العلاقة بين الضغط النفسي ومرض السكري

 

أثبت العلماء وجود علاقة بين التحكم بالقلق والالتهاب ومرض السكري من النوع الثاني

توضيح بوساطة أندريا لوجو Andrea Lugo من جامعة رايس
توضيح بوساطة أندريا لوجو Andrea Lugo من جامعة رايس


وجدت دراسة بجامعة رايس Rice University ارتباطا بين الضغط النفسي العاطفي ومرض السكري، وذلك يعود أصله إلى قدرة الدماغ على التحكم بالقلق.

 

يتمثل هذا التحكم في وظائف الدماغ التنفيذية executive functions، وهي عمليات تتحكم بالانتباه والكبت والذاكرة العاملة والمرونة المعرفية، ولها علاقة كذلك بالمنطق وحل المشاكل والتخطيط.


وقد أثبتت الدراسة، التي نشرتها دورية Psychoneuroendocrinology، وجود سلسلة تفاعلات أيضية تبدأ بالكبت النفسي المنخفض، الذي يُعرف أيضًا بـ"التحكم بالانتباه"، ما يجعل الشخص سريع التأثر بالمعلومات والأشياء والأفكار والأنشطة المثيرة أو المُلهية. وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن هذا الضعف قد يؤدي إلى نوبات قلق أكثر تكررًا، ومن المعروف أن القلق يُنشط مسارًا أيضيًا مسؤولًا عن إنتاج سيتوكينات منشطة للالتهاب Pro-inflammatory cytokines، هي بروتينات إشعارية (مرسلة للإشارات) من ضمنها الإنترلوكين 6 (IL-6)..


إلى جانب الاختبارات الإدراكية، التي كان الغرض منها قياس التحكم في الانتباه، قاست دراسة جامعة رايس مستويات الجلوكوز في الدم، و IL-6 في أكثر من 800 بالغ. IL-6 هو بروتين ينتجه الجسم، ليحفز الاستجابة المناعية وعملية الشفاء. وهو مؤشر حيوي للضغط النفسي الحاد والمزمن، كما أنه يرتبط باحتمالية عالية لوجود مرض السكري وجلوكوز دم عالٍ.


أظهر البحث أن الأفراد ذوي الكبت المنخفض كان احتمال إصابتهم بمرض السكري أعلى مِمّن كان لديهم كبت عالٍ، بسبب المسار الذي يبدأ بالقلق العالي وينتهي بالـ IL-6. وقد كانت النتائج نفسها، بغض النظر عن أداء العينات في الاختبارات المعرفية، مثل اختبارات الذاكرة وحل المشاكل.

كريستوفر فاجوندس في اليسار، وكايل موردوك (حقوق الصورة: Jeff Fitlow)
كريستوفر فاجوندس في اليسار، وكايل موردوك (حقوق الصورة: Jeff Fitlow)



يقول المؤلف الرئيسي، وزميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في علم النفس كايل موردوك Kyle Murdock: "أن الباحثون اشتبهوا بوجود علاقة بين القلق وبين الصحة السيئة، والتي من ضمنها مرض السكري، لسنين عدة، لكن لم يُفصّل أحد المسار الحيوي المسؤول. أما دراسة جامعة رايس، فهي تُلقي نظرة أعمق في كيفية ربط الالتهاب بين الإثنين".


يقول موردوك: "تُظهر الآثار العلمية السابقة أن الأفراد ذوي الكبت الرديء لديهم احتماليةً أكبر للمعاناة من الأفكار المرهقة، وفي مواجهة صعوبة في لفت انتباههم بعيدًا عن هذه الأفكار. لقد جعلني هذا أتساءل عن وجود مسار حيوي في الجسم، يحفزه الضغط النفسي، بحيث يستطيع الربط بين الكبت، والالتهاب، والأمراض التي نهتم بها، مثل داء السكري".


ويضيف موردوك: "تُظهر كثير من الأبحاث، أنه عند تعرض الأفراد للاكتئاب أو الضغط النفسي أو القلق، يزداد مستوى الالتهاب في الجسم. الجانب المبتكر في دراستنا، هو إثبات وجود مسار حيوي في الجسم يمتد من الكبت مرورًا بالقلق، ثم بالالتهاب، وصولا إلى مرض السكري".


يعمل موردوك في مختبر كريستوفر فاجوندس Christopher Fagundes وهو أستاذ مساعد في علم النفس بجامعة رايس. يبحث مختبر فاجوندس في العمليات التي تحدث في حدود علم النفس، وعلم وظائف الأعضاء، وفي كيفية تأثير هذه العمليات بشكل عام على الصحة، والمعالجات المحتملة لها.


جاءت البيانات من إحدى دراسات "تطورات منتصف العمر في الولايات المتحدة الأمريكية"، التي أُجريت على 1255 بالغًا في منتصف العمر، والذين اختبرت قدراتهم الإدراكية على مدى عامين. خضع أكثر من 800 بالغ من هؤلاء لفحوصات الدم، للتحقق من مستويات الجلوكوز والـ IL-6. لم يجد باحثو جامعة رايس العلاقة المؤكدة بين الكبت ومرض السكري فحسب، بل وجدوا غياب علاقة المرض بالوظائف الإدراكية الأخرى، كما أثبتوا أن المسار يذهب في اتجاه واحد [من الكبت إلى الالتهاب] حيث لم يظهر أي تأثير للالتهاب في الكبت أبدًا.

قال موردوك: "لأني كنت متدربًا لمدة عام في علم النفس الإكلينيكي بجامعة أوريغون للصحة والعلوم Oregon Health and Science University، حيث درست مع المؤلف المساعد والمختص في علم النفس، داني دوك Danny Duke، فقد قاد ذلك الباحثين ليظنوا بوجود حلقة تغذية راجعة تعمل في المصابين بمرض السكري. إذ أن الأفراد القلقون أكثر احتمالًا لتجنب العلاج واستعمال إستراتيجيات سيئة للتكيف والملاءمة، على سبيل المثال، التدخين أو النظام الغذائي غير الصحي، التي ترفع جلوكوز الدم، وهذه هي المشكلة. إنه تأثير كرة الثلج [1]، إذ كلما تقدموا في ذلك أصبح الأمر أكثر سوءاً".


أكمل موردوك موضحاً: "نعرف أيضًا، أن ارتفاع الجلوكوز الشديد في الدم قد يؤثر على الوظائف المعرفية كذلك. وقد تحدثنا عن أنه إذا كنا سنعالج هؤلاء الأفراد بشكل ملائم، فإن ذلك لن يكون عن طريق أبقائهم في غرفة، وإبلاغهم: تحتاج أن تأكل أفضل، أو تحتاج أن تستخدم الإنسولين في الوقت المطلوب".


حدد الباحثون مداخلات علاجية محتملة مختلفة، من ضمنها "علاج الوعي التام" [2] mindfulness therapy، والأدوية المحفزة أو الأدوية المضادة للالتهاب، والعلاج السلوكي المعرفي. قال موردوك: "يبين البحث أن الأشخاص الذين يمارسون علاج الوعي التام يؤدون أفضل في اختبارات الكبت طوال الوقت". واقترح موردوك أن لفت انتباه الفرد بعيدًا عن الأفكار المرهقة، قد يؤثر على الاستجابات النفسية.


قال فاجوندس: "أنا مؤمن جداً بأن المُعالجات المبنية على الوعي التام هي فكرة رائعة، وذلك لأسباب عدة. هذا لا يعني أن الأدوية المعززة للكبت، المحفزات على سبيل المثال، لا يجب أن تؤخذ في الاعتبار، لكن مزيجًا بين الإثنين قد يكون مفيدًا".


المؤلفون المساعدون للورقة هم: عضو طاقم جامعة رايس، وخرّيج جامعة هيوستن University of Houston أنجي ليروي Angie LeRoy، وباحثة ما بعد الدكتوراه تامارا لاكورت Tamara Lacourt، وبروفسور بحث الأعراض بجامعة تكساس University of Texas في مركز أندرسون للسرطان Anderson cancer center كوبي هينغن.


الملاحظات:



[1] تأثير كرة الثلج snowball effect: هو التأثير الذي تتحول بموجبه الأمور الصغيرة وتتزايد لتصبح مشكلات كبيرة يصعب حلها في النهاية، كمثل دحرجتك لكرة ثلج من أعلى منحدر فإنها تكبر وتكبر طالما بقيت تتدحرج.


[2] علاج الوعي التام mindfulness therapy: هو علاج يستخدم للمساعدة في منع الانتكاس في النوبات الاكتئابية لدى مرضى الاكتئاب بشكل خاص. يستخدم هذا العلاج طرائق العلاج السلوكي المعرفي، ويضيف إليها إستراتيجيات جديدة، من مثل "الوعي التام" و"تأمل الوعي التام".
 

إمسح وإقرأ

المصادر

شارك

اترك تعليقاً () تعليقات