٍ كامل، ولأنها جاءت من الكون، نستطيع إستخدامها في مجال المراقبات الفلكية والحصول على رؤى جديدة تتعلق ببنية الكون".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الاهتزازات الكمومية (quantum fluctuations): في الفيزياء، يُشير الاهتزاز الكمومي إلى تغير مؤقت في كمية الطاقة المُختزنة في نقطة ما من الفضاء، ويعتمد هذا المفهوم على مبدأ الارتياب الذي صاغه عالم الفيزياء فيرنر هايزنبرغ.
  • المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernovae): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا
  • الكوازارات أو أشباه النجوم (quasars): هي عبارة عن مجرات لامعة جداً وبعيدة جداً، ويُعتقد ان لمعانها ناجم عن قيام ثقب أسود فائق الكتلة وموجود في مركزها بابتلاع المادة.

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات