مجرةٌ نشطةٌ تتلاعب بأشعة غاما

تشير أرصاد فيرمي إلى احتمال وجود تبدلاتٍ دوريةٍ تمتد لعدة سنواتٍ في انبعاثات أشعة غاما الصادرة عن البلازار PG 1553+113. ويُظهر المخطط البيانات التي تم الحصول عليها من تلسكوب المساحة الكبيرة الموجود على متن فيرمي بدءاً من أغسطس/آب 2008، وحتى يوليو/تموز 2015، والتي تمثل مقدار إصدارات الأشعة السينية التي تتجاوز شدتها 100 مليون إلكترون فولط (MeV). وللمقارنة، فإن شدة الضوء المرئي تتراوح بين 2 و 3 إلكترون فولط فقط. أما الخطوط العمودية على نقاط البيانات فهي مجالات الخطأ. تُبيّن صورة الخلفية أحد التفسيرات المحتملة لدورة أشعة غاما، والذي يتمثل باهتزاز الانبعاثات الناجم عن الشد التثاقلي لثقبٍ أسود آخر فائق الكتلة، والذي يُشاهد في الزاوية العلوية اليسرى من هذا الرسم التخيلي. 
المصدر: مركز غودارد للرحلات الفضائية التابع لناسا/مختبر CI.


من خلال تحليل البيانات التي تم الحصول عليها من تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة غاما (Fermi Gamma-ray Space Telescope)، والتابع لوكالة ناسا، تمكّن الفلكيون من اكتشاف مؤشراتٍ على وجود تغيراتٍ دوريةٍ في سطوع إحدى المجرات التي تنتمي إلى ما تُدعى المجرات النشطة (active galaxies)، والتي تتغذى انبعاثاتها من ثقبٍ أسودٍ كبير الحجم. وفي حال تأكيد هذا الاكتشاف، فإنه سيشكل أول اكتشافٍ لانبعاثاتٍ دوريةٍ من أشعة غاما، تصدرها مجرةٌ على مدى عدة سنوات، والذي سيتيح لنا فهم الآليات الفيزيائية التي تسود قرب الثقوب السوداء بشكلٍ أفضل.

يقول ستيفانو سيبريني Stefano Ciprini، المسؤول عن تنسيق فريق فيرمي في مركز البيانات العلمية (ASDC) التابع لوكالة الفضاء الإيطالية في روما: "لدى دراسة البيانات التي تم جمعها خلال عدة سنوات من تلسكوب المساحة الكبيرة (Large Area Telescope) الموجود على متن فيرمي، فقد اكتشفنا مؤشراتٍ على تبدلاتٍ في أشعة غاما، الصادرة عن المجرة المعروفة باسم PG 1553+113، وذلك خلال دورة تبلغ مدتها حوالي السنتين. وقد شوهدت هذه الإشارة الخفيّة خلال فترةٍ تقل عن أربع دورات. وفي حين أن هذه النتائج تعتبر مثيرة، إلا أننا لا نزال بحاجةٍ للمزيد من الأرصاد لتأكيدها".

تعتبر الثقوب السوداء فائقة الكتلة (supermassive black holes)، أثقل من الشمس بملايين المرات، وهي تتوضّع في مراكز معظم المجرات الكبيرة، بما في ذلك مجرتنا درب التبانة. يقوم الثقب الأسود العملاق في حوالي 1% من هذه المجرات، بإصدار طاقةٍ تفوق الطاقة التي تصدرها الشمس بمليارات المرات، ويمكن لهذه الانبعاثات أن تتفاوت على مقياسٍ زمنيٍّ يتراوح من دقائق إلى سنواتٍ بشكلٍ لا يمكن التنبؤ به. ويسمي الفلكيون مثل هذه المجرات بالمجرات النشطة.

تشكل المجرات النشطة التي تدعى بالبلازارات (blazars) -مثل المجرة PG 1553+113- أكثر من نصف مصادر أشعة غاما التي شاهدها تلسكوب المساحة الكبيرة الموجود على متن فيرمي. ومع تساقط المادة باتجاه الثقب الأسود فائق الكتلة، الموجود في قلب هذه المجرة، فإن بعض الجسيمات ما دون الذرية تهرب بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء، متدفقةً في زوجٍ من النفثات التي تصدر عن قطبيّ الثقب الأسود باتجاهين متعاكسين. وإن ما يجعل البلازار بهذا السطوع، هو أن أحد هذين التيارين من الجسيمات يتجه نحونا مباشرةً تقريباً.

تقول سارا كوتيني Sara Cutini، وهي إحدى علماء الفيزياء الفلكية في ASDC: "نحن ننظر عملياً إلى منشأ هذه الانبعاثات، وبالتالي فإن التبدلات التي تطرأ على سطوعها، قد أصبحت أداتنا الرئيسية لفهم بنية النفثات والبيئة المحيطة بالثقب الأسود".

ونظراً لإمكانية وجود تبدلاتٍ دوريةٍ في أشعة غاما، فإن ذلك قد دفع الباحثين لدراسة مجموعةٍ من البيانات التي تتوزع على أطوال موجيةٍ متعددة، والتي استمر جمعُها لعقدٍ من الزمن. وتشمل هذه البيانات الأرصاد البصرية طويلة الأمد من مرصد تورلا في فنلندا، ومرصد ليك في كاليفورنيا، وماسح السماء في كاتالانيا قرب توسكون في أريزونا، إضافة إلى بيانات الأشعة السينية التي تم الحصول عليها من المركبة سويفت التابعة لناسا. وقد قام الفريق أيضاً بدراسة الأرصاد التي تم الحصول عليها من مرصد وادي أوينز الراديوي قرب بيشوب في كاليفورنيا، والذي كان يرصد المجرة PG 1553+113 كل بضعة أسابيع منذ عام 2008، كجزءٍ من برنامج مراقبة البلازارات الذي يدعم بعثة فيرمي.

يقول ستيفان لارسون Stefan Larsson أحد الباحثين في المعهد الملكي للتقانة في ستوكهولم، وأحد المشاركين القدامى في فريق ASDC: "تُعتبر التبدلات الدورية في الأشعة المرئية والموجات الراديوية، مشابهةً لما نشاهده في أشعة غاما عالية الطاقة الصادرة عن فيرمي. وبما أن هذا النموذج ثابتٌ بشكلٍ كبيرٍ على مجالٍ واسعٍ من الأطوال الموجية، فإن هذه الحقيقة تشير إلى أن التبدلات الدورية هي أمرٌ واقعيٌّ وليست مجرد تموجاتٍ في بيانات أشعة غاما".

وقد قام سيبري وكوتيني ولارسون وزملاؤهم، بنشر النتائج في العدد الصادر في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني من مجلة Astrophysical Journal Letters. وفي حال كانت هذه الدورة لأشعة غاما الصادرة عن PG 1553+113 حقيقية، فهم يتوقعون أن تصل الانبعاثات إلى ذروتها مجدداً في عامي 2017 و 2019، والتي تعتبر ضمن الفترة الزمنية المتوقعة لعمل فيرمي.

وقد حدد الفلكيون عدة سيناريوهات تفسر منشأ هذه الانبعاثات الدورية، والتي تشمل آلياتٍ مختلفةً يمكن أن تؤدي إلى تذبذباتٍ طويلة الأمد في نفثات الجسيمات عالية الطاقة التي تصدر عن الثقب الأسود. ويشمل السيناريو الأكثر إثارةً، وجود ثقبٍ أسود آخر فائق الكتلة يدور على مسافةٍ قريبةٍ من الثقب الأساسي الذي يولد النفثات المرصودة. ويؤدي الشد التثاقلي المتولد عن الثقب الأسود المرافق الكبير إلى ميلانٍ دوريٍّ في الجزء الداخلي من القرص المتنامي الخاص بالثقب الأسود الأساسي، والذي تتجمع فيه الغازات وتسخن أثناء سقوطها باتجاه الثقب الأسود.

وتتمثل النتيجة في هذه الحالة بالاهتزاز البطيء للنفثات، تماماً كما تتحرك نافورة ري الحدائق، والذي يؤدي إلى التبدلات الدورية التي تم رصدها في أشعة غاما.

وتقع المجرة PG 1553+113 في اتجاه كوكبة الحيّة (Serpens)، ويحتاج ضوءها إلى حوالي خمسة مليارات سنة حتى يصل إلى الأرض.


أُطلِق تلسكوب فيرمي الفضائي لأشعة غاما التابع لناسا في يونيو/حزيران من عام 2008. وهذه البعثة هي شراكة بين أبحاث الفيزياء الفلكية وفيزياء الجسيمات، وقد تم تطويرها بالتعاون مع قسم الطاقة في الولايات المتحدة، وبمساهمةٍ كبيرةٍ من عدة معاهد أكاديميةٍ في فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والسويد والولايات المتحدة.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

المساهمون


اترك تعليقاً () تعليقات