ثورة السوبرسونيك - الجزء الثاني: المختبر الطائر الأسرع من الصوت

طائرة توبوليف TU 144-LL المختبر الطائر الأسرع من الصوت في تحليقٍ منخفض فوق مركز جوكوفسكي للتطوير الجوي بالقرب من موسكو في روسيا عام 1998 في تحليق بهدف إجراء الأبحاث. حقوق الصورة: صور ناسا NASA Photo 

تعاونت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) مع الصناعات الجوية الأمريكية والروسية على مدى خمس سنوات في برنامج بحوث دولي مشترك لتطوير تقنياتٍ لطائرة الجيل الثاني الأسرع من الصوت التي سُتطوّر في القرن الحادي والعشرين. وكانت محور المشروع طائرة TU 144-LL وهي الجيل الأول من الطائرة الأسرع من الصوت الروسية السابقة التي عدّلتها الشركة المطورة توبوليف أنتك Tupolev ANTK لتصبح مختبراً طائراً للبحوث الأسرع من الصوت. استخدام تو TU 144-LL ولإجراء تجارب طيران سمحت للباحثين بمقارنة بيانات الطائرات الأسرع من الصوت على نطاق واسع مع نتائج اختبارات أنفاق الرياح Wind tunnel وتقنيات أخرى بمساعدة الحاسوب وغيرها من اختبارات الطيران. قدمت تجارب الطيران تلك تمُيزاً في الديناميكا الهوائية والهياكل والصوتيات وبيانات بيئة التشغيل على طائرات الركاب الأسرع من الصوت.

وأجريت ست تجارب طيران وتجربتان أرضيتان خلال المرحلة الأولى من البرنامج التي بدأت في حزيران/يونيو 1996 وانتهت في شباط/فبراير 1998 بعد 19 رحلة بحثية. وبدأ في أيلول/سبتمبر 1998 برنامج أقصر لمتابعة نحو سبع رحلات جوية، واختتم في نيسان/أبريل 1999. وأجريت جميع الرحلات الجوية في روسيا في منشأة توبوليف في مركز جوكوفسكي للتطوير الجوي Zhukovsky Air Development Center بالقرب من موسكو Moscow.

تاريخ تطور طائرة TU 144-LL الأسرع من الصوت


كان طراز TU 144-LL واحدًا من اثنين فقط من الجيل الأول من وسائل النقل الأسرع من الصوت (SST) (الآخر هو كونكورد Concorde) للذهاب إلى الإنتاج الفعلي والخدمات التجارية. كانت تقنية الطائرات المزدوجة المجنحة دلتا (Double-Delta Wing) من بنات أفكار مصمم الطائرات الروسي الشهير أندريه ن. توبوليف Andrei N. Tupolev، الذي أشرف على تطوير TU 144-LL كمصمم عام. ونُقل النموذج الأول TU 144-LL لأول مرة في 31 كانون الأول/ديسمبر 1968، أي قبل نحو شهرين من دخول الكونكورد إلى الخدمة.

افتتحت شركة الطيران الروسية التجارية Aeroflot في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1977، خط إنتاج النموذج TU 144-LL عندما شرعت أولى رحلاتها من موسكو إلى ألما آتا Alma-Ata، كازاخستان KZ. وأدت المشاكل محدودة المدى وغيرها من المشاكل التقنية إلى توقف الخدمة في عام 1978 بعد 102 رحلة فقط. وعلى سبيل المقارنة، بدأت الكونكورد خدمتها التجارية عبر المحيط الأطلسي مع الخطوط الجوية البريطانية وشركة الخطوط الجوية الفرنسية في كانون الثاني/يناير 1976. وقد صُنع ما مجموعه 17 طائرة TU 144-LL، بما في ذلك النموذج الأولي واثنتين للتجارب و14 طائرة دخلت الخدمة. وشملت الأخيرة خمسة نماذج "D" مزودة بمحركات مختلفة.

تعديلات في طائرة TU 144-LL


خضعت الطائرة للعديد من التحسينات والتعديلات في تحويلها إلى مختبر طيران "LL"، بما في ذلك تدعيمها بمحركات عنفية مروحية NK-321 التي أنتجت أصلاً لتوبوليف تو 160 بلاك جاك بومبر TU-160 Blackjack bomber.

وقد حل نظام داميان Damien الرقمي الجديد لجمع البيانات الرقمية محل نظام تناظري سابق لجمع بيانات جدوى الطيران وبيانات أخرى من التجارب. وُضعت المزدوجات الحرارية وأجهزة استشعار الضغط والميكروفونات وأجهزة احتكاك السطح على TU 144-LL لقياس الديناميكا الهوائية للطبقة الحدودية، وهي الطبقة حيث يتفاعل الهواء مع أسطح الطائرة عند طيرانها. كما حمل عدداً كبيراً من أدوات البحث الأخرى بالإضافة إلى تركيب نظام إخلاء الطاقم عند الطوارئ.

التجارب الجوية والأرضية


من بين 50 تجربة مقترحة، اختار مسؤولو المشروع ثمانية محركات للتجارب بما في ذلك ست تجارب عند الطيران واثنتين على السطح، وشملت تجارب الطيران للمرحلة الأولى من بحوث الطيران دراسات على السطح الخارجي للطائرة وعلى الهيكل الداخلي ودرجات حرارة المحرك جريان الهواء على الطبقة الحدودية وخصائص التأثير الأرضي على الجناح والضجيج الداخلي والخارجي والتعامل مع وسائل الجودة في مختلف مراحل الطيران وأخيراً المرونة الهيكلية أثناء الطيران. وقد درست التجارب الأرضية التي أُنجزت قبل تجارب الطيران، مثل تأثير الهياكل وتدفق الهواء إلى داخل المحرك وتأثيره على أداء المحرك عند حدوث الانفجار الصوتي Sonic Boom.

طائرة TU 144-LL تقلع من مركز جوكوفسكي للتطوير الجوي بالقرب من روسيا حقوق الصورة: صور ناسا NASA Photo
طائرة TU 144-LL تقلع من مركز جوكوفسكي للتطوير الجوي بالقرب من روسيا حقوق الصورة: صور ناسا NASA Photo
وتبعت المرحلة الثانية من رحلات الأبحاث إجراء مزيدٍ من الدراسة للتجارب الستة التي أجريت أثناء الرحلة الأولى، فركّب فنيو توبوليف أجهزة إضافية للمساعدة في تحصيل وتحليل البيانات. وقد أجريت تجربة جديدة تهدف إلى قياس الانحرافات أثناء الطيران في الجناح وجسم الطائرة، كما رُكّبت محولات وأجهزة الاستشعار التي وفرتها الولايات المتحدة لقياس ضغط مقدمة الطائرة بعد حدوث الانفجار الصوتي وزوايا الانزلاق بدقة أكبر. بالإضافة إلى ذلك، ساعد طياران من أبحاث ناسا، وهما روبرت ريفرز Robert Rivers من مركز أبحاث لانغلي ناسا NASA Langely Research Center هامبتون Hampton فيرجينيا VA، وغوردون فولرتون Gordon Fullerton من مركز ناسا درايدن لأبحاث الطيران NASA Dryden Flight Research Center إدواردز Edwards كاليفورنيا CA، ساعدا في إدارة الجودة لطائرة TU 144-LL في السرعات دون الصوتية وفوق الصوتية خلال الرحلات الثلاث الأولى في أيلول/سبتمبر 1998. واختتمت سلسلة بعد أربع رحلات جوية لجمع البيانات في ربيع عام 1999.

مواصفات الطائرة


المختبر الطائر لطائرة TU 144-LL المعدلة المستخدم في برنامج أبحاث الطيران ناسا لها أبعاد النموذج TU 144-LLD نفسها، على الرغم من أن المحركات الجديدة المثبتة للبرنامج تعطيه أداء أفضل. طول امتداد جناح الطائرة 28.8 متر بطول إجمالي للجناحين 65.7 متر، وارتفاع 12.85 متراً. وتميل مقدمة الطائرة بمقدار 12 درجة للأسفل لتأمين رؤية أفضل للطيار عند الإقلاع والهبوط، أمّا ذيلا المقدمة canards فهما قابلين للطي لإعطاء الطائرة قدرة أكبر للسيطرة على الانحراف في السرعات المنخفضة. الحد الأقصى لوزن إقلاع TU 144-LL هو نحو 186 طن، بما في ذلك الحمولة الكاملة من 101 طن وقود.

رسم توضيحي لطائرة TU 144-LL. حقوق الصورة: رسوم ناسا التوضيحية NASA Illustrations.
رسم توضيحي لطائرة TU 144-LL. حقوق الصورة: رسوم ناسا التوضيحية NASA Illustrations.
سجلت قوة محركات كوزنيتسوف ان كيه-321 Kuznetsov NK-321 المروحية الجديدة أكثر من 55000 رطل بإعطاء الطائرة أقصى سرعة جوالة فوق 2.3 ماك (نحو 1550 ميلاً في الساعة). تعطي هذه المحركات أيضاً TU 144-LL مدى تحليق أبعد يصل حتى 3500 ميل بحري (6500 كم).

بُني أغلب جسم الطائرة من سبائك الألومنيوم الخفيفة، واستُخدم التيتانيوم والفولاذ المقاوم للصدأ للحواف ودفة الرفع Elevons ودفة التوجيه Rudder وتحت السطح الجزء الخلفي للطائرة Rear Fuselage.

تسويق التكنولوجيا


استخدمت البيانات التي جُمعت في التجارب الجوية والأرضية خلال برنامج أبحاث الطيران TU 144-LL الممول من وكالة ناسا لتطوير قاعدة التكنولوجيا للجيل الثاني المقترح في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن تطوير طائرة استثنائية متقدمة معلق حالياً، فقد قدر خبراء الطيران التجاري أن سوق الطائرات سيحوي ما يقدر بـ 500 طائرة من هذا النوع والذي يمكن أن يتطور بحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

ومن بين الأهداف التكنولوجية المحددة للطائرة أن تكون مقبولة بيئياً، أي يجب ألا يسهم عادم المحرك في استنفاد طبقة الأوزون في طبقة الستراتوسفير Stratosphere. وفي الوقت نفسه يجب أن تكون قابلة للاستمرار اقتصادياً، أي أن تقدر على حمل حمولات أكبر لمسافات أطول وبتكلفة أقل من تكاليف الجيل الأول من خدمات الدعم الفضائي. ومن بين الأهداف سعة 300 راكب (أكثر بثلاث مرات من جيل الطائرات الأسرع من الصوت الأول)، ومدى يبلغ 5000 ميل بحري (أكبر بمرتين من الجيل الأول للطائرة السوفيتية)، وكفاءة تسمح بتثبيت الأسعار لا تزيد عن 20 في المئة من الطائرات دون سرعة الصوت في المسار الجوي نفسه.

إدارة المشروع


تم إجراء أبحاث للطائرة TU 144-LL كجزء من برنامج ناسا لبحوث الطائرات الأسرع من الصوت (HSR)، الذي يديره مركز ناسا لانغلي للبحوث. وأقام مشروع TU 144-LL علاقات عمل مباشرة بين شركات تصنيع الطائرات الأمريكية والروسية وعزز العلاقة بين وكالات الطيران الأمريكية والروسية.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المصطلحات
  • الستراتوسفير (stratosphere): الطبقة الرئيسية الثانية في الغلاف الجوي للأرض، وتقع مباشرةً فوق طبقة التروبوسفير.
  • الانفجار الصوتي (sonic boom): هو الصوت المترافق مع أمواج الصدمة الناجمة عن جسم يتحرك في الوسط بسرعة أكبر من سرعة الصوت في الوسط.
  • الأيونات أو الشوارد (Ions): الأيون أو الشاردة هو عبارة عن ذرة تم تجريدها من الكترون أو أكثر، مما يُعطيها شحنة موجبة.وتسمى أيوناً موجباً، وقد تكون ذرة اكتسبت الكتروناً أو أكثر فتصبح ذات شحنة سالبة وتسمى أيوناً سالباً

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات