باحثون يبنون مجهراً جديداً لتصوير الذرّات

الفيرميونات (Fermions) هي لبنات البناء الأساسية للمادة، وهي تتفاعل بالعديد من الأشكال لتشكل العناصر التي نشاهدها في الجدول الدوري، فمن دون الفيرميونات ما كان العالم الفيزيائي ليُوجد.


نجد من بين الأمثلة على الفيرميونات الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات، والكواركات (quarks)، والذرات المُكونة من عدد فردي من تلك الجسيمات العنصرية (elementary particles)،ف وبسبب طبيعتها الفيرميونية، من الصعب جداً فهم الإلكترونات والمادة النووية نظرياً، ولذلك يُحاول الباحثون استخدام الغازات فائقة البرودة (ultracold gases) المكونة من ذرّات فيرميونية لفهم الفيرميونات الأخرى.


لكنّ الذرات حساسة جداً للضوء، فعندما يصدم فوتون ما ذرة، تستطيع الذرة قذفه بعيداً، وهو مفعول يجعل من تصوير الفيرميونات المنفردة أمراً في غاية الصعوبة.


إلا أن فريقاً من فيزيائيي معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT) قاموا ببناء مجهر قادر على رؤية ما يصل إلى 1000 ذرة فيرميونية مفردة، ولإنجاز ذلك، ابتكر الباحثون تقنية ليزرية لاحتجاز وتجميد الفيرميونات في مكانها، وتصوير الجزيئات بشكلٍ تزامني.

 

تستخدم تقنية التصوير شعاعي ليزر يتم إطلاقهما على سحابة من الذرات الفيرميونية الموجودة داخل شبكة بصرية (optical lattice)، عندها يعمل هذان الشعاعان، اللذان يتمتعان بأطوال موجية مختلفة، على تبريد السحابة ما يؤدي إلى تدني مستوى الطاقة لدى الفيرمونات، وفي النهاية تصل إلى أدنى مستويات طاقتها، وهي حالة باردة مستقرة بشكلٍ كافٍ لتبقى الفيرميونات في مكانها.


في الوقت نفسه، يُطلق كلٌ من الفيرميونات ضوءاً يتم أسره بواسطة المجهر ويُستخدم لتصوير الموقع الدقيق للفيرميون في الشبكة، حيث أن دقة هذا التصوير أفضل من طول موجة الضوء.


بوجود هذه التقنية الجديدة، تمكّن الباحثون من تبريد وتصوير أكثر من 95% من الذرّات الفيرميونية المؤلفة من سحابة من غاز البوتاسيوم، ويقول البروفسور مارتن زويرلين (Martin Zwierlein)، وهو أستاذ فيزياء في MIT، أنه قد ظهرت نتائج مذهلة عند استخدام هذه التقنية، حيث استطاعت الحفاظ على الفيرميونات باردة حتى بعد التصوير.


ويُضيف: "ذلك يعني أنني أعرف مكان وجودها، وقد أستطيع تحريكها باستخدام ملقط صغير إلى أي موقع أريده، وترتيبها وفقاً لأي نمط أرغب به"، وقد نشر زويرلين وزملائه، بمن فيهم المؤلف الرئيسي للدراسة والطالب المتخرج لورانس شويك (Lawrence Cheuk)، نتائجهم في مجلة "Physical Review Letters".

 

 التفريق بين الفيرميونات والبوزونات


 

على مدار العقدين الماضيين، درس الفيزيائيون التجريبيون الغازات الذرية فائقة البرودة (ultracold atomic gases) وهي تتكون من نوعين من الجسيمات هما: الفيرميونات والبوزونات (bosons)، والبوزونات هي جسيمات مثل الفوتونات، إلا أنها على النقيض من الفيرميونات تستطيع أن تحتل الحالة الكمومية نفسها وبأعداد لانهائية.


وفي العام 2009، ابتكر ماركوس غرينر (Markus Greiner)، وهو عالم فيزياء من جامعة هارفارد، مجهراً قام بنجاح بتصوير بوزونات مفردة موجودة داخل شبكة بصرية ذات فراغات صغيرة جداً، وفي العام 2010، تبع هذا الإنجاز إنجازٌ آخر هو مجهر بوزونات تم تطويره من قبل مجموعة إيمانويل بلوخ (Immanuel Bloch) في معهد ماكس بلانك لتكنولوجيا البصريات الكمومية.


كشفت تلك المجاهر بدقةٍ غير مسبوقة عن سلوك البوزونات في ظل تفاعلات قوية، ومع ذلك لم يطور أي شخص مجهراً مشابه لتصوير الفيرميونات.


يقول زويرلين: "أردنا فعل ما فعلته تلك المجموعات مع البوزونات، لكن مع الفيرميونات. وقد تبيّن أنّ حالة الفيرميونات أكثر صعوبة لأن الذرات التي نستخدمها لا تُبرد بسهولة، ولذلك كان علينا إيجاد طريقة جديدة لتبريدها في الوقت الذي ننظر فيه إليها".


وخلال العقد الحالي تم تطوير التقنيات اللازمة لتبريد الذرات إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، وبذلك تمكّن كارل وايمان (Carl Wieman) وإريك كورنل (Eric Cornell) وهما من مجموعة فولفانغ كيتيرل في MIT من تحقيق تكاثف بوز-أينشتاين عام 1995، وهو إنجاز أدى إلى حصولهم على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2001.


تشمل تقنيات أخرى عملية تستخدم الليزرات من أجل تبريد الذرات من درجة حرارة 300 سيلسيوس إلى بضعة أجزاء من الألف فوق الصفر المطلق.


تقنية تبريد ذكية



الآن ولكي تُشاهد الذرات الفيرميونية المُفردة، يجب أن يتم تبريد الجسيمات إلى درجة حرارة أقل، ولفعل ذلك، صنعت مجموعة زويرلين شبكة بصرية باستخدام أشعة ليزر، مما شكّل بنية تُشابه صندوق بيض، وقد يحتجز كل تجويف موجود فيها فيرميون وحيد.


وبالاعتماد على مراحل متنوعة من التبريد بالليزر، والاحتجاز المغناطيسي، والتبريد التبخيري للغاز، تم تحضير الذرات عند درجة حرارة قريبة جداً من الصفر المطلق -درجة كافية لاستقرار الفيرميونات المفردة فوق الشبكة البصرية، وبعد ذلك، وضع الفريق الشبكة على بعد 7 ميكرون تقريباً من عدسة التصوير، التي تأملوا أن يروا من خلالها فيرميونات مفردة، فعلى أي حال، تتطلب رؤية الفيرميونات تسليط ضوء عليها، ما يتسبب في ارتداد الفوتون عن الذرة الفيرميونية مبتعداً خارج التجويف، وربما خارج النظام بالكامل.


يقول زويرلين: "احتجنا إلى تقنية ذكية للحفاظ على الذرات باردةً أثناء النظر إليها"، ولإنجاز هذا الأمر، قرر فريقه استخدام نهج ثنائي الليزر للحصول على تبريد إضافي للذرات، تتلاعب التقنية بمستوى الطاقة للذرات، أو طاقة الاهتزاز، وتحتل كل ذرة مستوى طاقة محدد، وكلما كان ذلك المستوى أعلى، كان الجسيم أكثر نشاطاً.


سلّط الفريق أشعة ليزر بترددات مختلفة على الشبكة، ويعود الفرق في الترددات إلى الفرق في الطاقة بين مستويات الطاقة للفيرميونات، وكنتيجةٍ لذلك، وعندما وُجهت أشعة الليزر إلى فيرميون، امتص الجسيم التردد الأقل، وأصدر فوتون جرى تعرضه للشعاع ذو التردد الأعلى، ليهبط بذلك سويةً طاقية واحدة.


تجمع العدسة الموجودة فوق الشبكة الفوتون الصادر، وتسجل موقعه بدقة، وموقع الفيرميون أيضاً، يقول زويرلين أن مثل هذا التصوير عالي الدقة لأكثر من 1000 ذرة فيرميونية سيُعزز من فهمنا لسلوك الفيرميونات الأخرى في الطبيعة، وخصوصاً سلوك الإلكترونات.


وفي يومٍ ما، قد تُطور مثل هذه المعرفة من فهمنا للنواقل الفائقة عالية درجة الحرارة، والتي ستمكننا من نقل طاقة أكبر، بالإضافة إلى الأنظمة الكمومية (quantum systems) مثل: أنظمة الحالة الصلبة، والمادة النووية (nuclear matter).


يقول زويرلين: "قد يكون مجهر غاز فيرمي، جنباً إلى جنب مع القدرة على تحديد موقع الذرات، خطوةً مهمة نجو تحقيق الحواسيب الكمومية (quantum computer) باستخدام الفيرميونات".


كما يضيف أنه الزمن المناسب لمُجهريي غاز فيرمي، وفي نفس الوقت الذي نشر فيه فريقه نتائج العمل، ذكر فريق من جامعة هارفارد وجامعة ستراثكلايد في غلاسكو أنهم صوّروا الذرات الفيرميونية المنفردة في شبكات بصرية، ما يطرح أمامنا مستقبلاً واعداً لهذه المجاهر.


يقول زوران هادزيبابيك (Zoran Hadzibabic)، بروفسور فيزياء في كلية ترينيتي ولم يكن مساهماً في البحث، أن مجهر المجموعة قادر على اكتشاف الذرات المفردة "بدقة مثالية تقريباً، فلقد اكتشفوها على نحوٍ موثوق، وفعلوا ذلك دون التأثير على مواقعها، وهذا هو المطلوب".


ويُضيف قائلاً: "لقد برهنوا حتى الآن على صحة التقنية، لكننا نعرف من خلال التجربة مع البوزونات أنها خطوة صعبة جداً، وأتوقع أن النتائج العلمية ستبدأ بالانهمار".


مولت المؤسسة الوطنية للعلوم هذا البحث جزئياً، وساهم في تمويل البحث كلٌ من مكتب القوى الجوية للأبحاث العلمية، ومكتب الأبحاث البحرية، ومكتب الأبحاث العسكرية، ومؤسسة ديفة ولوسيل باكارد.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات