موصلية فائقة عالية الحرارة في فِلمٍ ذي سماكة ذرّية

توضح الصورة: تمثل الدوائر الزرقاء والخضراء ذرات الحديد (Fe) والسيلينيومِ (Se)، على الترتيب. تُضبط درجة الحرارة الانتقالية للموصلية الفائقة عن طريق إضافة إلكترونات، وذلك عن طريق ترسيب ذرات بوتاسيوم (الدوائر البرتقالية) على السطح، وتمثلُ الدوائر الصفراءُ زوجين من إلكترونات فائقة الموصلية (زوجَي كوبر). 


نجحت مجموعة بحث في جامعة طوهوكو Tohoku University في صنع فِلمٍ فائق الموصلية ذي درجات حرارة عالية (high-temperature superconductor)، وبسمك ذري، وبدرجة حرارة انتقالية للموصلية الفائقة [1] (Tc) تصل حتى 60 ك (-213 °س)[2]، وكذلك وضع البروفسور تاكاشي تاكاهاشي Takashi Takahashi من WPI-AIMR، والبروفسور المساعد كوسوكي ناكاياما Kosuke Nakayama من قسم الفيزياء طريقة للتحكم ولضبط درجة الحرارة الحرجة (Tc) .

يوفر هذا الاكتشاف المنصة الأمثل للبحث في آلية عمل الموصلية الفائقة في نظام ثنائي البعد، وليس هذا فحسب، فهو أيضًا يمهد الطريق لتطوير جيل جديد من الأجهزة ذات الحجم النانويّ والموصلية الفائقة.

نُشرت نتائج البحث في دورية Nature Materials في 1 حزيران/يونيو 2015.

تعتبر المواد ذات الموصلية الفائقة إحدى المواد المرشحة ذات المستقبل الواعد للجيل القادم من الأجهزة الإلكترونية المتقدمة، وذلك لأن الآثار الكميّة الفريدة في تلك المواد تُمثل ميزة عظيمة لها في الحصول على معالجة موفرة للطاقة وذاتِ سرعة فائقة.

لكن؛ ولوقت طويل، جرت إعاقة تطبيق الموصلات الفائقة في الأجهزة، وتمثلت العقبة الأكبر في الحاجة إلى نظام تبريد ضخم مرتفع الثمن ومزود بهليوم سائل؛ وذلك بسبب انخفاض درجات الحرارة الحرجة للموصلات الفائقة الاعتيادية (conventional superconductors)، والتي تكون قريبة من الصفر المطلق (0 ك، -273 °س)، كما أن تحقيق دمجٍ مكثف للموصلات الفائقة في الأجهزة الإلكترونية كان تحديًا كبيرًا.  للتغلب على تلك المشاكل، فإنه من الضروري تطوير موصلات فائقة جديدة بدرجة حرارة حرجة أعلى، والتي يمكن تصنيعها في فِلمٍ رقيق.


تصدر الإلكترونات من السطح عن طريق ضوء فوق بنفسجي لامع، وتُحدَّدُ التركيبة الإلكترونية للبلورة عن طريق قياس الطاقة وزاوية الإصدار للإلكترونات. المصدر: تاكاشي تاكاهاشي
تصدر الإلكترونات من السطح عن طريق ضوء فوق بنفسجي لامع، وتُحدَّدُ التركيبة الإلكترونية للبلورة عن طريق قياس الطاقة وزاوية الإصدار للإلكترونات. المصدر: تاكاشي تاكاهاشي

وجه فريق البحث في جامعة طوكوهو اهتمامه إلى سيلينيد الحديد (FeSe)، وهو عضو في الموصلات الفائقة ذات الأساس الحديدي [3] (iron-based superconductors) . في الوقت الذي تكون فيه درجة الحرارة الحرجة لكتلة (bulk) من سيلينيد الحديد 8 ك (-265 °س) فقط، يمكن أن تكون درجات الحرارة الحرجة للتوصيل الفائق في الأفلام شديدة الرقة أعلى "من درجة الحرارة الحرجة لكتلةٍ من سيلينيد الحديد"، وكان التحقق من ذلك أمراً مطلوباً وبسرعة.

في البداية، صنع الباحثون أفلامًا من سيلينيد الحديد عالية الجودة، وذريّةَ السُّمك، وذلك بسمكٍ يتراوح بين طبقة أحادية واحدة -وهو ما يمثل سمك ثلاث ذرات- إلى عشرين طبقة أحادية -سمكَ ستين ذرة-، وذلك باستخدام طريقة تقيّل الحزمة الجزيئية [4] (Molecular beam epitaxy method) ، ثم حققوا بعناية في التركيب الإلكتروني للأفلام المُنماة باستخدام التحليل الطيفي الإتجاهي للإصدار الضوئي (angle-resolved photoemission spectroscopy) واختصارًا [5] (ARPES)


لاحظ الباحثون افتتاح فجوة موصلية فائقة [6] (superconducting gap)  في قياسٍ لـ (ARPES) على درجات حرارة منخفضة، الأمر الذي يُعدُّ دليلاً مباشراً على ظهور موصلية فائقة في الأفلام، ووجد الباحثون أن درجة الحرارة الحرجة التي توقعوها بناءً على انغلاق الفجوة في فلم وحيد الطبقة كانت عالية وبشكل مفاجئ -أعلى من 60 ك-، والتي هي أعلى بـ 8 مرات من درجة الحرارة الحرجة لكتلة من سيلينيد الحديد.

وفي الوقت الذي لا تُظهر فيه الأفلام عديدة الطبقات موصلية فائقة في حالتها "النامية" تلك، إلا أن الباحثين اكتشفوا طريقة مبتكرة لترسيب ذرات قلوية داخل الأفلام، الأمر الذي يؤدي إلى التحكم بكثافة الإلكترونات في الفلم. وبتطبيق هذه الطريقة، نجح الباحثون في تحويل أفلامٍ من سيلينيد الحديد متعددة الطبقات وليست ذات موصلية فائقة إلى موصلات فائقة ذات درجات حرارة حرجة عالية تصل حتى ~50 ك.

فجوة الموصلية الفائقة (المشار إليها بمنطقة مظللة) يمكن ملاحظتها بوضوح عند درجات حرارة منخفضة. مع زيادة درجة الحرارة، تقل الفجوة شيئًا فشيئًا حتى تختفي قريبًا من 60 ك. المصدر: تاكاشي تاكاهاشي
فجوة الموصلية الفائقة (المشار إليها بمنطقة مظللة) يمكن ملاحظتها بوضوح عند درجات حرارة منخفضة. مع زيادة درجة الحرارة، تقل الفجوة شيئًا فشيئًا حتى تختفي قريبًا من 60 ك. المصدر: تاكاشي تاكاهاشي


للنتيجة الحالية وقعٌ كبير على كل من الأبحاث الأساسية، والتطبيقية في الموصلات الفائقة. فقد أظهر الباحثون بوضوحٍ كيفية توليد الموصلية الفائقة، وتعزيزها، والتحكم بها في أفلام سيلينيد الحديد ذرية السمك؛ ومع أن درجة الحرارة الحرجة التي وصل إليها الباحثون في هذه الدراسة تبقى أقلَّ من تلك التي تملكها الموصلات الفائقة المكونة من النحاسات (cuprate) والتي تكون ذات درجة حرارة حرجة عالية، -أعلى درجة حرارة حرجة كانت ؟ 135 ك-، والتي سببت "حُمّى درجة الحرارة الحرجة العالية" (high-Tc fever) في العالم قبل 30 سنة، إلا أنها، وبشكل واضح، تتخطى الأرقام المسجلة للموصلات الفائقة الأخرى ذات درجة الحرارة الحرجة العالية، كالموصلات الفائقة المصنوعة من الفوليرين (fulleren) (C60) -بدرجة حرارة حرجة ~33 ك-، و (MgB2) -بدرجة حرارة حرجة ~39 ك-، ومقتربة بذلك من درجة حرارة النتروجين السائل -بدرجة حرارة حرجة 77 ك.

سيؤدي التقرير الحالي إلى أبحاث مكثفة لزيادة درجة الحرارة الحرجة عن طريق تغيير عدد الطبقات الذرية، وكمية الإلكترونات المضافة، ونوع المادة، كما ستوسع النتيجة الحالية من مدى كلٍ من الأبحاث الأساسية والتطبيقية على الموصلية الفائقة؛ وذلك ﻷن درجة الحرارة الحرجة التي وصلوا إليها في هذا الدراسة (50-60 ك) عالية بشكل كافٍ للحفاظ على حالة الموصلية الفائقة باستخدام نظام تبريد غازي مغلق الدورة (closed-cycle-gas-type cooling system) بدون الهليوم السائل.

يوفر النجاح الحالي في صنع موصل فائق ذو درجة حرارة عالية وذريِّ السمك منصةً مثالية للبحث في الموصلية الفائقة المبتكرة ثنائية البعد، كما أنها تفتح طريقًا لتطوير الجهاز النانويّ فائق الموصلية النهائي والذي يتكون من أجزاء إلكترونية ذرية الحجم، وستساهم الموصلات الفائقة شديدة الرقة وذات درجات الحرارة الحرجة العالية بشكل فعال في تصغيرٍ كبيرٍ لحجم الدارات الكهربائية، وكذلك في دمجها بشكل أفضل في هذه الدارات، ما يؤدي إلى تحقيق الجيل المستقبلي من الأجهزة الإلكترونية ذات التوفير العالي للطاقة وتشغيل العمليات عالي السرعة.

دُعم هذا العمل عن طريق مِنَحٍ من "المجتمع الياباني من أجل تشجيع العلم" JSPS، ووزارة التعليم، والثقافة، والرياضة، والعلوم، والتقنية اليابانية MEXT


الملاحظات:


[1] أو درجة الحرارة الحرجة Critical Temperature أو (Tc)، في المواد فائقة الموصلية: هي درجة الحرارة التي تظهر دونها خصائص الموصلية الفائقة، فإذا كان عندنا مادة فائقة الموصلية ذات درجة حرارة حرجة بمقدار 50 ك، فإن خصائصها فائقةَ الموصليةِ تظهر عندما تكون درجة الحرارة أقل من 50 ك. في المواد الموصلة الاعتيادية، تتراوح هذه الدرجة بين أقل من1 ك إلى 20 ك، وقد تصل في المواد فائقة الموصلية إلى 130 ك في النحاسات ذات الأساس الزئبقي [mercury-based cuprates] 


[2] ك (كلفن): وحدةُ درجةِ حرارةٍ موجودةٌ على السلم المطلق لدرجات الحرارة. يمكن تحويل درجات الحرارة من هذا السلم إلى سلم درجات سيلْزِيُوس عن طريق هذه المعادلة: °س = ك - 273


[3] الموصلات الفائقة ذات الأساس الحديدي (iron-based superconductors): مجموعة من الوصلات الفائقة تتكون من طبقة حديدية ثنائية البعد. جرى اكتشافها أول مرة عام 2008 على يد البروفسيور هايديو هوسونو في معهد طوكيو للتكنولوجيا، في اليابان.


[4] طريقة تقيّل الحزمة الجزيئية (Molecular beam epitaxy method): طريقة لإنماء فِلم أحادي البلورة على ركيزة (substrate) يجري تبخير الذرات المكونة له بشكل انتقائي ومن ثم ترسيبها على ركيزة تحت فراغ، بشكل يجري التحكم به جيداً. لهذه الطريقة ميزة في إنماء فِلم بلوري وحيد عالي الجودة.


[5] التحليل الطيفي الاتجاهي للإصدار الضوئي (angle-resolved photoemission spectroscopy): تقنية تجريبية لتحديد طاقة الإلكترونات وكمية تحركها في المواد الصلبة بشكل مباشر، وهي مبنية على التأثير الكهْروضوئي الخارجي (external photoelecric effect) الذي تنبأ به أينشتاين. يتيح لنا التحسين الكبير الحديث لدقة الطاقة استقصاء الإلكترونات فائقة الموصلية بشكل دقيق.


[6] فجوةُ الموصلية الفائقة (superconducting gap): مقدار الطاقة الذي يكلفه صُنع زوجين من الإلكترونات فائقة الموصلية -زوجي كوبر- [Cooper pair] يمكن ملاحظة مقدارها مباشرة باستخدام التحليل الطيفي الاتجاهي للإصدار الضوئي.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • التحليل الطيفي الاتجاهي للإصدار الضوئي (angle-resolved photoemission spectroscopy): أو اختصاراً ARPES، وهي تقنية تجريبية لإجراء رصد مباشر لتوزع الإلكترونات -أو كثافة الإثارات الإلكترونية للجسيم المفرد- داخل الفضاءات التبادلية للمواد الصلبة.
  • مادة فائقة الموصلية (superconductor): هي مادة قادرة على نقل الإلكترونات أو إيصال الكهرباء دون وجود أي مقاومة.
  • التحليل الطيفي (Spectroscopy): التحليل الطيفي ببساطة هو علم قياس شدة الضوء عند الأطوال الموجية المختلفة. وتُسمى المخططات البيانية الممثلة لهذه القياسات بالأطياف (spectra)، وهي المفتاح الرئيسي لكشف تركيب الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية. المصدر: ناسا
  • الغاز (Gas): أحد الحالات الأساسية الثلاث للمادة. في هذه الحالة تتحرك الذرات، أو الجزيئات، أو الأيونات بحُريّة، فلا ترتبط مع بعضها البعض. وفي علم الفلك، تُشير هذه الكلمة عادةً إلى الهيدروجين أو الهيليوم. المصدر: ناسا

اترك تعليقاً () تعليقات