يمكنك الاستماع إلى المقال عوضاً عن القراءة
انفصال جبل جليدي يكشف عن نظام بيئي مخفي لآلاف السنين

عندما انفصلت قطعةٌ كبيرة من الجليد تزن تريليون طن بحجم ولاية ديلاوير عن القارة القطبية الجنوبية في شهر تموز/يوليو، كشفت عن نظامٍ بيئي بحري غامض وثمين مخفي تحت الجليد منذ وقت قد يرجع إلى 120 ألف عام مضى، الأمر الذي يلزمنا حماية هذا الموئل الآن.
 
يقول جوليان غوت Julian Gutt، وهو عالم البيئة البحرية من معهد ألفريد فيجنر للبحوث القطبية والبحرية في ألمانيا لمجلة Nature: "لا أستطيع أن أتخيل تحولًا أكثر دراماتيكيةً في الظروف البيئية في أي نظام بيئي على الأرض".
 
نتج هذا التحول الملحمي عن انفصال الجبل الجليدي المُسمى A-68، وانجرافه شمالًا في بحر ويديل Weddell بعيدًا عن مرساه السابق، وهو جرف لارسن سي Larsen C الجليدي.
 
ومع حدوث هذا الانجراف، سواء أكان ناجمًا عن التغير المناخي أم لا، فإنّ مساحة شاسعة من المحيط وقاع البحر بمساحة 5818 كيلومترًا مربعًا تقريبًا (2246 ميلًا مربعًا) تنكشف ببطءٍ لأشعة الشمس والظروف البحرية المفتوحة، ويعتقد العلماء أن هذه هي المرة الأولى الذي يحدث فيها ذلك منذ آخر فترة بين جليديةٍ inter-glacial period على الأرض.
 
ومع كشف الستار عن هذه البيئة البدائية البكر، يتوق العلماء إلى دراسة هذه المياه الكامنة وأشكال الحياة التي قد تحويها، ولحسن الحظ، سيحظون الآن بفرصة للقيام بذلك.
 
وبموجب اتفاقية دولية أبرمتها هيئة حفظ الموارد البحرية الحية في القطب الجنوبي CCAMLR في العام الماضي، يصنف هذا النظام البيئي كمنطقة خاصة للدراسة العلمية المخصصة للمنطقة البحرية المكشوف عنها حديثًا بعد تراجع أو انخساف الجرف الجليدي.
 
وتعني تدابير الحماية أنه سيُحظر الصيد التجاري في المنطقة المكشوفة لمدة سنتين على الأقل، ويمكن تمديد المدة لـ 10 سنوات إضافية، وهو إطار زمني يهدف إلى منح العلماء فرصة لتقييم الحياة البحرية الموجودة هناك بالفعل، ومراقبة انتشار الأنواع واستعمارها للمياه المكشوف عنها حديثًا.
 
تقول سوزان غرانت Susan Grant، وهي عالمة الأحياء البحرية من مجلس مسح القطب الجنوبي البريطاني BAS لموقع Live Science: "إنها منطقة غير معروفةٍ ورائعةٍ للبحث العلمي. نحن نعرف القليل جدًا حول ماهية الكائنات التي قد تعيش في هذه المناطق، وخصوصًا كيف يمكن أن تتغير بمرور الوقت".
 
ويذكر أن غرانت كانت في مقدمة الباحثين الذين أوصلو الاقتراح إلى لجنة CCAMLR للاعتراف بالمنطقة الاستثنائية هذه، وينوي مجلس BAS إرسال سفينةٍ بحثيةٍ لدراسة المنطقة في أوائل عام 2018، في حال حصلوا على التمويل الكافي.
 
ومن المقرر أيضًا إرسال بعثاتٍ كوريةٍ جنوبية وألمانية في عامي 2018 و2019 على التوالي، حيث يتنافس الباحثون على دراسة المنطقة في أقرب وقت ممكن، قبل تعرضها لعوامل السطح وأشعة الشمس مما سيؤدي إلى تغيرات كثيرة جدًا في المياه المحمية.
 
تقول غرانت لموقع Live Science: "من الصعب جدًا تنظيم الجهود البحثية لكونها تتطلب الكثير من المال، كما أنّ وقت إرسال السفن ليس بالأمر الذي يسهل ترتيبه، خصوصًا في وقت قصير. لكن حقيقة محاولة الكثير من المجموعات جاهدة اكتشاف شيء ما هناك، يدل على أنّ هذه فرصةٌ فريدةٌ حقًا".
 
وفيما يتعلق بما يمكن أن يتوقعه العلماء عند وصولهم، فلا أحد يعلم على وجه اليقين، فقد كانت آخر سابقة تاريخية لشيء من هذا القبيل في عامي 1995 و2002 بعد انهيار جرفي لارسن A و B.
 
يقول فيل تراثان Phil Trathan لموقع Live Science، وهو باحث في مجلس BAS: "إن الحياة في هذه المنطقة شحيحة، وتشير الفرضيات أنّ المنطقة مشابهةً للمحيطات العميقة جدًا، ولكن ذلك يحتاج إلى اختبار". ولكن، في حين قد تبدو هذه البيئات تحت البحرية المحرومة من أشعة الشمس والموارد الغذائية كمدن الأشباح، فإنها لا تزال مهمة جدًا للدراسة، خصوصًا أنها لن تبقى على هذا النحو لفترة طويلة، وذلك بسبب بدء استعمار الأنواع الجديدة للمياه المكشوفة.
 
يقول تراثان: "سيوجد ضوء الشمس، ومن ثم العوالق النباتية، وستنتشر عندها الأسماك والعوالق الحيوانية بسرعة كبيرة، لذلك سيكون هناك نوعٌ من التفاعل التسلسلي، فمع زيادة الإنتاجية، ستزداد أعداد الأنواع الجديدة، وبالتالي ستكون هناك تغييراتٌ كبيرةٌ جدًا في نطاقٍ زمنيٍّ قصيرٍ نسبيًا".
 
لا تزال هناك مسائل تتعلق بانفصال الجبل الجليدي، ولكن الأمر قضي، وهو يوفر الآن فرصةً رائعة لرؤية تكيف الحياة مع هذه المنطقة العذراء، ولذلك يجب علينا الإسراع قبل فوات الأوان.

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات