رقاقة جديدة تزرع في الدماغ قد تعيد تحكم المشلولين بأطرافهم

إيان بورخارت، وهو شخص مشلول، يعزف على القيثار في لعبة فيديو، ويشاهده نيك أنيتا، وهو مهندس كهربائي في معهد باتيلي التذكاري في كولمبوس، في أوهايو. 
حقوق الصورة: THE OHIO STATE WEXNER MEDICAL CENTER AND BATTELLE
بقلم: بينيديكت كاري – 13 نيسان/أبريل 2016

قبل خمس سنوات، وفي حادثةٍ غريبة من نوعها، غاص طالب الكلية المبتدئ إيان بورخارت في موج أحد الشواطئ الموجودة على الضفاف الخارجية لكارولينا الشمالية، وكسر عنقه على الأرضية الرملية للشاطئ، مما تسبب بفقدانه الإحساس في يديه ورجليه.

يوم الأربعاء، ذكر الأطباء في تقاريرهم أن السيد بورخارت، وعمره 24 عامًا، قد استعاد التحكم في يده اليمنى وأصابعه، مستخدمًا تقنية تسمح له بنقل أفكاره مباشرةً إلى عضلات يده، والتي يمكنها أن تتخطى الإصابة في حبله الشوكي. 


تُعدّ الدراسة التي قدمها الأطباء، والتي نشرت في دورية "نيتشر"، الأولى من نوعها، حيث أنها تتحدث عن "إعادة تحريك الأطراف" Limb reanimation، وهو الاسم المعطى لهذه الظاهرة، عند شخصٍ يعاني من الشلل الرباعي.

زرع الأطباء رقاقةً في دماغ السيد بورخارت قبل سنتين، كان السيد بورخارت -لدى جلوسه في مختبر تكون فيه الرقاقة المغروسة مرتبطةً بكُمٍّ موجود على ذراعه من خلال حاسوب- قادرًا على أن يتعلم كيف يركز تفكيره من أجل جعل يده قادرةً على الصب من قنينة، وعلى التقاط قشةٍ والتحريك بها، وذلك من خلال التكرار والتمرين الشاق، كما أنه كان قادرًا حتى على عزف القيثار في لعبة فيديو.

قال السيد بورخارت في مقابلةٍ معه: "هذا أمر جنوني، لأنني كنت فقدت الإحساس بيديّ، كما أنني كنت أضطر إلى مشاهدة يدي لأعلم إن كانت قابضةً للأصابع أم باسطةً لها"، السيد بورخارت طالب في إدارة الأعمال يعيش في دوبلين في أوهايو، تركته إصابته في حالةٍ من الشلل تمتد من صدره نزولًا، وبقيت بعض الحركات سليمةً في كتفيه وذراعيه.

هذه التقنية الجديدة ليست شفاءً من الشلل، استطاع السيد بورخارت أن يستخدم يده فقط عندما كانت مرتبطةً بالحواسيب في المختبر، وقال الباحثون إن هناك الكثير من العمل قبل أن يستطيع النظام توفير استقلاليةٍ حركيةٍ ملحوظة.

قطاع الهندسة العصبية يتقدم تقدمًا سريعًا، يستطيع العلماء باستخدامهم للغرائس الدماغية Brain implants، أن يفكوا شفرات الدماغ وأن يقابلوها بحركاتٍ معينة، كان الناس يتعلمون سابقًا كيفية التحكم بمؤشر على شاشة باستخدام تفكيرهم، وكانت القردة تتعلم كيفية استخدام الذراع الآلية بمهارةٍ من خلال إشاراتٍ عصبية، وعلّم العلماء القردة الذين كانوا في شلل جزئي أن يستخدموا ذراعًا بنظام معين للتخطي.
هذه الدراسة الجديدة توضح أن طريقة التخطي هذه يمكنها أن تستعيد مهاراتٍ حيوية للأطراف التي لم تعد متصلة بالدماغ.

التقنية الجديدة ليست علاجًا للشلل، وقال الباحثون إن هناك الكثير من العمل قبل أن يستطيع النظام توفير استقلالية حركية ملحوظة.  حقوق الصورة: THE OHIO STATE WEXNER MEDICAL CENTER AND BATTELLE
التقنية الجديدة ليست علاجًا للشلل، وقال الباحثون إن هناك الكثير من العمل قبل أن يستطيع النظام توفير استقلالية حركية ملحوظة. حقوق الصورة: THE OHIO STATE WEXNER MEDICAL CENTER AND BATTELLE
قال راجيش راو Rajesh Rao: "إن هذا الأمر الذي قاموا به أمرٌ مثير للاهتمام، هذه السلسلة من الحركات من تناول شيءٍ ما والصب منه، وتناول عود للتحريك، هذا يُعدّ تقدمًا نحو هدف نصبو إليه جميعًا، وهو أن نوفر لهؤلاء المرضى الاستقلالية بقدر ما نستطيع"، راجيش راو هو مدير مركز الهندسة العصبية الحسية الحركية في جامعة واشنطن.

بعد إصابة السيد بورخارت، خضع لفترةٍ من التأهيل مدتها بضعة شهور في أطلنطا قبل أن يستمر في رعايته في جامعة ولاية أوهايو، قريبًا من منزله، وهناك، أخبر السيد بورخارت الأطباء أنه سيكون عازمًا على المشاركة في العلاجات التجريبية.

 
قال السيد بورخارت: "كنت في المكان الصحيح في الوقت الصحيح، ولكن هذا لا يعني أنه كان لزامًا عليَّ أن أخضع لجراحةٍ دماغية، جراحةٍ لم أكن في حاجة إليها". 
 
 
التخطي العصبي. كيف تحرك يدًا مشلولة. 
الفيديو من: Nature Video

كان بعض أفراد عائلته معارضين للفكرة، فقد رأوا أن إضافة مخاطر العملية الجراحية إلى الصعوبات التي مر بها السيد بورخارت لتوِّهِ كان أكثر مما يحتمل السيد بورخارت، وذلك لأن الفائدة المرجوة منها غير أكيدة.

قال والده، دوغ بورخارت: "يجب أن نأخذ بالاعتبار الوقت اللازم للشفاء، وزرع الرقاقة وإخراجها، وعلى المدى البعيد فإنها لا تنفع إيانَ مثقال ذرة، لقد قرر أن يقوم بذلك من أجل خير البشرية، من أجل تحريك عجلة العلم قُدُمًا".

قال إيان إن أيًا من هذه الأمور لم يشغل اهتمامه: "علمت أنني سأكون محط رعاية، وأن شيئًا ما كان لينتج من ذلك في نهاية المطاف ليساعد الناس الذين يعانون مثلي، إذًا ما المانع من المحاولة؟"

اقتنع والده بالفكرة بعد استشارته لصديقٍ له من المرحلة الثانوية، وهو الآن جِراحيّ أعصاب، وقال: "يذكرني إيان بوالدي، قوي الإرادة، وحازم، وبمجرد أن يقرر شيئًا ما، فإنه يضعه نصب عينيه ولا ينظر للخلف أبدًا، كان سيُقدِم على أي شيء يريده".

وفي 2014، قام فريق جراحيّ في ولاية أوهايو بالعملية الجراحية، واستخدموا تصوير الدماغ من أجل عزل الجزء الذي يتحكم بحركة اليدين من دماغ السيد بورخارت، هذه المنطقة هي جزء مما يعرف بالقشرة الحركية motor cortex، في الجانب الأيسر من دماغه، مباشرةً فوق الأذن، خلال العملية، قام الفريق بالكثير من الفحوصات على نسيج الدماغ المكشوف من أجل تضييق المكان المقصود بأكبر قدرٍ ممكن.

قال د.علي ريزاي Dr.Ali Rezai، وهو الجراح ومدير مركز التحوير العصبي في ولاية أوهايو Ohio State’s Center for Neuromodulation: "قضينا ساعةً ونصف الساعة نعمل من أجل إيجاد المكان بدقة"، زرع د.ريزاي رقاقةً بحجم رأس الممحاة في تلك المنطقة، تحمل الرقاقة 96 "إلكترودًا مجهريًا" microelectrode شبيهةً بالخيوط، تقوم بتسجيل إطلاق الشارات العصبية من خلايا عصبية مفردة.

بعد أن شفي السيد بورخارت من العملية الجراحية، بدأ التدريب: عدة جلسات في المختبر كل أسبوع، محاولًا القيام ببعض حركات اليدين، التقطت الرقاقة أنماط إطلاق الشارات العصبية من خلال كابل كان مثبتًا إلى مدخلٍ موجود في الجانب الخلفي من الجمجمة، ومتصلًا بحاسوب.

صمم علماء من معهد باتيلي التذكاري -وهي منظمة غير ربحية في كولمبوس في أوهايو، والتي تطور أجهزة طبية وغيرها من المعدات- برنامجًا يقوم بفك شيفرة أنماط إطلاق الشارات العصبية، وكان يجب أن تعاد معايرة هذه الشيفرة كل جلسة تقريبًا، وذلك بحسب ما قال هربرت بريسلير Herbert Bresler، وهو من كبار مسؤولي الباحثين في بياتل. 

وأضاف د. بريسلير: "تتغير الإشارة بشكلٍ مستمر خلال مرحلة التعلم، وكان علينا أن نضبط أجهزتنا بحسب هذه التغيرات، كانت الآلة تتعلم بالتزامن مع تعلم بورخارت".

د.بريسلير هو الرئيس المؤقت لهذا المشروع الاستمراري، أما تشاد بوتون Chad Bouton، وهو الباحث الرئيس السابق، فقد كان المؤلف الرئيس، أما المؤلفون المشاركون، فمنهم د.ريزاي ومجموعة من المؤلفين الآخرين من ولاية أوهايو وبياتل.

قال السيد بوخارت إن التدريب كان مرهقًا، كان هناك أفاتار avatar على شاشة الحاسوب، يدله ويلمح له من أجل أن يحاول القيام بالعديد من أنواع الحركات، وأردف: "كان عليَّ أن أركز بشكلٍ كبير جدًا فقط من أجل أن أقوم بهذه الحركات التي كنت أقوم بها بدون تفكير، ولكن الأمر كان أشبه بالتمارين الرياضية، فأنت تعمل وتعمل ومن ثم تصير الأمور أسهل فأسهل".

بعد بضعة شهور، لم يعد السيد بورخارت بحاجةٍ إلى الأفاتار من أجل المحاكاة، قال د.ريزاي: "بمشاهدتي له يغلق يده للمرة الأولى، كانت تلك لحظة أشبه بالحلم، جميعنا تبادلنا النظرات وقتها وفكرنا جميعًا (حسنًا، ها قد بدأ العمل)".

بعد عامٍ من التدريب، صار السيد بورخارت قادرًا على تناول قنينة وصب محتوياتها في جرة، وأن يلتقط قشةً ويحرك بها، كان الأطباء مبتهجين بهذه النتائج، ومع ذلك فقد صرحوا بأن المزيد من التقدم مطلوبٌ من أجل جعل نظام التجاوز هذا نظامًا عمليًا، وقابلًا للتقديم، وأقل من حيث حاجته للتدخل الجراحي، وعلى الأرجح أن يتم ذلك عن طريق التقنيات اللاسلكية، ولكن التقدم كان كبيرًا بشكلٍ كافٍ، على الأقل في المختبر، بحيث استطاع الاختصاصيون إعادة تصنيف العجز عند السيد بورخارت من خللٍ وظيفي بمستوى ر5 (الفقرة الرقبية الخامسة) إلى تسمية ر7 الأقل حدةً.

حتى الآن، من المقرر أن ينفد دعم المشروع، والذي يتضمن نقودًا من ولاية أوهايو وباتيلي، ومتبرعين خاصين، وبنفاد هذا الدعم، تنتهي تجربة السيد بورخارت في استعادة حركته.

وختم السيد بورخارت بقوله: "سيكون هذا صعبًا، لأنني استمتعت بالتجربة كثيرًا، إذا ما كان بإمكاني أن آخذ هذا الشيء للمنزل، سيزودني باستقلالية أكبر بكثير، أما الآن، فعليَّ أن أتكل على شخصٍ آخر من أجل الكثير من الأشياء، مثل ارتداء ثيابي وفرشة أسناني وما إلى ذلك، أنا لا أريد إلا أن يسمع أناس آخرون بهذا، وأن يعلموا أن هنالك أملًا، سيأتي شيءٌ ما بالحل، شيءٌ سيجعل من العيش مع هذه الإصابة عيشةً أفضل".

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات