دخول نظرية الألعاب الاستراتيجية إلى حقل فيزياء الجسيمات وميكانيك الكم

نظرية الألعاب تُوضح السلوك الجمعي للبوزونات


تتصرف الجسيمات الكمومية بطرقٍ غريبة، وغالباً ما يكون من الصعب دراستها تجريبياً. وباستخدام طرق رياضية موجودة في نظرية الألعاب (game theory)، برهن علماء فيزياء من جامعة لودفيغ ماكسيميليان (LMU) أن بإمكان البوزونات (bosons) تشكيل مجموعات متعددة -خصوصاً تلك البوزونات التي تدخل في الحالة نفسها.

عندما يستكشف العلماء السلوك الغامض للجسيمات الكمومية (quantum particles)، يصلون إلى قيود موجودة على الأبحاث التجريبية في أيامنا هذه. وانطلاقاً من تلك النقطة، تُصبح العملية ممكنة فقط بمساعدة الأفكار النظرية. اتّبع البروفسور إروين فيري (Erwin Frey) وفريقه من قسم الفيزياء الإحصائية والبيولوجية في جامعة ميونخ هذا الطريق لدراسة سلوك البوزونات. وعبر تطبيق طرق موجودة في حقل الرياضيات الخاص بنظرية الألعاب، تمكّن فيزيائيو ميونخ من شرح السبب الكامن وراء تشكيل البوزونات لمجموعات متعددة، وقدّموا أيضاً الشروط اللازمة لحصول تلك العملية.

 


• بوزونات اجتماعية:
هناك نوعان من الجسيمات الكمومية في الطبيعة: الفيرميونات (fermions) والبوزونات. يعتمد كون الجسيم فيرميون أو بوزون على كمية الحركة الزاوية الجوهرية الخاصة به، أو لفه الذاتي (spin). بالنسبة للفيرميونات تكون قيمة السبين لديها عبارة عن نصف مضروب بعدد صحيح، وأكثر الأمثلة شهرةً عن هذه الجسيمات هو الإلكترون (electron).

من ناحية أخرى، تمتلك سبينات (اللف الذاتي) البوزونات دوماً قيماً صحيحة؛ وهي حالة البروتونات (photons)، لكن قد تكون ذرة ما بأكملها عبارة عن بوزون.
البوزونات وحوشٌ اجتماعية وتُحب أن تتواجد عند نفس الطول الموجي، أو كما يقول الفيزيائيون: إنها تُحب أن تُوجد في الحالة الكمومية ذاتها.

عندما يتم تبريد البوزونات إلى درجة حرارة قريبة من 273.15 درجة سيلسيوس تحت الصفر -أي قريبة من الصفر المطلق- فإنّها قد تبدأ بالتصرف على أنها "جسيم فائق" وحيد؛ والسبب الكامن وراء ذلك السلوك عند درجات الحرارة المنخفضة هو أنّ كل البوزونات تُريد الاستقرار عند أدنى حالة طاقية ممكنة.

يُعرف هذا الجسيم الفائق بـ"تكاثف بوز-أينشتاين" (Bose-Einstein condensate)، حيث يُشير مصطلح تكاثف إلى مجموعة الجسيمات التي تتصرف بنفس الأسلوب. كان كلٌ من بوز وأينشتاين أول من اقترح إمكانية خلق مثل هذا التكاثف نظرياً في العام 1924. وخلال تسعينات القرن الماضي، أكّد العلماء التجريبيون الذين يدرسون الغازات الذرية فائقة البرودة (ultracold atomic gases) صحة هذا التنبؤ القديم.

 


• تشكل المجموعات:
لم يتمكن العلماء إلا مؤخراً من الوصول إلى نظرية تقول أن مجموعة من البوزونات يجب أن تكون قادرة على تشكيل تكاثفات متعددة. ولحصول ذلك تحتاج تلك البوزونات إلى أن تكون موجودةً في نظامٍ مفتوح يتم ضخ الطاقة إليه من الخارج بشكلٍ دوري -على سبيل المثال بالاعتماد على الليزر- وبعد ذلك قد يُطلق كل بوزون طاقةً إلى البيئة المحيطة به. وفي العدد الحالي من مجلة "Nature Communications"، يُفسر إروين فيري وفريقه السبب الكامن وراء تجمع البوزونات داخل تكاثفات متعددة موجودة في أنظمة غير متوازنة.

 


• قواعد اللعبة:
شرح فيزيائيو ميونخ تشكُّل المجموعات المتعددة عبر تطبيق إحدى مجالات دراسة تلك المجموعات وهو المجال المعروف بـ"نظرية الألعاب".
يستخدم الباحثون هذه النظرية الرياضية في مجال واسع من التطبيقات والأهداف. تكمن قوة نظرية الألعاب في قدرتها على تفسير سلوك وتفاعلات المجموعات.


في هذه النظرية لكل عضو استراتيجيته الخاصة، سواء كان ذلك العميل مفترس يُطارد فريسته، أو مشارك في لعبة الأطفال "حجرة ورقة مقص" والذي قد يختار استراتيجية "الحجرة".

وبفضل بساطتها، تُعتبر لعبة "حجرة ورقة مقص" واحداً من أقوى النماذج في نظرية الألعاب، لكن تلك النظرية تصف أيضاً عمليات صناعة قرارات أخرى أكثر جدية، وكيفية تشكيل الرأي داخل المجموعات.


الآن، برهن إروين فيري وفريقه على إمكانية فهم سلوك البوزونات في سياق نظرية الألعاب. وقادت تلك الرؤية إلى الوصول إلى المبدأ الفيزيائي الموجود خلف تكاثف البوزونات داخل حالات متعددة (multiple states).

 


• ظهور النظام بمرور الزمن:
يشرح جوهانز كنيبل (Johannes Knebel) طالب دكتوراه في مجموعة فيري: "نظريتنا مبنية على مفهوم إبداعي. في البداية، تقوم كل البوزونات بأمورها الخاصة. ولكن بسبب وجود سماحية بانتقال الطاقة من وإلى النظام، ستتجمع البوزونات في النهاية داخل حالات كمومية خاصة، في حين تُستنفذ الحالات الأخرى.


وبعبارة أبسط يمكن تفسير ذلك كما يلي: عندما يُنافس العديد من اللاعبين بعضهم باستخدام استراتيجيات مختلفة، ستسود في النهاية الاستراتيجية الصحيحة، وستنعدم الاستراتيجيات الأخرى بمرور الزمن.


يُمكن رصد السلوك ذاته في مناقشة الطاولة المستديرة؛ ففي البداية يمتلك كل شخص رأياً مختلفاً عن الآخر، لكن في النهاية ستتم مشاركة بضعة آراء قليلة بين المتناقشين، وستستمر تلك الآراء بالوجود جنباً إلى جنب بمرور الزمن"؛ وهذا هو مضمون ولادة النظام بمرور الوقت. صاغ فيزيائيو ميونخ تطور النظام بدلالة تناقص القياس النسبي للأنتروبي (entropy) الذي يُوجه السلوك الجمعي للبوزونات.

 


• من النظرية إلى التجربة:
في الوقت الراهن، يحرص العلماء على تعلم المزيد عن طبيعة الأنظمة الكمومية. يقول فيري: "التطبيق المباشر لاكتشافاتنا ليس بمتناول أيدينا حتى الآن، ولكن ليس مستبعداً أن يقود مثل هذا النوع من الأبحاث الأساسية إلى اكتشافات غير متوقعة بالكامل، ويفتح الباب أمام تطورات جديدة. على سبيل المثال، ساهمت الأبحاث المتعلقة بالسلوك الجمعي للبوزونات في فهم الميوعة الفائقة (superfluidity)، وعبّدت الطريق أمام تطوير تقنيات مثل الناقلية الفائقة (superconductivity).

السؤال المثير الآن هو: هل سيتم تأكيد تنبؤات النظريين أم رفضها من قبل العلماء التجريبيين؟ في هذا السياق، تُقدم التجارب التي تتم على الغازات فائقة البرودة، كتلك التي يُجريها فريق البروفسور إيمانويل بلوخ (Immanuel Bloch) من جامعة (LMU) ومعهد ماكس بلانك للبصريات الكمومية، مرشحين واعدين لدراسة البوزونات الموجودة خارج حالات التوازن.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الإنتروبي (entropy): هو كمية الطاقة غير المتاحة للقيام بعمل في نظام فيزيائي، وقد أطلق عليه كلاوزيوس مصطلح الإنتروبي ملهماً بكلمة tropi التي تعني التحول، واختيرت لتكون أقرب ما يُمكن من كلمة الطاقة (energy)، ويقول أشهر قوانين الطبيعة المعروف بالقانون الثاني في الترموديناميك "لا يُمكن لانتروبي نظام فيزيائي مغلق أن يتناقص أبداً".

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات